أين موقع حماس الصحيح.. في السلطة أم المعارضة؟

حجم الخط
0

أين موقع حماس الصحيح.. في السلطة أم المعارضة؟

عـبد الله الحورانيأين موقع حماس الصحيح.. في السلطة أم المعارضة؟حين فازت حركة حماس في الانتخابات التشريعية، رأت في هذا الفوز نجاحاً لها ولبرنامجها السياسي، سيمكنها من تشكيل حكومة للسلطة الوطنية، تحظي بدعم الجمهور الذي أعطاها الأغلبية في الانتخابات، كما تحظي بدعم عربي ودولي باعتبارها جاءَت نتيجة عملية ديمقراطية اعترف بها العالم، وامتدحها. كذلك رأت حركة حماس أن هذا النجاح سيمكنها من كسر الحصار الدولي عليها، وسيفتح الباب أمامها لإقناع العالم ببرنامجها السياسي الذي فازت علي أساسه، وسيحررها من تهمة الإرهاب الموجهة لها من قبل الإدارة الأمريكية وإسرائيل والعديد من الدول الغربية. لكن الإدارة الأمريكية، ومعها، بالطبع، الحكومة الإسرائيلية، خططتا ومنذ اللحظة الأولي لفوز حماس، بل ربما وضعتا هذا المخطط قبل إجراء الانتخابات، وذلك من باب التحوط لفوز حماس، لأن التوقعات كانت تشير إلي احتمالات فوز حماس، بغض النظر عن نسبة الفوز، سواء كانت تشكل أغلبية، أو تشكل ثقلاً ذا وزن في المجلس التشريعي، وبالتالي داخل السلطة الوطنية الفلسطينية. خططت الإدارة الأمريكية لأن تجعل من هذا الفوز فرصة لإيقاع حماس في مصيدة حبكتها الإدارة الأمريكية بإتقان، لترويض حركة حماس، وإخضاعها وإخضاع برنامجها للشروط التي تضعها الإدارة الأمريكية. تمثلت هذه الخطة في حرب الحصار التي أعلنتها الإدارة الأمريكية علي السلطة الفلسطينية عموماً، وعلي الحكومة الفلسطينية التي تمثلها حماس بشكل خاص، وجندت للوقوف معها في هذه الخطة معظم دول العالم العربي، والدول الإقليمية. وقد رأينا كيف تعاملت العديد من الدول العربية والأجنبية مع حكومة حماس حين رفضت استقبال ممثليها. وحتي الدول التي استقبلت هؤلاء الممثلين، كان هدفها ليس الاستماع إليهم بقدر ما كان للضغط عليهم، وإسماعهم شروط الإدارة الأمريكية بضرورة الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، والتخلي عن خيار المقاومة المسلحة، والتنازل عن حق العودة، كشروط مسبقة لرفع الحصار الاقتصادي فقط، وقبول التعامل مع حكومة حماس، وليس مقابل أي تنازلات أو اعترافات من جانب إسرائيل بالحقوق الفلسطينية. بل لم تكن هناك أي تعهدات بوقف سياسة الاعتداءات والاغتيالات والاعتقالات، التي تمارسها إسرائيل يومياً ضد الشعب الفلسطيني. وبالطبع لعبت إسرائيل دورها في هذا المخطط من تصعيد الاعتداءات اليومية، وإقفال المعابر، وزيادة الحواجز، ومنع التنقل بين الضفة والقطاع، وتقطيــــع أوصال الضفة وتقسيمها إلي كانتونات، هذا بالإضافة إلي تجميد الأموال الفلسطينية لديها، وتهديد ممثلي الجهات الدولية بوقف التعامل مع أي منهم إذا ما أجروا أي اتصالات مع الحكومة الفلسطينية. وتراهن الإدارة الأمريكية علي أن هذه الضغوط الخارجية الدولية والإسرائيلية، بما يترتب عليها من ضغوط داخلية اقتصادية وصحية وأمنية واجتماعية، ستضع حركة حماس وحكومتها في موقف صعب، قد يجرها إلي القبول بالشروط المطلوبة منها، إذا ما تمسكت بالبقاء في السلطة. وقد سبق للإدارة الأمريكية، ومعها أيضاً الحكومة الإسرائيلية، أن اتبعت نفس السياسة مع منظمة التحرير الفلسطينية، بدءا من الهجوم عليها وحصارها في بيروت، ودفعها للرحيل، وتشتيت قواتها، وتجفيف منابعها المالية، من خلال وقف الالتزامات المالية العربية التي أقرتها القمم العربية لمساعدتها ـ باستثناء العراق الذي ظل ملتزماً بدفع التزاماته حتي فرض الحصار عليه عام 1991 ـ إلي أن وصل الأمر بالمنظمة إلي عدم القدرة علي دفع رواتب منتسبيها وقواتها المنتشرة في عدة بلدان عربية ـ كما يحدث الآن لموظفي السلطة ـ. واقترنت هذه الضغوط المالية بضغوط وشروط سياسية جرتها إلي القبول عام 1988 بقرار مجلس الأمن رقم 242، وإعلان إدانتها للإرهاب. ثم دفعها للقبول بخيار المفاوضات من خلال مؤتمر مدريد في تشرين الاول (أكتوبر) 1991، وبعد ذلك مفاوضات واشنطن بين الحكومة الإسرائيلية، ووفد فلسطيني من الأراضي المحتلة، برعاية أمريكية، وصولاً إلي مفاوضات واتفاقات أوسلو التي حملت نفس الشروط والمطالب المعروضة علي حركة حماس الآن. وهي الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، ووقف الانتفاضة، والتخلي عن خيار المقاومة المسلحة، ومكافحة الإرهاب، وتغيير مواد الميثاق الوطني الفلسطيني التي تتعارض مع هذه المطالب. كل ذلك مقابل أن تعترف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني وأن توافق علي تولي قيادة المنظمة مسؤولية سلطة الحكم الذاتي في المناطق الفلسطينية التي تجلو عنها إسرائيل من الضفة وقطاع غزة، وفق ما نصت عليه اتفاقات أوسلو. ورغم أن المنظمة، حاولت بالتأكيد، خلال هذه المفاوضات ـ كما تحاول حركة حماس الآن ـ الحصول من إسرائيل علي اعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة، وعلي عدم شرعية الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، وعلي حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، أو حتي أن تعترف إسرائيل بأن أراضي الضفة بما فيها القدس، وقطاع غزة، هي أراض محتلة…… إلا أنها لم تحصل علي مطلب واحد من هذه المطالب، رغم أن الأوضاع الدولية والعربية في ذلك الوقت كانت أقل خضوعاً للهيمنة الأمريكية، مما هي عليه الآن، ورغم أن المجتمع الدولي وقتها، كان أكثر تعاطفاً مع الانتفاضة الفلسطينية وتفهماً لها ولمطالبها في التحرر من الاحتلال. وهناك عامل آخر استخدمته إسرائيل بدعم أمريكي، للضغط علي قيادة المنظمة وهو إغراؤها بالاعتراف بها والتعامل معها، وتسليمها السلطة في مناطق الضفة والقطاع، إذا ما قبلت بالشروط الإسرائيلية، أو أنها ستتعامل مع أهل الداخل، وتسلمهم مسؤولية الحكم الذاتي. وقد قبلت المنظمة في النهاية بالشروط الإسرائيلية، وتخلت عن هويتها ودورها كحركة تحرر وطني، قبل أن تنجز برنامجها الوطني، وانحصر دورها تقريباً في مهمات السلطة. وهكذا نجحت إسرائيل، ومعها الضغوط الدولية في إيقاع منظمة التحرير في الفخ الذي نصبته لها. وهذا هو بالضبط ما تسعي الإدارة الأمريكية، وإسرائيل، وأطراف دولية وعربية عديدة لجر حركة حماس إليه من خلال توليها مسؤولية الحكومة الفلسطينية، أي السلطة الفلسطينية عملياً، بما يفرض عليها هذا الوضع من التزامات داخلية وخارجية. وتعتقد الإدارة الأمريكية أنها إذا ما نجحت في تنفيذ خطتها هذه، فإنها تكون قد روضت حركة حماس، ودفعتها للقبول بكل الشروط، وحولتها من حركة تحرير إلي سلطة حكم سياسية، وألغت أكبر قوة مقاومة في الساحة الفلسطينية، بل وربما تطالبها كسلطة بفرض القيود علي قوي المقاومة الأخري، وبذلك تضعها في حالة تصادم مع شركائها في الكفاح. بل ربما تكون النظرة الأمريكية ـ من وراء السعي لإخضاع حماس لهذا المخطط ـ أبعد من حدود الساحة الفلسطينية. فحماس، فضلاً عن أنها حركة مقاومة فلسطينية، فهي حركة مقاومة إسلامية. والإدارة الأمريكية معنية بضرب الحركات الإسلامية المقاومة، وتعمل علي مد خيوط مع حركات إسلامية سياسية، وجرها للتعامل معها، كما فعلت مع الحزب الإسلامي في العراق حين استقطبته ليكون جزءا من الحكم العميل في العراق، ودفعته للخروج عن الخط المعادي للاستعمار الذي تنهجه حركة الإخوان المسلمين في الوطن العربي. وكما تحاول الآن توريط حركة الإخوان المسلمين في سورية للتحالف معها تحت شعار إقامة حكم ديمقراطي في سورية، كما فعلت في العراق. وإذا رفضت حركة حماس وحكومتها، أن تنصاع للشروط الأمريكية والإسرائيلية، فإن الإدارة الأمريكية لن تعتبر ذلك فشلا لها، بل ستعتبره نجاحاً، ولكن من منظور آخر. فهي ستجد في ذلك فرصة لها للتخلي عن التزاماتها التي وعدت بها تجاه عملية السلام في المنطقة. وستتذرع برفض الشريك الفلسطيني لعملية السلام، وستزيد من تحريض المجتمع الدولي ضد الفلسطينيين، وتدفعه للتخلي عنهم مادياً وسياسياً، وستشجع إسرائـــــيل علي مزيد من العمليات، وعلي استكمال مخططها لتنفيذ عملية الفصل الأحادي في الضفة الغربية، وتشديد الحصار علي قطاع غزة، وهذا هو ما تريده إسرائيل ليحررها من أي مسؤولية تجاه الرأي العام الدولي. إذن فوجود حركة حماس في موقع السلطة التنفيذية وضعها بين خيارين صعبين أحلاهما مر. فالخضوع للضغوط الدولية والقبول بالشروط الإسرائيلية بما فيها من تنازلات تمس الثوابت الوطنية، وتسقط خيار المقاومة وتضرب مصداقية حماس في الصميم، وتفقدها أي ميزة لها عن الآخرين، ويصرف عنها ذلك الجمهور الواسع الذي حشدته خلف برنامجها وموقفها…… وهذا خيار شديد المرارة…. فهل تقبله حماس؟ أما خيار الرفض، وهو ليس أقل مرارة، فسيضعها ويضع الشعب الفلسطيني معها، تحت حالة دائمة من الضغط والحصار والمقاطعة الدولية، وسيعطي الذرائع لإسرائيل لأن تتمادي في كل ما تقوم به ضد الشعب الفلسطيني، وسيعفي الإدارة الأمريكية من أية مسؤولية ـ كما تعلن ذلك صراحة ـ وسيجعل من الصعب كسب المجتمع الدولي إلي جانب الشعب الفلسطيني ضد أية إجراءات تقوم بها إسرائيل، خاصة في ظل الهيمنة الأمريكية التي تبسطها علي العالم. فهل تتحمل حماس مسؤولية ونتائج هذا الخيار؟أمام هذين الخيارين الصعبين اللذين تتعرض لهما حركة حماس وحكومتها، وللخروج من هذه المصيدة التي تريد الإدارة الأمريكية إيقاعها فيها، كان لي رأي، أبلغته لرئاسة الحكومة قبل تشكيلها، ولعدد من قيادات الحركة، في حضور عدد غير قليل من المثقفين والإعلاميين الفلسطينيين، فبعد أن أوضحت كل المخاطر التي تنجم عن هذا الخيار أو ذاك، قلت، وأقول: إنه قد يكون الأنسب ألا تشكل حركة حماس الحكومة، وألا تكون طرفاً فيها. وإنما تستفيد من حصولها علي الأغلبية البرلمانية التي تتيح لها أن تكون في موقع من يتحكم في تشكيل أي حكومة، أو إسقاطها، أو الاعتراض علي أي عضو فيها، ومحاسبة أي مسؤول، وإصدار أي قرارات أو تشريعات تخدم المصلحة الوطنية، أو الاعتراض علي أية قرارات تمس هذه المصلحة. أي أن تكون في موقع الضاغط المتحكم في القرار، وليس في موقع المضغوط عليه لتنفيذ قرارات وسياسات لا يقبلها. وبذلك تؤكد مصداقيتها، وتتمسك ببرنامجها، وتحتفظ بخــــيار المقاومة، وتدخره للوقت المناسب، إذ من الصعب أن تحتفظ بهذا الخيار أو تمارسه، وهي تقود حكومة جاءَت وفق نظام أساسي مبني علي اتفاقات أوسلو. وفي الوقت نفسه، فإن وجودها خارج إطار السلطة التنفيذية لا يحررها فقط من الخضوع لأية ضغوط، وإنما يقطع الطريق علي أصحاب هذه الضغوط، ويفقدهم المبررات والذرائع التي يسوقونها لفرض شروطهم، ولتضييق الخناق علي الشعب الفلسطيني.قد يري البعض في هذا الحل مخالفة للتقاليد الديمقراطية التي تعطي الأغلبية حق تشكيل الحكومة، وقد يري آخرون انه لمصلحة أطراف منافسة أو انحياز لها. لكنني أستند في رؤيتي إلي أننا لسنا حالة ديمقراطية غربية، ولسنا دولة ذات سيادة، بل ما زلنا أقرب لحركات التحرر. كما أن في الاقتراح دعوة لتغليب المصلحة الوطنية علي المصلحة التنظيمية، وانحيازاً للوطن وقضيته، وليس لأي طرف كان، وفيه ترفع عن السلطة ومسمياتها، لحساب الشعب وهمومه. ہ كاتب من فلسطين8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية