الناصرة: “القدس العربي”:
فيما هاجمت الأقلية المعارضة في البرلمان الإسرائيلي اتفاق “الليكود” و”أزرق- أبيض” على تشكيل حكومة جديدة واعتبرتها حكومة متضخمة فاسدة لا تكترث بهموم الإسرائيليين، فقد رجح عدد كبير من المراقبين بأن الرابح من هذه الصفقة هو بنيامين نتنياهو رغم التوافق على التناوب في رئاسة الحكومة مع بيني غانتس وتقاسم الحقائب الوزارية.
وحسب الاتفاق فالحديث يدور عن “حكومة طوارئ وطنيّة” للأشهر الستّة الأولى، على أن يتغيّر تعريفها بعد انقضاء هذه المدّة، التي لن يسنّ فيها أي قانون غير ذي صلة بكورونا.
وجاء هذا التوقيع مع انقضاء 17 شهرا في ظل الحكومة الانتقالية، واتفق الاثنان على التناوب حيث يشغل كل من نتنياهو وغانتس رئاسة الحكومة لـ18 شهرا فيما تشمل الحكومة 36 وزيرا.
وحمل قادة القائمة المشتركة كما كان متوقعا على الحكومة الجديدة، وقال رئيسها النائب أيمن عودة إن “نتنياهو سيأكل غانتس بلا ملح” ناعتا الحكومة بالعنصرية والاحتلال والضم. وانضم له النائب أحمد الطيبي فقال في تغريدة إن حكومة نتنياهو الجديدة سيئة وخطيرة وستغلق الباب أمام اتفاق محتمل مع الفلسطينيين، مرجحا أن تعمل بروح قانون القومية العنصري وتواصل المساس بالحقوق الديمقراطية مشددا على أن القائمة المشتركة ستنشط ضد غانتس بما لا يقل عن مناهضتها لنتنياهو.
يشار إلى أن الطيبي سبق وعبّر عن خيبة أمل “المشتركة” من غانتس، بقوله إن شراكته مع نتنياهو طعنة بالخلف وخيانة للأمانة، خاصة بعدما أوصى وزملاءه على غانتس بتشكيل حكومة أمام رئيس إسرائيل قبل شهر ونصف الشهر.
من جهته قال النائب العربي الأسبق طلب الصانع: “لماذا العتب على غانتس؟ وهل هو ممثل الجماهير العربية في الكنيست؟”.
وأضاف: “العتب على من خلق وهماً لدى الشعب ووضع كل الرهان على غانتس”. وقال إن تحالف غانتس مع نتنياهو ليس مفاجأة، لأنه عشية الجولة الانتخابية الثانية، أجرى مفاوضات متقدمة مع نتنياهو لإقامة حكومة وحدة وطنية.
وتابع الصانع: “كانت للعرب فرصة للدخول إلى الملعب والتأثير، ولكنها ضاعت بسبب الغرور والمراهقة السياسية “.
وحمل عدد كبير من المحللين الإسرائيليين على الحكومة الجديدة، وهاجمها محرر صحيفة “هآرتس” ألوف بن، ونعتها بـ”تحالف النصّابين”. وقال إن المتهم بالفساد في إشارة لنتنياهو، راغب بالإفلات من قبضة القضاء، فيما يريد “سارق الأصوات” الطقوس والتكريمات الرسمية في إشارة إلى غانتس. معتبرا أن قبول غانتس بأن يكون ولي عهد لدى نتنياهو، يعني عدم اكتراثه بتهم الفساد الموجهة لرئيس وزراء.
وتابع: “لابد أن غانتس يرى أنه قد حقق صفقة العمر، لكن جمهور ناخبيه لم يتخيلوا أن يتحولوا لجيش إنقاذ نتنياهو وعوناً له في تهديد الديموقراطية”.
وأكد ألوف بن، أن غانتس بهذا التحالف قد وقّع كتاب تبرئة علنيا لنتنياهو، مشددا على أن هذا المعنى الأهم لتحالف “الليكود” و” أزرق – أبيض”.
وتابع: “لا يوجد لدى غانتس أي تحفظ قيمي مبدأي من شراكة سياسية مع متهم بالفساد وخيانة الأمانة وغش يزعزع أركان الديمقراطية، وهو ذات الشخص الذي كان غانتس نفسه قبيل الانتخابات قد شبهه بالرئيس التركي المستبد طيب رجب أردوغان”.
ويوافق معه زميله محلل الشؤون الحزبية في الصحيفة يوسي فرطر، الذي قال أيضا إن غانتس خضع ومنح المتهم بالفساد الحق بمحاصرة المحكمة العليا. موضحا أن قادة الجيش السابقين في قيادة “أزرق- أبيض ” قد تنازلوا عن مقدراتهم الاستراتيجية، ووافقوا على خطوات تتناقض مع كل ما آمنوا به.
وتابع: “تنتظر ائتلاف لصوص المقاعد البرلمانية معارضة متنوعة، وهذا الخداع الإسرائيلي الجديد المسمى حكومة طوارئ وصل الدرك الأسفل بإخضاع لجنة تعيين القضاة في إسرائيل التي فرض عليها الليكود حق النقض (الفيتو) بموافقة أزرق- أبيض، وبالتالي سيتم التحكم بهوية القضاة في المحكمة المركزية وفي المحكمة العليا الذين سيتولون محاكمة نتنياهو حينما يصلهم الاستئناف على إدانته بتهم جنائية خطيرة”.
وتساءل محرر صحيفة “معاريف” الكاتب الصحافي بن كاسبيت، لماذا وقّع نتنياهو الاتفاق مع غانتس. وقال إنه يبحث عن شريك يتقاسم معه التهم بالفشل التي ستوجه له.
ويشكك بن كاسبيت باحتمال تنازل نتنياهو عن دفة الحكم لغانتس بعد سنة ونصف السنة، لكن المؤكد بنظره أن الأخير سيكون شريكا في حكومة صماء مضخمة منقطعة عن واقع حياة الإسرائيليين.
ومع ذلك يوضح بن كاسبيت أن أحدا لا يعرف بالضبط كيف يكون المستقبل ومن الفائز ومن الخاسر في هذه الصفقة. ويتابع: “هناك من يرى أن نتنياهو ابتلع غانتس والتهمه بعدما طحنه طحن القمح، وهناك من يرى أن غانتس حقق صفقة العمر بحصول كتلته على 18 حقيبة وزارية، وهي تعد 16 نائبا فقط في برلمان تعداده 120 نائبا، علاوة على تقاسمه رئاسة الحكومة، وتمكنه من تحديد موعد واضح ودقيق لنهاية رئاسة نتنياهو بعد 12 سنة ونيفاً من الحكم المتواصل”.
وأضاف: “أنا حائر بين هؤلاء المؤمنين وبين هؤلاء المتشككين، بل ضائع بين هذين القطبين، وأعترف أن التاريخ فقط سيحكم ويبت في هذا السؤال من الرابح ومن الخاسر نتنياهو أم غانتس؟ الصورة ستبدأ بالوضوح بعد 18 شهرا، وفي حال دخل غانتس مقر رئاسة الوزراء فعلا. هذا إنجاز هام ولكن ليس نهائيا، فالامتحان يكمن في السؤال ما إذا سينجح غانتس في إنهاء عهد حكم عائلة نتنياهو التي أفسدت حزبا بل دولة كاملة. عندئذ سيكون هذا إنجازا تاريخيا هاما. وحاليا يمكن القول بثقة إن هذه حكومة متضخمة ومنفصمة عن الجمهور الواسع، تعدادها 36 وزيرا و16 نائب وزير، في وقت دخل فيه مليون إسرائيلي دائرة البطالة وخسروا رغيفهم اليومي، فيما يقلق ملايين آخرون على مستقبل مصدر رزقهم، وتغرق إسرائيل في بئر اقتصادي عميق جدا”.
ويمضى كاسبيت في مهاجمة الحكومة الجديدة، فيرى أن حقيقة استعداد نتنياهو وغانتس لإقامة مثل هذه الحكومة السمينة يعكس الحضيض الأخلاقي الذي انزلقت له إسرائيل اليوم. ويشير إلى أن غانتس وبخلاف نتنياهو، له “أسباب تخفف عنه الفضيحة” فهو ليس قائد القطار الحكومي بل هو راكب فيه.
وضمن توقفه عند فقدان الخجل في السياسة الإسرائيلية، يشير بن كاسبيت للحديث عن بناء مقريْن لرئاسة الحكومة كي يبقى نتنياهو وزوجته في مقرهما عندما يستلم غانتس دفة الحكم كرئيس وزراء. ويتابع: “عندما خسر نتنياهو أمام باراك عام 1999، رفضت زوجته سارة نتنياهو إخلاء منزل رئيس الوزراء الرسمي، وظلت تماطل بخروجها منه، فاستغرق الأمر شهورا وهي تخرج منه كأنها تسير على بيض رغم ضغوط كبيرة مورست عليها، والآن وبعد عشرين سنة، لا يظهر أن هناك قوة طبيعية أو رافعة هندسية تستطيع القيام بإخلاء عائلة نتنياهو من مقرها الرئاسي. من جهة أخرى هي ملزمة بالبقاء وإلا سينهار الاتفاق الائتلافي”.
وقال المحلل للشؤون السياسية في الإذاعة العامة، يواب كاكوفسكي، إن نتنياهو الرابح الكبير في هذه الصفقة؛ لأنه سيتمكن من التحكم بلجنة تعيين القضاة، وليّ ذراع المحكمة العليا، ويبقى تنازله عن رئاسة الوزراء حبرا على ورق حتى الآن.
ويتابع: “ربما يقفز نتنياهو بعد انتهاء ولايته لترشيح نفسه لرئاسة الدولة بدلا من رؤوفين ريفلين الذي يشارف على إنهاء ولايته ويؤمن حصانته لمدة سبع سنوات إضافية”. و
اعتبرت محللة الشؤون السياسية في موقع “واينت” الإخباري “أن الحديث يدور عن اتفاق شلل وطني؛ لأن كل خطوة تريد الحكومة الجديدة القيام بها تحتاج لاتفاق وتوافق مع كل الأطراف”.
وتشير لعدم وجود أجواء احتفالية ترافق عادة تشكيل حكومات إسرائيلية جديدة، معللة ذلك بالقول إن السبب ليس حلول ذكرى الكارثة والمحرقة، بل هو فقدان الثقة المتبادلة بين طرفي الحكومة، والعلم بأنها تنطلق نحو المجهول ولا أحد يعرف أين تستقر مسيرتها.
ويرى المحلل البارز في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، ، ناحوم برنياع، أن نتنياهو هو الغالب في هذه الصفقة، كونه قد نجح بتنفيذ وعوده لناخبيه بعكس غانتس، وأهمها البقاء رئيسا للحكومة، وتجنيد أغلبية تؤيد ضم مناطق في الضفة الغربية لإسرائيل، وسيطرة اليمين على لجنة تعيين القضاة، ومحاصرة المحكمة العليا، ومواصلة إعفاء اليهود المتزمتين (الحريديم) من الخدمة في الجيش.
أما غانتس فقد انتهك وعوده وتعهداته، ومنها عدم الانضمام لحكومة برئاسة نتنياهو المتهم بالفساد، وتعديل قانون القومية، وأي ضم لمناطق في الضفة مشروط بموافقة دولية، ومحاربة الفساد (لكنه وافق على حكومة سمينة جدا بمشاركة 36 وزيرا)، والدفاع عن جهاز القضاء.
ويمنح برنياع نتنياهو علامة 9 من 10 بكل ما يتعلق بإضعاف الديمقراطية وجهاز القضاء، وأيضا القضاء على البديل لحكمه، ومستقبل الضفة الغربية المحتلة والمحكمة العليا.
ويتابع: “أما غانتس فسيكتب في سجل علاماته وشهادته المدرسية: يرفّع للصف الثاني ولكن ليس في مدرستنا”.
ويرجح برنياع أن لا تكون ولاية الحكومة الجديدة سهلة، ويقول إنها ستبدأ بتشريفات متبادلة، وبعد ذلك سيبدأ وزراء اليمين وكتل اليمين، تحت قيادة نتنياهو، بإخضاع وزراء “أزرق- أبيض”. مرجحا أيضا ألا يكون بمقدور هؤلاء التصدي لليكود، وسيصلون يوم استحقاق التناوب على رئاسة الوزراء وهو يلهثون ونفسهم منقطع ودون هواء.
ويشكك برنياع أيضا بقيام نتنياهو باحترام اتفاق التناوب على رئاسة الوزراء، مشيرا إلى أن قلائل جدا في المؤسسة السياسية يعتقدون ذلك.
وبشأن موضوع ضم المستوطنات، يشير اتفاق “الليكود” و”أزرق- أبيض” إلى بدء فتح هذا الملف في يوليو/ تموز القادم، ويتخلله تشاور مع البيت الأبيض، واتصالات مع جهات دولية أخرى.
لكن الاتفاق لا يمنح غانتس حق النقض، ويستطيع نتنياهو إن رغب بالإقدام على الضم. لكن مراقبين أمثال رفيف دروكر المحلل السياسي في القناة 13، لا يستبعد أن يبقي نتنياهو هذا البند حبرا على ورق لأنه لا يرغب بالمخاطرة بحدوث حالة فوضى في العلاقات مع الفلسطينيين، خاصة أنه يعرف بحذره في مثل هذه الخطوات، كما تجلى في تخوفه من إخلاء الخان الأحمر شرقي القدس قبل عامين.
كما يشير دروكر لانشغال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعدوى كورونا، وبمشاكل داخلية وتحديات انتخابية تواجهه اليوم. مرجحا ألا يثقل نتنياهو عليه بموضوع الضم.
في المقابل هناك من يرى أن نتنياهو سيسارع للضم مستغلا وجود صديقه في البيت الأبيض حتى نهاية العام.