يُدرج أيمن بكر كتابه «الطقوسية، السردية، المبالغة: نحو نظرية للشعر العربي الحديث» ضمن الشعريات، والتي تعني علم دراسة الشعر والمختصة بدراسة التقنيات، ومن المهم أن نفهم الشعريات في ضوء المقارنة بالتأويلية، تلك المقارنة التي عرض لها بكر في مقدمته كاشفاً عن وجود تناقض بين مهمة التأويلية المتمثلة في الكشف عن معنى الشعر والذي هو غاية كل قارئ، وبين مهمة الشعرية والمتمثلة في دراسة تقنيات الشعر التي يعتبرها مسئولة عن إعاقة القارئ عن الوصول للمعنى الشعري بسهولة ومباشرة.
اختيار بكر أن يكون بحثه في نتاجات شعراء من أجيال مختلفة له غاية واحدة وهي الوقوف على التقنيات، التي تسم أشعارهم بهدف استخلاص سمات محددة يمكن الارتكان عليها للقيام بفعل تنظيري يؤطر به بكر الشعر العربي الحديث على وجه التحديد. ومن خلال استقراء بكر للتقنيات الشعرية الحاضرة في المدونة الشعرية، التي اختارها للدراسة يخلص لوجود ثلاث خصائص تمثل ركائز مائزة للشعر العربي الحديث وهي الطقوسية، السردية، المبالغة.
إن استقراء بكر للنتاجات الشعرية الخاصة بحركة التجديد الشعرية (التفعيلة، قصيدة النثر) قاده للقول بوجود هذه الخصائص الثلاث باعتبارها الأعضاء المكونة لهذا الجسم من الأفكار (النظرية). والأهم أن وجود هذه الخصائص يختلف كماً وكيفاً عن وجودها السابق في التراث الشعري الضارب بجذوره في الجاهلية والممتد عبر قرون (القصيدة العمودية)، وأن هذا تحديداً ما يجعل الشعر العربي الحديث (التفعيلة، قصيدة النثر) يحتاج لفعل تنظير ليميزه عن الشعر العربي العمودي.
يطرح أيمن بكر مفاهيم الطقوسية والسردية والمبالغة باعتبارها مداخل لتوضيح مدى التحول الذي طرأ على الشعر العربي الحديث في صورتيه (قصيدة التفعيلة، قصيدة النثر) قياساً على الشعر العمودي باعتباره الشكل الأكثر رسوخاً في الأفق الثقافي العربي على مدى قرون، بل الشكل الذي مثل النموذج الجمالي الأكثر مشروعية. وبشكل مجمل يجمع بكر بين المفاهيم الثلاثة راصداً مقصده من كل مفهوم بالتركيز على جوهر كل مفهوم بقوله: «ففي حين تميل الطقوسية نحو الأداء ذي البعد الموسيقي/ الصوتي، سواء من قبل النص اللغوي أو من قبل الشاعر/المؤدي والقارئ المردد للنص وإن بصورة غير مسموعة، تميل السردية إلى بُعد التمثيل الذي يعني في سياقنا هذا تمثيل أحداث مترابطة زمنياً وسببياً بما تشمله من شخصيات وحبكة وفضاء..إلخ (…) لقد لفت نظر الباحث ان سمة المبالغة كملمح جمالي (…) قد تحركت نحو آفاق جديدة مع تيارات التجديد في الشعر العربي التي لا ينقصها التحليق الخيالي بهدف صناعة عوالم خاصة، وإلباس التصوير بعداً خرافياً غامضاً».
في ضوء هذا التوضيح المُجمل للمفاهيم يمكن للقارئ تصور أن بكر يرصد تحول الشعر العربي من قطب الشفوية الأصلية إلى قطب الكتابية الطباعية، وأن الحركة هي حركة تطورية للأمام من الشفوية إلى الطباعية. إن هذا التوضيح الإجمالي للمفاهيم الذي قدمه بكر في تمهيده النظري مضلل للقارئ، وهو ما سيكشفه القارئ عند الوقوف على تفاصيل كل مفهوم من المفاهيم الثلاثة وطبيعة العلاقة بينها.
ونجد في الشرح التفصيلي لمفهوم الطقوسية أن بكر يدرج فيه الشكل الطباعي كعنصر من عناصر الطقوسية في الشعر جنباً إلى جنب الأداء الموسيقي /الصوتي، وهو ما يضرب في مقتل أي محاولة لتصور وجود حركة تطورية من قطب الشفوية الأصلية إلى قطب الكتابية الطباعية، فالشفوية لها طقوسيتها وللطباعية طقوسيتها وقد اجتمعتا في قصيدة التفعيلة وفي النماذج الرائدة من قصيدة النثر. ولا يقتصر هذا التوسيع لمفهوم الطقوسية على اشتماله للشكل الطباعي، إذ نجد بكر يزيده توسيعاً ليجعله يشمل التشبيه والاستعارة باعتبارها تقنيات بلاغية رئيسة صارت علامة على النوع الشعري، هذا فضلاً عن اشتمال الطقوسية على منطق بناء النص الشعري وتوالي موضوعاته. (ص27). ومن هنا فإن ربط بكر بين الثقافة الشفوية والطقوسية هو ربط مبني على تصور أن العلاقة بين الشفوية والكتابية ليست علاقة حدية، وإنما هي علاقة تداخل معقدة. فالطقوسية ابنة شرعية للثقافة الشفوية لكنها في الوقت نفسه متغلغلة في الوعي واللاوعي العربي لأنها قادرة على الحركة الذاتية والتمحور للحفاظ على وجودها عبر التاريخ كنوع من المقاومة لحركات التجديد الشعرية ذات الولاء الثقافي والجمالي للثقافة الكتابية الطباعية الحديثة لكنه الولاء المتفاوتة نسبته من حركة لحركة بل من نص شعري لآخر.
ويستدل بكر على تغلغل الطقوسية في قصيدة التفعيلة والنماذج الأولى من قصيدة النثر بذلك الحرص الواضح على الإلقاء الشفوي وتحقيق إيقاعية ما من خلاله، فضلاً عن الحفاظ على وزن، والإصرار على شكل طباعي معين للنص الشعري تتحقق من خلاله إيقاعية تقود القارئ لطريقة قراءة النص باعتباره شعراً له طريقة معينة في القراءة يوصي بها الشاعر الحديث (ص31).
وإذا كانت الطقوسية ابنة الثقافة الشفوية متغلغلة في اللاوعي العربي ومستمرة في التحولات الشعرية العربية الحديثة بأشكال مختلفة، فإن السردية – على النقيض من الطقوسية الإيقاعية – قد أصبحت سمة رئيسة للشعر الحديث بعد أن كانت مجرد ملمح في الشعر العربي القديم، بل يعتبرها أيمن بكر قد صارت أداة في يد شعراء قصيدة النثر لتعويض غياب طقوسية الإٌيقاع عنها (ص74).
إن الحديث عن السردية باعتبارها سمة رئيسة للشعر العربي الحديث هو انتقال من تصور رومانسي للشعر باعتباره تعبيراً مباشراً عن صوت الشاعر الداخلي إلى تصور آخر يكشف عن عناصر السردية المناسبة للشعر، والتي تشتمل على كل عناصر السرد من راو ومروي له وفضاء وشخصيات وأحداث لكنها تخلو من الحبكة. ومن هنا يغدو الشعر الحديث عند أيمن بكر ليس صوت الشاعر بشكل مباشر بقدر ما هو مونولوج درامي «يتأسس على نمط مغاير من المحاكاة، ليس لصراع في العالم، بل المحاكاة لصراع أفكار ومشاعر» (ص102).
وللمفارقة، يمكن أن نلاحظ ربط أيمن بكر بين مفهوم الطقوسية ومفهوم السردية من منطلق أن العلاقة بينهما علاقة عكسية؛ أي كلما هيمنت السردية ضعف حضور الطقوسية، لكن لا يوجد ربط عند أيمن بكر بين مفهوم المبالغة وأي من المفاهيم الأخرى وكأنه مفهوم منفصل لا علاقة له ببقية المفاهيم. لقد قدم بكر مفهوم المبالغة استناداً لتجربة شعراء السبعينيات في مصر وليس لتجربة الشعر العربي الممتدة عبر قرون. إذ بنى تصوره النظري لهيمنة سمة المبالغة كتقنية مائزة لقصيدة النثر على فرضية العزوف عن الأحلام الكبرى لدى شعراء السبعينيات في مصر عزوفاً دفع شعراء قصيدة النثر للتمحور حول الذوات الفردية وبناء عوالم متخيلة على نحو فانتازي بعيد عن الواقع العربي. ومن ثم يقدم بكر شاعر قصيدة النثر في صورة شاعر مختفٍ في عباءة نبي مهزوم أو مختف، وأن الهزائم الحضارية العربية حوّلت خطاب الشاعر/ النبي، الرومانسي «إلى خطاب كاهن» يسعى إلى إرضاء ذاته، «محاولاً طرد العالم كله خارج جنته التي أصبح الدخول إليها مشفراً بصور تخيلية مُلبسة، لا يبدو أنها تسعى إلى صنع تواصل أدبي/ معرفي إنساني، قدر سعيها إلى صنع قطيعة عنيفة تشير حال تحققها إلى تفرد الشاعر وعظمته» (ص120). إن العظمة التي يقصدها بكر هنا هي عظمة شاعر يرى نفسه كاهناً عظيماً يعبر عن وجوده في العالم برمزيات كثيفة ومبالغات شديدة وهجوم عنيف وبشكل شبه مرضى على كل ما يتصل بالقضايا القومية والوطنية والإنسانية والإيديولوجيا والسرديات الكبرى.
والسؤال الآن، هل المبالغة بالمعنى الذي يقدمه بكر تُعد تقنية، ومن ثم تدخل في مجال اهتمام الشعريات أم أنها (المبالغة) دلالة أو تفسير أو معنى يستخلصه القارئ بالاستعانة بالتأويلية؟
إن التمييز بين الشعرية والتأويلية الذي قدمه بكر في مقدمته النظرية ليدرج بحثه ضمن الشعريات المعنية بالتقنيات يحتاج إلى مراجعة. وإذا سلمنا جدلاً بصحة فرضية أن التقنيات تعوق متعة القارئ الذي يستهدف استخلاص المعاني من الشعر بشكل مباشر، فإن دراسة المعاني وتطورها الذي يقع في دائرة التأويلية جزء مكمل وضروري لاستكمال عمل بكر التنظيري للشعر الحديث. فاستقراء التقنيات وحده لا يقدم تفسيراً كافياً لتحولات الشعرية العربية، فالحاجة ماسة لأن يتضافر عمل الشعريات مع عمل التأويلية لتقديم أرضية نظرية صلبة يمكنها أن تقدم شبكة علاقات واضحة تشرح لنا طبيعة العلاقة بين الطقوسية بأشكالها والمبالغة، وكذلك طبيعة العلاقة بين المبالغة والسردية.