في إطار زخم اتفاقات السلام والتطبيع في دول في الخليج وإفريقيا، لإسرائيل مصلحة في اتفاق مشابه مع المملكة السعودية أيضاً؛ لأهميتها السياسية والاقتصادية والدينية. ولكن للسعودية اضطرارات مختلفة داخلية وخارجية وحساسية خاصة بها أيضاً. وسيكون ثمن تطبيع العلاقات أعلى عليها من باقي دول الخليج. وبالتالي، ليس واضحاً متى وبأي شروط ستوقع على اتفاق مثل اتفاقات إبراهيم. وسيحلل هذا المقال الاعتبارات السعودية – الفرص والتحديات المرافقة لخطوة تطبيع العلاقات مع إسرائيل – وسيقف على معانيه وفرص احتمالاته.
قطعت السعودية شوطاً من موقفها المعروف في الماضي كي تؤيد اتفاقات إبراهيم. سياسة “الدعم من الخارج” هذه تنعكس في منح إذن لشركات طيران إسرائيلية التحليق فوق أراضيها، في التغطية والتحليل (الإيجابي نسبياً) في وسائل الإعلام الكثيرة التي في ملكية المملكة وبتصريحات مسؤوليها في الماضي وفي الحاضر. وصرح وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان مؤخراً بأن تطبيع العلاقات بين الدولتين نهايته أن يحصل. ولكنه شدد على التزام المملكة بحل المسألة الفلسطينية على أساس مبادرة السلام العربية. ولم يعد السعوديون يوفرون سوطهم عن القيادة الفلسطينية على أجيالها ويتهمونها، إلى جانب إسرائيل، كمسؤولة عن عدم التقدم في المسيرة السلمية.
تطورت العلاقات بين إسرائيل والسعودية على مدى السنين في عدد من القنوات المتوازية: لا تزال هناك قناة أمنية – استخبارية، تشكل أساساً متيناً، وإن كان ضيقاً، للعلاقات، وتبقى بطبيعة الأحوال سرية؛ وهناك أيضاً قناة اقتصادية – تجارية هادئة هي الأخرى؛ أما في السنوات الأخيرة فثمة قناة في مركزها حوار ديني. إلى جانب السرية التي تتميز بها الغالبية الساحقة من العلاقات، تطورت علاقات علنية مع الزمن وتتضمن اليوم أيضاً لقاءات بين مسؤولين من الطرفين، ولا سيما ممن تبوأوا مناصب رسمية، وبنقل رسائل علنية. ورغم نفي المسؤولين السعوديين، معقول أن المفاوضات والاتفاقات مع مجلس التعاون ومع الإمارات والبحرين والسودان، قد تمت بعلم وتأييد بعض القيادة السعودية على الأقل. وكقاعدة، فإن الاتفاقات الموقعة مع هذه الدول تخدم المملكة وتوفر لها مثابة باروميتر يمكنها من خلالها أن تفحص التحولات والمخاطر المحتملة، بما في ذلك رد فعل الرأي العام على اتفاق محتمل مع إسرائيل.
يبدو أن القيادة السعودية منقسمة في مسألة التطبيع. بينما يطلق مسؤولون سعوديون في الماضي والحاضر تصريحات علنية بالنسبة لإسرائيل، يبدو أن الملك سلمان يتمسك بموقف تقليدي أكثر تجاه إسرائيل والنزاع بينها وبين الفلسطينيين. في خطابه في أيلول 2020 أمام الجمعية العمومة للأمم المتحدة، ربط سليمان مرة أخرى بين التطبيع مع إسرائيل والتزام الأخيرة بسلسلة من الشروط القائمة على مبادئ مبادرة السلام العربية. قد يبدو الاختلاف كما تبينه رسائل القيادة السعودية في هذه المسألة حول مصلحة الحفاظ على محاور مناورة يسمح في ظروف معينة بالتراجع إلى الوراء أو بالسير إلى الأمام نحو التطبيع. واحتمال التطبيع مع إسرائيل سيرتفع مع وفاة سلمان، وبالتأكيد إذا ما توج ابنه محمد ولي العهد ملكاً. معقول أن تتأثر مسألة التطبيع مع إسرائيل أيضاً بفهم بن سلمان إلى أي مدى قد تعرقل هذه الخطوة تعيينه، وذلك لأنه بحاجة إلى الشرعية الداخلية.
فضلاً عن السياسة الداخلية، يثار السؤال إلى أي مدى ينفتح المجتمع السعودي، المحافظ في معظمه، لتوقيع اتفاق مع إسرائيل. حتى الآن، باستثناء بعض النقد، عرف المجتمع السعودي كيف يحتوي خطوات تغيير اجتماعية واقتصادية مهمة في السنوات الأخيرة. ولكن هذا لا يعني أن اتفاق سلام مع إسرائيل سيحظى بمثل هذا التأييد. وكمساعدة لخطوة التطبيع، هناك بعض التغييرات البنيوية الأخيرة في المملكة في مبنى وشخوص مجلس الشورى ومجلس الحكماء، كفيلة بأن تمنح إطاراً أكثر راحة ومرونة أكبر للأسرة المالكة لاتخاذ خطوات بعيدة الأثر كهذه.
لا تخفي الأسرة المالكة رغبتها في تغيير الخطاب الداخلي، بما في ذلك الديني. فالدين يلعب دوراً مركزياً في الخطاب في المملكة، كوسيلة لدى السلطات بتهيئة القلوب وتجميد الدعم الشعبي لسياستها. وسيواصل بن سلمان الاستعانة بالمؤسسة الدينية الممولة من الدولة كي يصد الاعتراضات ويحاول تسويغ خطوات سياسية موضع خلاف بما في ذلك التطبيع مع إسرائيل. هناك المزيد من الأدلة على تبني خطاب متسامح أكثر تجاه اليهود واليهودية، وذلك أغلب الظن بهدف فحص رد الشارع ببث رسائل التطبيع والتعايش في الخطاب العام. وتأتي ردود الفعل السلبية على هذا الجهد من المنفيين السعوديين أساساً، من معارضي النظام في معظمهم، وليس من المواطنين الذين يخشون التعبير علناً عن آرائهم المعارضة للأسرة المالكة.
وثمة تحدٍ آخر يرتبط بحفظ مكانة المملكة في العالم الإسلامي. هذا الموضوع مصلحة عليا لها، ومن شأنه أن يتضرر بالنقد عليها من جهات تسعى لتبنى الموضوع الفلسطيني، وتناكفها بواسطته مثل تركيا وإيران. المملكة الآن في منافسة على النفوذ في العالم الإسلامي مع من يسعون لتحدي مكانتها، والاتفاق مع إسرائيل قد يمس بهذه المنافسة. وبسبب وزن المملكة في العالم الإسلامي، فإن الاتفاق معها يحمل قيمة خاصة وسيسمح لإسرائيل كما ينبغي الأمل بتحسين علاقاتها مع عموم العالم الإسلامي.
ستساعد إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل السعودية في تحقيق عدد من الأهداف الاستراتيجية. أولاً، يتضح في السنوات الأخيرة الشك الذي تطرحه النخبة السعودية في استعداد الولايات المتحدة بالوقوف إلى جانبها حين تتضرر مصالحها الحيوية. وللسعودية مصلحة واضحة في أن تكون واشنطن ضالعة بشكل عميق في الشرق الأوسط، وتبقي التزاماً وحساسية اعلى للمصالح السعودية، ولا سيما في كل ما يتعلق بإيران، وترى الرياض في اتفاق مع إسرائيل وسيلة لتعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة. ويحتمل أن يبقي السعوديون الموقف من الموضوع إلى ما بعد الانتخابات في الولايات المتحدة، حين يكون لهم ما يعطونه لبايدن، إذا ما فاز بالطبع. إن تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة هو مصلحة سعودية عليا وله تأثير أيضاً على مكانة بن سلمان في الداخل.
ثانياً، الاتفاق مع إسرائيل كفيل في نظرها أن يحسن صورتها ومكانتها الدولة التي تضررت في السنوات الأخيرة، بسبب بعض الخطوات التي اتخذتها. وهذا الاتفاق كفيل بأن يحسن هذه الصورة ولا سيما في الكونغرس، وهو يتوافق مع المحاولة السعودية لتسويق “الإسلام المعتدل” كجزء من عملية حداثة متواصلة. للسعودية مزايا محتملة أخرى في شكل اتفاق مع إسرائيل، وإن كان بعضها يعطى لها دون حاجة للإعلان عن العلاقات. ولكن هذا الإعلان سيسهل عليها، مثلاً، الوصول الأكثر راحة إلى تكنولوجيا إسرائيلية، بل وربما إلى تعزيز مكانتها في الأماكن الإسلامية المقدسة في إسرائيل. يشار إلى أن تعاظم التخوف السعودي من إيران كفيل بأن يكون عنصراً مشجعاً للتقرب من إسرائيل، وليس بالتوقيع على اتفاق رسمي مثلما يمكن له أن يكون أيضاً عامل إبعاد.
بالنسبة للمملكة، تبقى مسألة العلاقات مع إسرائيل مرتبطة بمسألة استقرارها ومكانتها. والتقدير هو أن اتفاقاً مع إسرائيل في الوقت الحالي يعتبر أبعد مما ينبغي بخطوة واحدة، ولكن هذا لا يعني أنه اتخذت استعدادات له ولا سيما في كل ما يتعلق بتهيئة الرأي العام السعودي والعربي المتبقي في معظمه ضد التطبيع مع إسرائيل. كلما شعرت المملكة أن بوسعها أن تراقب وتتحكم بالخطاب العام فإنها ستتخذ خطوات تقارب مع إسرائيل بأمان أكثر.
في السطر الأخير، تتخذ السعودية خطوات مدروسة نحو تطبيع علاقاتها مع إسرائيل في مثابة “التطبيع الزاحف”. وفي وزن الاضطرارات والمزايا من الصعب أن نقرر متى وفي أي ظروف ستتفضل المملكة للانضمام إلى اتفاقات إبراهيم. والدرس من التوقيع على هذه الاتفاقات هو أنه لا يمكن استبعاد هذه الإمكانية. في الطريق إلى الاتفاق، ستدرس المملكة مقياسين أساسيين: استمرار وتوسيع اتفاقات إبراهيم وتحسين العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين. واستعداد إسرائيلي لاتخاذ خطوات تدعم مسيرة السلام ستساعد هذين المقياسين وتساعد إمكانية أن تطبع السعودية علاقاتها مع إسرائيل أخيراً. ولأجل ذلك، ثمة عوامل أخرى مساعدة، مثل موافقة أمريكية على بيع طائرات “إف 35” ووسائل قتالية متطورة أخرى للسعوديين، وتغييرات داخلية في المملكة تتعلق بتحسين مكانة إسرائيل في الرأي العام وبهوية الملك السعودي.
بقلم: يوئيل جوجنسكي
نظرة عليا 29/10/2020