بوعز غئونفي التاسع من حزيران 1954 جلس المحامي جوزيف وولش ازاء السناتور جوزيف مكارثي ليدفع عن الجيش الامريكي اتهامات باطلة بعضوية بعض رجاله في الحزب الشيوعي. وكان السناتور مكارثي يعتبر حتى تلك اللحظة بطلا امريكيا خالصا. وقد حظي بتأييد الشعب الامريكي بل باجلاله، الى ان زل والى ان خطا خطوة واحدة فوق المطلوب كي يتبين باعثه السياسي للجميع بقبحه وسطحيته واحكامه الخطابي المفتعل، وأدرك الجميع انه لم يكن من ورائه شيء سوى شهوة السلطة عند رجل صغير.’في نهاية اليوم يا سيدي’، قال المحامي وولش فجأة للسناتور الذي كان جليلا ذات مرة، والقشرة التي خيبت الآمال والحيلة التي أرهقت، ‘ألم تبق فيك قطرة نزاهة؟’، وحاول مكارثي ان يجيب لكن صخب التصفيق أخرس كلامه. انه تصفيق من وعدوهم بفجر يوم جديد فحصلوا عوض ذلك على تمييز مستمر.
في حزيران 1999 خطا اهود باراك الى منصة النصر في ميدان رابين. وقد جاء الى هناك كي يشكر لآلاف الشابات والشباب الذين تحول بفضلهم من وزير داخلية رمادي وسياسي فاشل ‘لا يرتفع’ الى رئيس حكومة. وكانت تلك الليلة عند كثيرين منا من أبناء الجيل الذي سمع صوت مسدس عمير في 1995 وانطلق الى الميدان بعد ذلك بأربع سنين، كانت أسعد الليالي في حياتنا.
التزم باراك ان ينفذ ثورة مدنية؛ وان يحول اموالا من المدارس الدينية والمستوطنات الى مستشفيات وجامعات، وان يأتي بمصالحة ذات بقاء مع الجمهور الحريدي وان يدفن في الأساس حياة بنيامين نتنياهو السياسية، زعيم اليمين المتطرف. ‘خسر 100 ألف اسرائيلي عملهم’، صرخت اعلانات انتخابات باراك في 1999، ‘فلماذا يبقى في عمله؟!’، وكانت أحداث حزيران 1999 بقدر كبير الصيغة السياسية لتموز 2011. بعد ذلك أدار باراك ظهره لجميع وعوده المدنية، وتورط مع كل مستشاريه وأسقط حزبه وجمع مالا كثيرا من استشارة امنية بفضل علاقاته، وعاد الى حزب العمل في انتخابات 2009 فحطه من 19 نائبا الى 13 نائبا وأعلن انه يجب عليه ان ينضم الى الحكومة ‘لمصلحته’. قال باراك في آذار 2009 ان ‘من يعتقد ان الأصح هو بناء حزب العمل باعتباره اطارا خامسا في المعارضة لا باعتباره وزنا معادلا في الحكومة، لا يعرف ما الذي يتحدث عنه’. وفي كانون الثاني 2011 قبل ترك حزب العمل لحكومة نتنياهو، استل باراك فأسا ضرب بها الغصن الحزبي الذي تحول بفضله من وزير داخلية سيء الى رئيس حكومة. ونظر جيل كامل صدّق باراك ذات مرة لهذا المنظر فاغر الفم منقبض الراحة. وبعد ذلك نبشنا متاعنا لنخرج منه خيمة.
والآن صوت اهود باراك الذي يأتي في المحل الثاني فقط بعد زئيف ألكين بكل ما يتعلق بالولاء للائتلاف في الاقتراع صوت مؤيدا اقتراحاته في 99.9 في المائة من الحالات بحسب موقع ‘كنيست مفتوحة’ على الانترنت. واهود باراك يُحضر الآن لحرب اسرائيلية ايرانية ويدفن تلك الثورة المدنية التي وعد بها ذات مرة بواسطة مطالب ميزانية مفرطة للجيش الاسرائيلي، ويرسل عنات ويلف الى الراديو كي تقول انه ‘الأنسب لتولي وزارة الدفاع’ في الحكومة القادمة ايضا، بل انه يجري هو نفسه الى رينو تسرور في مقابلة احتفاءا بيوم ميلاده السبعين الذي مر الاسبوع الماضي كي يتحدث بشيء ما عن ‘الطاقة الكامنة الضخمة لحزب الاستقلال’. وأنا اسأل: يا سيد باراك هل ستتعلق الى الأبد بمجدك الماضي لتسويغ مهانة الحاضر؟ ألم تسبب للمجتمع الاسرائيلي ما يكفي من الضرر؟ ألم تبق فيك قطرة نزاهة؟.
هآرتس 13/2/2012