أيمن فرحان الناصر: قصة فنان تجسدت في النحت والكتابة

كيف يمكن لروح ثلاثية الأبعاد أن تموت؟!
أيمن النحات، أيمن الفنان التشكيلي، أيمن الكاتب، كلهم اليوم اجتمعوا في غصة واحدة، لازمت حنجرتي المليئة بالغصص. ولا سبيل إلى النجاة منها. لا أحب الاستطراد في التعريف، لولا أن الصفة تتبع الموصوف، لقلت أيمننا مات، وهذه الـ»نا» الدالة علينا مؤلمة ومفجعة وكافية. ها أنا في غربتي المنتقاة أبحث عن أحد يرتدي هو الآخر معطف الذاكرة لنبكي معا، فالحزن مع شريك يصبح أجمل. كيف ألّم بقايا تلك الأيام من ذاكرتي قبل أن تهتك ستر هشاشتي العالقة في سؤال ما زال جوابه يؤجلني منذ عام 2011.
لقد غدرت بنا أحلامنا، ولم يبق لنا سوى قارب الرثاء المثقل بمآسينا المتلاحقة. وكأن لمآسينا أثرا رجعيا، يتبدى في أعراض جانبية حينا، وأحيانا حسبما تؤول إليه، من حيث هي على خط التماس مع مصيرنا المجهول، وما يقترن به، وما يستدعيه أيضا.

في مساء بعيد زارني أيمن ناصر في مكتبي، وحمل إليّ إحدى منحوتاته الصغيرة، تحمل اسم «الموسيقي» ووضعها على طاولة مكتبي هدية، وأخبرني أنه قرر السفر إلى اليمن، التي عاد منها برواية «اللحاف» تلك الرواية التي صدرت عن منشورات اتحاد الكتاب العرب عام 2008. وتتالت بيننا اللقاءات، وفي كل لقاء أتعرف على وجه جديد من وجوه أيمن الكثيرة. تارة أتعرف عليه نحاتاً، وتمثال الخليفة العباسي هارون الرشيد، المتموضع في وسط حديقة الرشيد يشهد على ذلك، وتارة أتعرف عليه فنانا تشكيليا، ولوحته الموسومة بـ»سقط قلبي سهوا» تشهد على ما ذهبت إليه، أما الأدب فحصيلته معلومة أكثر لسهولة حمل الكتاب وتوزيعه. منذ تلك الضجة التي رافقت روايته «اللحاف» وأيمن يقدّ إزميله صخر اللغة، فتتساقط من بين أنامله الألوان. وتتساقط من ذاكرتي الذكريات، لدرجة صرت حين أتذكر تلك اللقاءات أشعر وكأننا التقينا في الربع الخالي، ولا عجب فنحن التقينا في مدينة يحدها الفرات من جهة، والحزن من باقي الجهات.
ولد أيمن فرحان الناصر في الرقة عام 1958، درس اللغة العربية في جامعة حلب، وبدأ حياته الفنية نحاتا، ومن ثم فنانا تشكيليا، وروائيا وقاصا. صدرت له إضافة لروايته الأولى «اللحاف» رواية ثانية بعنوان «روجينا» ومجموعة قصصية بعنوان «رهان الغيم» وهو عضو نقابة الفنون الجميلة في سوريا، وأحد مؤسسي تجمع فناني الرقة، وجمعية ماري للثقافة والفنون، ومن ثم أصبح رئيس النادي الثقافي في أورفا. تقول إحدى الصديقات: «للواقع قدمان، للخيال ألف جناح» وقد استعمل أيمن ناصر كل أجنحة خياله، فكان الفنان والكاتب في آن.
كنت أعتقد أن الفن مضاد للموت، الآن أقولها ببساطة المنكوبين، ودون مراوغات بلاغية، الموت هو الحقيقة الوحيدة، وما تبقى محض أوهام، وأيمن مات. لروحك السلام يا صديقي.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية