أين مسؤولة الأمم المتحدة في الأزمة الليبية؟

عبد الحميد صيام
حجم الخط
2

نيويورك-(الأمم المتحدة) ـ «القدس العربي»: لم ينج مبعوث أممي إلى ليبيا من التعرض للنقد اللاذع من أحد الأطراف الليبية. فمجرد أن يدلي بتصرح أو يعبر عن موقف لا يرضي أحد أطراف النزاع يتعرض للاتهام بالانحياز. ولعل هذا هو التفسير المنطقي لتعيين سبعة مبعوثين خاصين إلى ليبيا إضافة إلى ستيفاني وليامز التي عينت مبعوثة خاصة بالوكالة بعد استقالة غسان سلامة. ثم عندما لم يتفق أعضاء مجلس الأمن على مبعوث خاص جديد بعد استقالة يان كوبيتش في تشرين الأول/نوفمبر 2021 بعد ثمانية أشهر من توليه المنصب، عاد الأمين العام وعينها مستشارة خاصة للأمين العام حول ليبيا وهذا منصب لا يحتاج الأمين العام أن يأخذ موافقة عليه من مجلس الأمن.

ثمانية مسؤولين أمميين أي ما يعادل مجموع ما عين من مبعوثين لليمن وسوريا مجتمعين، طلب على الأقل نصفهم إعفاءه من المنصب بعد أن وصل إلى حائط مسدود مع الليبيين. لكن التهمة الجاهزة هي عجز الأمم المتحدة، وانحياز المبعوث الخاص، وتدخل الأمم المتحدة في الشأن الليبي، وغياب الدور الفاعل للأمم المتحدة وتقاعس الأمم المتحدة عن تنفيذ قراراتها والتعاطي مع كل الأطراف بمسطرة واحدة.

إنجازات المبعوثين الدوليين

لست في معرض الدفاع عن الأمم المتحدة والتغطية على إخفاقاتها العديدة. ولكني دائما أفرق بين الأمم المتحدة كمسرح والأمم المتحدة كممثلين. فليست الأمانة العامة ولا الأمين العام من يقرر جدول أعمال مجلس الأمن أو الجمعية العامة ولا قراراتهما، بل الدول الأعضاء وخاصة الخمس الدائمين. هؤلاء يصنعون السياسات والقرارات ثم يطلب من الأمانة العامة التنفيذ. وعند اختلاف أعضاء مجلس الأمن يحدث الشلل والجمود والتكرار الممل والقرارات الغامضة التي تقول الشيء ونقيضه.
لكن للحقيقة فإن هناك أدوارا إيجابية وإنجازات ملموسة حققها المبعوثون الخاصون إلى ليبيا. فعبد الإله الخطيب وطارق متري ركزا على احتواء الصراع والإشراف على الانتخابات التشريعية عامي 2012 و 2014. ثم أنجز برناردينو ليون الإسباني وثيقة الصخيرات المهمة التي شارك في صياغتها طيف واسع من الليبيين وتم التوقيع عليها في مدينة الصخيرات المغربية بتاريخ 17 كانون الأول/ديسمبر 2015 ثم قام مجلس الأمن باعتماد الوثيقة بالإجماع بتاريخ 23 كانون الأول/ديسمبر أساسا لحل الصراع في القرار 2259 ليكون خريطة طريق لنقل البلاد إلى الاستقرار.
كلفت الأمم المتحدة بعدها إثنين من المبعوثين الخاصين للعمل على تنفيذ اتفاقية الصخيرات وهما الألماني مارتن كوبلر واللبناني غسان سلامة. وقد وضع سلامة خريطة طريق تقوم على ثلاثة مسارات: سياسي وعسكري واقتصادي. وهو ما تابعته وليامز وأنجزت اتفاق الملتقى السياسي الليبي على تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة. وقد منح البرلمان الثقة لحكومة الوحدة الوطنية بأغلبية 132 نائباً وهي نسبة عالية أكثر من ثلثي الأعضاء. واتفق على عقد الانتخابات في 24 كانون الأول/ديسمبر 2021 وأعلن عن وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2020 وبدأت الأمور تسير وكأنها على طريق الاختراق نحو التسوية السياسة الشاملة حيث أعادت بعض الدول سفاراتها إلى طرابلس من بينها مصر واستؤنفت الرحلات الجوية الداخلية وفتحت الطرق وبدأت اللجنة الوطنية العليا للانتخابات بتسجيل المواطنين حيث وصل عدد المؤهلين للانتخابات نحو 2.8 مليون وبلغ عدد المرشحين للرئاسة نحو 100 شخصية من بينهم نساء وعدد المرشحين للبرلمان يزيد عن 2000 شخص.
لماذا عادت الأمور إلى حافة الانهيار؟ ولماذا عاد شبح الحرب الأهلية يهدد مدينة طرابلس التي تحوي ثلث سكان البلاد؟ هل اللوم يقع على عاتق الأمم المتحدة وستيفاني وليامز أم على الفرقاء الليبيين الذين لا يزيدون إلا انشقاقا؟

شروط نجاح الوساطة الأممية

للأمم المتحدة خبرة طويلة في موضوع الوساطة. وقد استخلصت من تلك التجارب العديدة في كافة المناطق مجموعة دروس تضمنها تقرير مهم أعده الوسيط الدولي المخضرم، الأخضر الإبراهيمي، وسمي باسمه، ومعه فريق من الخبراء وقدمه لمجلس الأمن عام 2000. وجاء في ذلك التقرير أن الوساطة الأممية بكافة أشكالها كي تنجح يجب أن تتوفر الشروط التالية:
– أن يكون مجلس الأمن موحدا في دعم الوساطة الدولية ونشر قوات حفظ السلام إذا تطلب الأمر ذلك؛
– أن توفر الأمم المتحدة كافة الامكانيات اللوجستية والسياسية لإنجاح الوساطة؛
– أن يتم الاتفاق على جدول زمني محدد قابل للقياس، أي أن تكون هناك خريطة طريق منضبطة لجدول زمني يتم تحقيق إنجازات في كل مرحلة تتوج بإنجاز الهدف من الوساطة وتأتي بعدها عملية البناء وإعادة الإعمار؛
– أن يكون هناك تعاون من قبل أطراف الصراع مع المبعوث الخاص أو الوسيط الدولي أو مع قيادة عملية حفظ السلام، وأن يكون لدى مجلس الأمن استعداد لفرض عقوبات حقيقية على من يعطل عملية السلام ويعبث بأمن البلاد؛
– وأخيرا أن لا تكون هناك تدخلات خارجية لدعم طرف على حساب طرف آخر مما قد يعطل سير العملية السياسية أو يفشلها تماما.
التدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية
من حسن حظ ليبيا أو من سوء حظها أنها دولة مهمة لثلاثة تجمعات: الجار الأوروبي والاتحاد الأفريقي والأشقاء العرب. والتدخل في الشأن الليبي بدأ مبكرا وخاصة من مصر، الدولة الأكثر علاقة بليبيا تاريخيا، فقد كانت تحتضن في مرحلة سابقة نحو مليوني مصري يعملون في كافة القطاعات الصحية والمصرفية والتعليمية والخدماتية. كانت كل دولة تريد أن تضمن مصالحها في هذا البلد قليل السكان، غني الموارد. كانت هناك منافسة بين فرنسا من جهة وإيطاليا من جهة أخرى. ثم دخلت روسيا الاتحادية ساحة المنافسة إضافة إلى تركيا. ثم التحقت بقاطرة المتدخلين دولة الإمارات مدعومة في فترة من السعودية في الشأن الليبي ودعم طرف ضد طرف آخر. ومع احتدام الانشقاقات والمواجهات العسكرية، وصل عدد الدول العابثة بالشأن الليبي إلى تسع على الأقل، كما قال المبعوث الخاص للأمين العام، غسان سلامة. وفي ظل هذا التدخل تعقدت الأمور في ليبيا حيث كان هناك من يراهن على حسم عسكري يقوده اللواء حفتر، بينما اعتبرت الأطراف الأخرى أن دعم حفتر، المتهم هو وميليشياته بارتكاب جرائم حرب في بنغازي ودرنة وترهونة، خرقا لقرارات الأمم المتحدة وخروجا على شرعية حكومة الوفاق وانقلابا على ثورة 17 شباط/فبراير 2011 التي أطاحت بديكتاتور ليبيا لاستبداله بديكتاتور آخر.
لقد ظهر المحوران الإقليمي والدولي بشكل فاضح في دعم عملية حفتر لاستعادة طرابلس بالقوة المسلحة التي انطلقت يوم 4 نيسان/أبريل 2019 لدرجة أن حفتر تلقى مكالمة هاتفية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم 19 نيسان/أبريل لدعمه وأثنى على دوره في «مكافحة الإرهاب وتأمين مصادر النفط».
لكن دخول تركيا على الخط وتوقيع اتفاق مع حكومة السراج في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 للتعاون العسكري والأمني والتي دخلت حيز التنفيذ في 9 كانون الثاني/يناير 2020 قلبت موازين القوى لصالح الوفاق وألحقت بحفتر هزائم متلاحقة وطردته من الغرب الليبي وصولا إلى خط سرت الجفرة الذي اعتبره الرئيس المصري خطا أحمر يستدعي التدخل العسكري فورا من جانب مصر فيما لو حدث ذلك.
وتوثق تقارير فريق الخبراء استخدام الطيران الحربي ذات الأجنحة الثابتة وعدد الغارات التي شنتها على مناطق الغرب الليبي، بالإضافة إلى المروحيات القتالية والأسلحة الثقيلة الأخرى ومن بينها المسيّرات الخطيرة. كما أن التقارير توثق أعداد وجنسيات ومناطق انتشار المرتزقة من جنسيات عديدة وخاصة الفاغنر الروس والجنجويد والسوريين المنقسمين بين المجموعتين.

مسؤولية الليبيين

إن التهرب من المسؤولية وتطويحها في أحضان الأمم المتحدة لن يعفي الليبيين من مسؤولياتهم من جهة ومن جهة أخرى فإن هذه التهمة غير دقيقة ولا تساهم في حل قضاياهم العالقة. لقد التقى أصحاب المصالح في الخارج مع الأطراف الليبية في الداخل ما أدى إلى استمرار الانشقاق الذي جر إلى الاحتراب ليومنا هذا وأن نقاط الضوء القليلة التي أنجزت في ليبيا كان للأمم المتحدة ومبعوثيها السبعة إضافة إلى ستيفاني وليامز الفضل الكبير في إنجازها.
فالذي رفض انتخابات 2014 هم أطراف ليبية. والذي قاتل في بنغازي ودرنة هم أطراف ليبية مع بعض عناصر مستوردة من الخارج. والذي أعلن عن قرب تحرير طرابلس من الإرهاب ومن تصدى له أطراف ليبية مدعومين وممولين ومسلحين من الخارج. والذي شكل حكومة الوحدة الوطنية وحدد يوم الانتخابات ثم عاد وانقلب عليها وأجل الانتخابات هم أطراف ليبية. والذي حل حكومة الدبيبة وعين حكومة فتحي باشاغا هم أطراف ليبية مدعومين من الخارج. والذي قد يحتكم إلى السلاح مرة أخرى هم أطراف ليبية.
والذي تقدم بمبادرة إنقاذ بتشكيل لجنة مكونة من ستة من المجلس الرئاسي وستة من البرلمان لتجتمع يوم 15 اذار/مارس الحالي لبحث كافة المسائل والاتفاق على إعلان دستوري هي مستشارة الأمين العام ستيفاني وليامز. فهل تقبل الأطراف الليبية هذه المبادرة بدل وضع اللوم على الأمم المتحدة وفي نفس الوقت حشد القوات استعدادا للسيطرة على طرابلس وإعادة فتح ملف الحرب الأهلية بعد توقف زاد عن 22 شهرا؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية