أين الثورة العذراء؟ .. كفاكم تسوّلا أيّها العرب

حجم الخط
0

عماد فؤاد مسعودقبل بدء الحديث عن مصر وفا ئض الفوضى في شوارعها مرّة أخرى علي التأكيد أنه لا يمكننا استخدام التجريد وتقطير مفهوم الثورة إلى أن ننزع منها معناها النزيه و الحقيقي بحيث نطلق على اعتصام نساء امام ملهى ليلي اسم (ثورة نسائية) لزيادة اجور الراقصات، على الأقل احتراماً لعائلة البوعزيزي التي يكفيها أننا نعذب أفرادها كل يوم في وضعنا لصورة فقيدهم في نشراتنا الاخبارية فيموت في قلب أمّه ألف ميتة في يومها الواحد. أذكرُ في بداية الثورة المصرية أن المتحدثين عبر وسائل الإعلام أنتقدوا الاخوان المسلمين بأنهم ظلّوا في موقف الحياد إلى أن توضّحت المواقف في الشارع المصري وبزغت شمس التغيير ثم تدثروا بدفئها، وبعدها حاولوا الصاق اسمهم فوق سماء ميدان التحرير، وقد رأينا الاسلام السياسي مؤخراً قد حقق فوزا كاسحا في جميع انتخابات الربيع العربي دون اي استثناء في تونس ومصر ثم المغرب والكل يحترم ذلك طالماً هذه التيارات الاسلامية وعلى رأسها الاخوان المسلمين ما زالت حريصة على الديمقراطية و محافظة على عدم التعاطي مع اسرائيل ومتمسكة بعدم الخوض معها في أي اتفاقيات وطالما هي داعمة ومساندة للقضايا العربية والاسلامية ومفهوم المقاومة عموماً. لكن هنالك جدلية شعبية قائمة بين المصريين حول تيار الاخوان المسلمين وما يحققه من مكاسب في الانتخابات بين المجلس العسكري وضبابية المواقف حول خططه المستقبلية وتحديداً في الشأن الاقتصادي وفوارق الطبقات بين المجتمع المصري وعلاقة الاقتصاد المصري بالسوق العالمية أو العلاقة السياسية مع الامبريالية الأمريكية والاتفاقيات الموقعة بين مصر والعدو الصهيوني وحتى العلاقة المصرية مع الأقطار العربية المجاورة، إن الشعب المصري الآن أصبح يرى افراد المجلس العسكري احفاداً لحسني مبارك لان هذا المجلس هو نفسه الذي كان قائماً في عهد مبارك ولم تتغير قياداته أو نهج تفكيره على الاطلاق بحيث ما زال يفكر بعقلية النظام القديم وما زال مأخوذاً بفلوله ورموزه بما في ذلك تكليف أحمد شفيق ثم الجنزوري أي أن الثورة تظهر وكأنها كانت للتخلص من مبارك وحده وليس لبناء مجتمع ديمقراطي وللتخلص من النظام الاستبدادي الذي تغذّى على ابنائه لينمو ويخدم مصالح غربية لتحقيق أهداف خاصة… متى سنعلم أن أجمل العشب ذاك الذي لم يدهسه أحد بعد.

كانت أسباب الحراك المستمر في الشارع المصري هي اجتثاث ثقافة النظام السابق من جسد المجتمع المصري لكن أن يتم سرقة المتحف مع بداية الثورة ومن ثم احراق المجمع العلمي وغير ذلك من الممارسات التي شوّهت صورة المتظاهرين- ولا نعلم بشكل قاطع من كان وراء كل هذا -هنا نحن أمام حرق للتاريخ ومحاولة لتعكير نقاء الثورة واجهاض لاهدافها ومبادئها، فلا يمكن أن يكون الشباب المصريون الشرفاء الذين أشعلوا 25 يناير هم نفس الفئة التي اثارت أعمال شغب مؤخرا وقاموا بقذف الحجارة والملوتوف على المتظاهرين من أعلى بناية مجلس الشعب، ومصر التي البسها المصريون اسم (أم الدنيا) كل العرب يعتزون بتاريخها وينتمون لها بطريقة ما، فالعرب ليس لديهم ما يرتكزون عليه للدفاع عن نفسهم سوى تاريخهم، لأن الغزاة أنفسهم يخافون من التاريخ باعتباره أكبر دليل على غزوهم. وقد يكون تاريخ العالم محكمة تصدر أحكاما كما يرى ‘جيورج هيغل’ المجلس العسكري في بدايته بدأ بطريقة وبرامج صحيحة وحصل على تأييد عربي وعالمي و المراقب السياسي يعلم ان هذا المجلس لا يسعى للحكم وهو ملتزم بتسليم السلطة لمدنيين وفق جدول زمني موضوع بالاتفاق مع أطراف سياسية، لذا عليه الآن ان يلتفت مرّة أخرى إلى هؤلاء الشباب ويتذكر أن الهدف الأساسي من وجوده هو حماية هذا النظام الديمقراطي وحماية هذا التحول والانتقال في نمط الحياة المصرية. والأهم من ذلك كله الا ينتظر املاءات من اطراف غربية لأن القرارات لا يمكن أن تكون مستقلة لو كان الخبز مستعاراً من شخص له علاقة بصاحب القرار وهذا ما ادركه ابراهام لنكولن الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية عندما قال ‘إنهضوا أيها العبيد، فإنكم لا ترونهم كبارا إلا لأنكم ساجدون’، وأؤكد على مفهوم الإعارة وليس الهبة ولهذه المعادلة تأويل لا مجال لشرحه هنا، ولو حفظنا كل ما يقوله اعداؤنا لعرفنا كيف نرمم كرامتنا الجريحة وقد يكون اكبر مثال على إعارة الخبز هو ما يتعلق بالصرف المالي والمساعدات التي تقدمها الادارة الأمريكية واوروبا للفلسطينيين مقابل مواقف سياسية على إثرها يقايض الفلسطينيون خبزهم بدمهم.

إن الشعب الفلسطيني والمواطن العربي عموما سعيد بما يسمعه حول اجتماعات الفصائل الفلسطينية والخطوات الجادة نحو المصالحة وتفعيلها على أرض الواقع وتجاوز مسألة الانقسام ,لأنه من العيب أن يكون الشعب الفلسطيني وهو طليعة المنتفضين والمقاومين أن يعيش بقية حياته بثلاثة فصول بلا ربيع ولا يمكنه اللحاق بالاشقاء العرب الذين أعادوا للانسان قيمته في الوجود وحقه في العيش بكرامة تحت ظل أنظمة ديمقراطية، لأن غياب المنجزات الوطنية لدى القيادات الفلسطينية والفصائل كافة دفعت كلا الأطراف إلى السعي لتحقيق الوحدة مرّة أخرى، وهذه مسألة طبيعية بعد أن أيقن الفلسطينيون أن طريق المفاوضات يُفضي إلى العدم، وأن التنازلات التي يقدمها 7 ملايين لاجئ ونازح أضعاف ما حصلوا عليه، لذا لا بد من اعادة بناء حركة وطنية حقيقية ورسم ملامح جديدة لمنظمة التحرير الفلسطينية وقبل كل ذلك استخدام التنسيق الأمني كأداة ضغط على الحكومة الاسرائيلية بدلاً من التهديدات الخطابية الفلسطينية التي نصفق لها في لحظتها ونلثم ناياتنا وطبولها بعدها بساعات لأن الفرحة الفلسطينية مشروطة بموافقة اسرائيلية فالاحتلال كما نعلم لا يتيح لأحد العيش إلا على طريقته… ومن آمن بعدالة الطبيعة والتاريخ وحده يعلم أن القضيّة الفلسطينية لا يمكن اختزالها بأي شكل كان… والفلسيطينيون لا يمكن تعويضهم عن كل ما أصابهم ولحق بهم حتى لو أعادوا لهم فلسطينهم وأرضهم كاملة… سيظل الجرح الفلسطيني هو قضيّة الرّب الأزلية وحكمتهُ.

لم نلحظ في كل الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الامريكية أي تخوف من شح المخزون النفطي لديها أو اضراب في أسعار الشراء والاستهلاك على العكس تماماً لأن الولايات المتحدة كما نعلم على علاقة وثيقة بالمملكة العربية السعودية وهي احدى أهم الدول العربية المنتجة للنفط والتي تعتبر تصريفاً رئيسياً لصناعة الأسلحة في الولايات المتحدة الأمريكية وبدورها تساهم هذه التجارة كعامل أساسي في دعم الاقتصاد الأمريكي والذي بدوره يدعم الاقتصاد الاسرائيلي الذي يسعى لتفكيك المنطقة العربية والسيطرة عليها، وبذات الوقت نرى مصر العزيزة على حافة احتضارها تسعى لاقتراض مليارات معدودة لتنهض من أزمتها الاقتصادية ونرى والنيل هناك يتغذى من بكاء 40 مليون مصري تحت خط الفقر ومع ذلك نقرأ تقارير اقتصادية عن فوائض في الخليج تصل إلى الف مليار دولار، يبدو أن الثعلب عندما يُصادق الحمامة لأعوام طوال يسعى لسرقة هديلها وغنائها وتسعى هي لاستعارة مخالبه… لا أعلم للآن أيّة مفارقة مؤلمة هذه تلك التي دفعت الضحية لأن تحترم جلادها بل وتتقمصه.’ شاعر وكاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية