أيقونة الوجدان الجمعي

حجم الخط
0

أيقونة الوجدان الجمعي

صبحي حديديأيقونة الوجدان الجمعيالتسديدة الصاعقة، والفرصة الضائعة، وضربة الجزاء، والهدف المحقق… ليست وحدها اللحظات الأكثر درامية في مباريات كرة القدم التي يتابعها العالم هذه الأيام، إذْ لعلّ البرهة الأكثر إثارة للحماس، والأشدّ اكتظاظاً بالمعني والجيشان المعنوي، هي تلك التي تسبق بدء المباراة، خلال الثواني المعدودات التي تشهد عزف النشيد الوطني لكلّ من الفريقين المتباريين.ومن الثابت أنّ النشيد الوطني لأيّة أمّة هو أشبه بالعلامة الفارقة التي تميّزها عن سواها، والرمز الذي يعبّر عن هويتها الوطنية واستقلالها السيادي، تماماً مثل العلم الوطني أو أكثر قليلاً ربما. ويحدث مراراً أن يجهل الآخرون تصميم علم دولة ما، ولكنهم يحفظون موسيقي نشيدها الوطني بسبب عزفه في المناسبات الرسمية والإحتفالات والمباريات الرياضية بصفة خاصة. وفي معظم دورات كأس العالم لكرة القدم، يحدث أن يحفظ المرء جملة موسيقية واحدة علي الأقــــلّ من الأناشيد الوطنية الخاصة بالأمم التي تأهـــــلّت فرقها إلي النهائيات، ولعبت بالتالي مباريات اكثر أتاحت عزف نشيدها الوطني مرّات عديدة.غير أنّ النشيد الوطني هو، أيضاً، جزء من الذاكرة الجَمْعية للأمّة، بل يحتلّ صدارة عالية في الشطر الأكثر إثارة للمشاعر الوطنية الأعرض: الإستقلال (في حال الأمم التي كانت خاضعة للإستعمار أو الإنتداب أو الإحتلال)، أو تأسيس نظام سياسي جديد، أو نشوء الأمّــــة ذاتها بكلّ بساطة. وثمّة أناشيد وطنية ذات طبيعة خاصّة للغاية لأنها من نوع كفاحي ـ ملحمي عابر لمشاعر البلد صاحب النشيد، كما في مثال النشيد الوطني الجزائري الذي مضي زمن كانت فيه حناجر ملايين العرب تنشده وكأنها تؤدّي طقساً سحرياً لاهباً وملهباً للمشاعر.وبهذا المعني يتحوّل النشيد الوطني إلي أيقونة مقدّسة راسخة في الوجدان الشعبي، علي نحو قد يبلغ من التجريد مبلغاً يستعصي تماماً علي أيّة إمكانية لإدخال تبديلات أو تعديلات، وإنْ طفيفة شكلية تجميلية تطويرية، علي النصّ الشعري الذي يصنع النشيد. أمّا اللحن ذاته فإنّ المساس به يصبح أقرب إلي انتهاك الذاكرة الجمعية، وجرح الذات الوطنية، وربما تشويه العلامة الفارقة التي شبّت عليها الأمّة. وباستثناء حالات محدودة للغاية، في الأنظمة الدكتاتورية بصفة خاصة، أو حين تنتقل الأمّة من طور إلي طور آخر مختلف تماماً (كما في جنوب أفريقيا بعد سقوط نظام الأبارتيد)، فإنّ الأناشيد الوطنية للأمم تظلّ ثابتة خالدة باقية، ما بقيت الأمّة.ومنذ سنوات دار في فرنسا سجال لافت حول النشيد الوطني الفرنسي، وما إذا كان من الممكن ـ أو حتي من الواجب، والضرورة ـ تعديل بعض المقاطع في المارسييز الشهير. وخلفية السجال بـــدأت علي يد الفنان والمغنّي والمؤلف الموسيقي الفرنسي أنطــــوان كابيلا، الذي حــــاول انتهاز فرصة حلول الألفية الثالثة لكي يطلق حملة المطالبة بتعديل بعض العبارات العنيفة والدموية والخشنة التي تجعل من المارسييز أنشودة حـــرب وتعطّش للدماء والثأر، وليس نشيداً وطنياً لأمّة تزعم أنها بلد الأنوار والتسامح وحقوق الإنسان.والرجل كان يعرف أنّ اللحن أكثر قداسة (وعراقة، وتجذراً، وجمالاً في الواقع!) من أن يجاهر بتعديله أو اجتثاث بعض أجزائه من ذاكرة الفرنسيين، شيباً وشباباً. وكان، كذلك، يعرف أنّ قلّة قليلة من الفرنسيين هي وحدها التي ما تزال تنشد النشيد كنصّ وقصيدة، وأنّ قوّة المارسييز كانت وتظلّ كامنة في اللحن الموسيقي ذاته. قبل هذا السجال، كان السياسيّ اليميني المتطرف جان ـ ماري لوبين قد شنّ هجوماً مقذعاً علي الأعضاء الملوّنين في الفريق الوطني الفرنسي لكرة القدم، لأنهم لا ينشدون المارسييز في المباريات الرسمية. ثمّ اتضح فيما بعد أنّ السبب لا يعود إلي قرار اللاعبين مقاطعة النشيد الوطني الفرنسي، بل إلي حقيقة أنّ معظمهم ــ ملوّنين وغير ملوّنين ــ كانوا لا يحفظون نصّ النشيد كاملاً، وأنّ الاكتفاء بتحريك الشفاه كان سيضعهم في موقف أكثر إشكالية من خيار زمّ الشفاه!كابيلا دعا إلي تعديل الفقرة التي تحثّ علي حمل السلاح ضدّ الغزاة الأجانب المتوحشين الهادفين إلي جزّ رقاب أبنائنا ونسائنا ، وتدعو الجنود الفرنسيين الثوريين إلي إغراق الخنادق بـ الدماء النجسة للغزاة. حجّته أنّ هذه الفقرة لا تحرّض علي العنف الأقصي فحسب، بل هي تتضمّن تلميحات عنصرية أيضاً (الأجانب، الدماء النجسة) قد تناسب الحاجات الثورية لعام 1795، ولكنها اليوم لا تتناسب مع القِيَم الجمهورية لفرنسا الحديثة. وهكذا ارتأي استبدال عبارات إراقة الدماء وجزّ الرقاب، بأخري تتحدث عن تألّق السماء اللازوردية و تفتّح الألوان في الريح . وأعدّ قرصاً مدمجاً CD يحتوي علي كلمات النشيد الوطني المقترح، وزّعه علي أعضاء الجمعية الوطنية (البرلمان الفرنسي) وعلي شخصيات ثقافية وفكرية وسياسية هنا وهناك، آملاً بنقل النقاش إلي مستوي عملي. كذلك نقل حملته إلي شبكة الإنترنت، وحاول جمع تواقيع المواطنين علي عريضة كبري إلي رئيس الجمهورية والمجلس الدستوري، وأقام سلسلة حفلات موسيقية أدّي فيها النشيد الوطني المقترح، برفقة كورال مهيب مميّز… دون جــــدوي، حتي إشــــعار آخر! لقد ظــــــلّ المارسييز حصّــة الذاكــــرة الجمعية، بدليـــل أنّ 40% من الفرنسيين يقرّون بـ دموية النشيد، ولكن 7% فقط يوافقون علي تغيير كلماته!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية