أينما نولي وجوهنا فثمًّ العمي
د. علي محمد فخروأينما نولي وجوهنا فثمًّ العمينحن العرب، أينما نولٍّي وجوهنا فثمًّة ظاهرة محيرة. فلا الشارع العربي بمنأي عن ذلك ولا الحكومات العربية. دعنا نأخذ مثلين علي ذلك:أولا: الفيلسوف اليوناني حذًّّّّّّّر شعب أثينا، منذ خمسة وعشرين قرناً، بأن العقاب الذي سيحلُّ بهم، إن رفضوا إعطاء إهتمامهم لشؤون الحكم في مدينتهم، سيكون العيش تحت حكومة يقودها أسوأ أنواع البشر. اليوم، نحتاج أن نذكٍّر الشعب العربي بأنه إن استمر في عدم إعطاء إهتمامه لأولويًّات السياسة التي تعصف بوطنه العربي فان مصيره علي الأغلب سيكون لعدة أجيال قادمة العيش تحت حكومات مجانين البشر التي يظهر أنها ستتعاقب علي واشنطن في المستقبل المنظور.نذكٍّر بمقولة الفيلسوف اليوناني ونذكٍّر أنفسنا وذلك بمناسبة الذكري الثالثة لاجتياح العراق من قبل جيوش الهمجية والتي تمرُّ علي شعوب هذه الأمة من أقصي الشرق إلي أقصي الغرب وكأن الأمر لا يعنيها، هذا في حين أن مئات الألوف من المتظاهرين قد خرجوا في عواصم العالم المختلفة ليعبٍّروا عن سخطهم علي تلك الكذبة التاريخية الاستعمارية التي حاكتها الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا.الغريب أن نفس الشارع يستطيع أن يخرج مائتي ألف متظاهر في بلد تعداد سكانه نصف مليون للاحتجاج علي قانون لا يريده البعض. نفس الشارع يستطيع إخراج مظاهرة من مليون شخص للاحتجاج علي ممارسات نظام عربي تدخًّل في شؤونهم. لكن هذا الشارع العربي نفسه يشاهد مذابح العراق وتمزيقه، يستمع كل يوم لأنين نسائه وأطفاله، يكتشف وجود سجون وقلاع احتجاز سرية امريكية لا تقل الممارسات الحقيرة فيها عًّّما تصوره أبشع أفلام الرعب الخيالية، يستمع إلي تصريحات المسؤولين الامريكيين والانكليز والصهاينة التي لا تمتُّ بأية صلة لأية مشاعر إنسانية أو أخلاقية، يري حكوماته وهي تقف خلف كل صفوف العالم تتفرُّج وتلعق دم الضحايا من علي يد الجلاًّد.. يشاهد ويري ويسمع لكنه لا يفعل شيئاً مماثلاً لما يفعله لقضايا أقلً خطراً علي مستقبل أبنائه وحضارته ودينه.ما تفسير هذه الظاهرة المأساوية؟ هل هو وجود هوُّة سحيقة بين الشارع العربي والشارع الدولي؟ أم أننا وصلنا بحق للصورة التي رسمها المرحوم الصادق النيهوم من أن كل مواطن عربي لوحده يبدو عاقلاً في تمام وعيه لكن الأمة ككل تبدو غائبة عن الوعي؟ أم أن الصورة التي صورها المتنبٍّي (قد تعيش النفوس في الضُّيم حتي / لتري الضًّيم أنها لا تضام) قد أصبحت هي التركيبة النفسية لهذه الأمة؟ أم أننا نمارس الإنتحار الداخلي الذي وصفه المؤرخ الانكليزي العظيم أرنولد توينبي علي أنه مقدٍّمة لإنهيار الحضارات.ثانيا: يجوب في هذه الأيام رئيس معهد العالم العربي دول مجلس التعاون ليشرح لحكوماتها الوضع المالي الخطير لهذا المعهد. فهذا المعهد الثقافي العريق، المشترك بين حكومة فرنسا التي تتكفُّل بتحمُّل ثلثي ميزانيته السنوية وبين حكومات إثنين وعشرين دولة عربية والتي تفشل سنوياً بصورة مخجلة من القيام بتحُّمل ثلث ميزانية المعهد التي وعدت بها عند تأسيسه، هذا المعهد مهدًّد الآن في وجوده. إن حكومات الأمة العربية بسبب جهلها لا تستطيع أن تفهم وتقدٍّر أن باريس هي نافذة الثقافة لكل أوروبا وأن هذا المعهد بالتالي هو استثمار في أوروبا كلها. وهي لا تريد أن تعرف أن دعم هذا المعهد هو في صلب مقاومة الهجمة المسعورة التي تشنها القوي الصهيونية علي ثقافة العرب والمسلمين وأنه معهد يشهد القاصي والداني بأنه خدم الثقافة العربية والإسلامية في أوروبا أكثر مما خدمته كل وزارات الإعلام العربية مجتمعة ومما خدمته الكثير من أقسام الدراسات الشرقية أو الإسلامية في الجامعات الامريكية والأوروبية التي تعيش في أبراجها العاجية ولا تتواصل مع المواطن العادي في الغرب.كيف لا يصاب الإنسان بالإحباط وهو يري أن العمي قد أصاب حكومات وشعوب هذه الأمة، فالي أين نولٍّّي وجوهنا؟9