هيفاء أبو النادياعتدت على قياس طولي مذ كنت طفلة بارتكازي وقوفاً إلى حائط المطبخ، ثم قيام أمي بوضع علامة بقلم الرصاص على الحائط أعلى رأسي. وبمرور العمر والسنوات امتلأ الحائط بالخطوط والنقاط التي كتب إلى جانبها تاريخ اليوم الذي وقفتُ فيه لأقيس طولي. كانت عملية روتينية اعتدنا القيام بها أنا وأمي، ليس لأني أشكو من قصر، بل لأني أشكو من طول يعدّه البعض مفرطاً لمن هن في مثل عمري.أتذكر كم كنتُ أخشى مرور الأيام لأن طولي سيزداد حينها ولن يكفيني حائط المطبخ الذي تراكمت عليه القياسات، فإن ازددتُ طولاً سيرتطم رأسي بعلب البهارات والملح والقرفة المرصوصة والمرصوفة في الجزء العلوي من الحائط، وهذا ما لم أكن أريد له أن يحدث، فلا أريد لشعري أن تفوح منه روائح الهال وورق الغار وأنواع البهارات، كما أني لست مستعدة لتحمّل تعليقات أخرى جديدة في الصف كلما أجلستني المعلمة في مقعد أماميّ أو متوسط، فتلقي بنات الصف الأقصر الجالسات ورائي سهامهن اللاذعة ويبدأن بالتلفظ بأشياء أكرهها مثل: ‘واربي جلستك والتصقي بالحائط كي نرى السبورة والمعلمة’.وحين تتناهى إلى سمع المعلمة مثل هذه التعليقات كانت تعلن قرارها على الملأ قائلة:ـ من الآن فصاعداً، يكون الجلوس حسب الطول، من الأقصر إلى الأطول.وكي تُحققَ عدلَ عُمَر على الأرض في دنيانا كانت تقسّمنا إلى مجموعات، ثم تنادي كل مجموعة على حدة وتبدأ بفرزنا بحسب أطوالنا وترتبنا على الأدراج:ـ من الأقصر إلى الأطول يا بنات..وبذلك يكون المقعد الأخير من نصيبي بكل تأكيد! لا، لا، لم أكن عملاقة كما يمكن للبعض أن يتصور! كل الحكاية هي أن الدنيا جمعتني بمن هن أقصر مني بكثير، لذا كنت أطولهن وكنت عملاقة في نظرهن أيضاً. حتى أمي كنت أسمعها تردد مراراً وهي تدعو الله بعد صلاتها:ـ يا ربّ قصّر طول ابنتي أو على الأقل ثبته إلى أن تصل الثامنة عشرة، ولا تجعل حظها كحظ ابنة عمها سلمى العانس.كانت دعوات أمي تتراوح ما بين ‘قصّر طولها يا الله’ خاصة عندما يحصل زعل بيننا و’ثبته شيئاً يسيراً’ حين يكون الوضع عاديّاً، وكأنها نسيت أنها وأبي بجيناتهما هما من صنعاني وكانا السبب فيما أنا عليه.وشاءت الأقدار أن أكبرَ دون أن تتحقّق مخاوف أمّي، لكنّ شيئاً ما كان قد كبر في داخلي وجعلني أشعر أني طويلة بشكل غير عاديّ، فدأبتُ على شراء أحذية لا ترفعني عن الأرض إلا بما لا يزيد عن ثلاثة سنتيمترات فقط. وكانت تلك مهمة شاقة! أمّا رحلة الذهاب إلى السوق بهدف شراء الحذاء المناسب فكانت جنوناً لا يريد أحدٌ أن يشاركني فيه، حيث أنّ الموضة قد تغيرت وبات كلّ شيء في الأسواق حاضراً وجاهزاً للقصيرات فقط! لذلك لازمتني عقدة من كل القصيرين والقصيرات! فلم يكن حظي جيداً في الحصول على مقعد أماميّ أثناء دراستي المدرسية، وعندما كبرت أصبح السوق أيضاً من ألدّ أعدائي كونه لا يستجيب إلا لمطالب الحسناوات القصيرات!كنتُ أحسّ بأنّ كلّ شيء معدّ ليكون سهلاً للقصيرات فقط! فالمقاعد في الباصات والطائرات تكون لهنّ أكثر من ملائمةٍ، بعكسي أنا! أعرف جيداً أن الحديث عن العقد أمرٌ في منتهى التعقيد والحماقة، ولكن يجدر بي أن أفعل ذلك كي أخرج من دائرة الغضب التي تقتحمني كلما نظرت إلى الصّور في طفولتي. وكأنها تعيدني إلى المربع الأول الذي لطالما حبسني داخل ظلي الطويل جدّاً.أما عندما تقدم باسل لخطبتي كان قصره أول ما استرعى انتباهي. وكأنه أمرٌ وجدته معيباً في الرجل الذي سأكون على ذمته. فمن أي الزوايا سأنظر إلينا إن كنتُ أطول منه؟ كانت تلك وجهة نظري في الأمر، وعلى الرغم من ذلك وافقتُ على الزواج منه والعقدة ما زالت تكبر في داخلي. فلقد كان أفضل من سابقيه.لم أرتدِ في ليلة فرحنا حذاءً بكعب 9 سم كما تفعل العرائس عادة، ولم أفرح كما أردت. وعند التقاط الصور كنت أخلع حذائي ذي السنتيميترين الوحيدين وأقف حافية القدمين. شعور غريب تملكني وقتها، فلم أعتقد أنّ أول ما سأخلعه في تلك الليلة أمام الناس وأمام زوجي سيكون حذائي كي نظهر متقاربين في الصور.وعندما أراد باسل تقبيل جبيني، وقف على أطراف أصابعه، وقمتُ بثني ركبتيّ كي تسهلَ المهمة أمام الناس والكاميرا. وعلى الرغم من أن ثني ركبتيّ لم يظهر في الصورة ولا أمام الناس إلا أنني شعرتُ بجميع من في الحفل يتلصّص عليّ من تحت فستان فرحي الأبيض.لم أعلم أن الأمر سيكون صعباً وقاسياً إلى هذه الدرجة. ولم أدرِ بأن أمّي ستلتصق بعقدة الطول أكثر مني، فقد كانت تلازمني كملاك حارس أو شيطان لا يكفّ عن الوسوسة أو قرين لعين لا يتوقف عن تقريعي لأنه لا يريدني أن أخطئ. اعتادت أمي أن تقول مثلاً: ‘لا تحني ظهركِ’. لكنّ حالها انقلب بعد زواجي، فتغيرت نصيحتها: ‘انحني قليلاً بظهركِ ولا ترتدي أحذية الكعب العالي كي تتوافقي مع زوجك في مشيكما’.أعلم أنها تريد لي الخير كله، ولكنها تدفعني إلى حافة الجنون بملاحظاتها الكثيرة! لدرجة أني واجهتُ باسل بعقدتي وسألته رغم أني متأخرة إن كان هذا الأمر يشكل له أي مشكلة أو عائق. فبادرني بقوله:ـ هات يدكِ.استغربتُ طلبه، وقررتُ أن أجاريه فيه كي أعرف إلى أيّ الأفكار سيقودني. كشف عن رسغي بيمينه وأمسكَ قلم ألوان أحمر وبدأ يرسم، وعندما انتهى نظر في عينيّ مباشرة ثم قال:ـ هذان الخطان هما أنا وأنتِ نحتضن بعضنا البعض، و..لكنني قاطعته بقولي:ـ لكنّ أحدهما يعلو الآخر، ألا ترى ذلك؟فأجاب: ـ نعم.. هذه أنتِ، وهذا أنا الخطّ السفلي الذي يحرس قلبكِ ويعتني به جيداً. أتعلمين ماذا رسمتُ على رسغك؟لم أجبه، لأني كنتُ مشدوهة، لكنه تابع قائلاً:ـ إنها أيقونة الحبّ، فهل فهمتِ الآن ما معنى أن أرسم على رسغك علامة حبّ كهذه؟ كاتبة وأكاديمية من الأردن