محمد علي اليوسفيالثقة لا تُعْطَى؛ الثقة تُكتَسَب. سارت بنا الأحداث إلى منطقة مختلفة بعد مرحلة التضامن والتآزر عشية اندلاع الثورة؛ وهذه المنطقة التي نتحرك فيها الآن يمكن أن نطلق عليها عنوان ‘انعدام الثقة’. لا أحد يثق بالآخر إذا لم يوافقه الرأي، ولا أحد يثق بما يقوله حزب آخر غير حزبه. وبسبب التناقض بين نقاء الثورة ومكر الفكرة خصوصا إذا ارتبطت بالدولة، لا أحد يثق بالحكومة. ويمكن أن نضيف بأن الحكومة تعمل ممثلة لشعب لا يثق بها، لكنها لا تثق به هي أيضا. حكومة تفضّل ممارسة الاستعلاء لتكون حكومة سامية، منطلقة من ثقافة الهيبة، ومن مصدر الضغط الأقوى، ومن منابت الحكم القديم، ومن هناك تأتي تصوراتها للحكم سواء جاءت من إملاءات الماضي أم من ضرورات الحاضر.*الوحيد الذي لا يكذب هو الشعب الفقير، بل إن صدقه الساذج قد يجعله يمتطي أحيانًا حافلات المعونات والمناورات، والذي لا يكذب هو المجتمع المدني أيضا، هو شباب الثورة الذي اكتسب قوة الرأي دون أن يتخلى عن قوة التغيير الكامنة. نقاط ضعفه هي نقاط قوة الآخرين: المناورة أو المهادنة، التعالي أو التواضع وقت الحاجة، النفاق أو الكياسة، وهي من أهم الصفات التي تميّز محترفي السياسة.*هنا تغدو ‘ محاكمة النوايا’ هي سيدة الموقف. خصوصا إذا لم تخترْ الوضوح والتواصل والشفافية، وإذا لم تختر لغتك أيضا: اللغة هي أم النوايا وابنتها. وهي، على خلاف ما يظن الكثيرون، ليست مجرد وعاء، ليست مجرد وسيلة للقول، لا عند اليساري الموغل في روح ماركس وانجلز، ولا عند اليميني المتشبع بلغة السلف الصالح. اللغة هي الفكر. ولا حاجة إلى التذكير بأن لغة الطفل المحدودة يعادلها تطور فكري محدود ينتظر المستقبل تراكميا وينتظر البيئة الغارسة والساقية نوعيًّا.*انعدام الثقة يولّد مسوخا؛ يولد القلق أيضا ويولّد الخوف. لكنه لن يصل، في حالتنا، إلى توليد اليأس. ذلك أن انعدام الثقة ليس شرًّا كله. هو منارة الحارس الغافي بعين واحدة؛ وإلا صرنا بصدد درس أخلاقي يدعو إلى ضرورة الثقة والتآخي والتصالح من أجل زرع ثقة عمياء، لن تولّد إلا مسوخًا هذه المرّة.*أنا مثلك: أكره القديم، كان سلطانا جائرًا، لكنني لا أثق بالجديد. أتعرف لماذا؟ لأنك مؤمن، ولأنني مقتنع، بأن هناك من يُلدغ من جحر مرتين. والإيمان وحده لا يصنع المعجزات دائما، وخصوصا إذا نامت العين الثانية لحارس الفنار.
أنت مثلي: تخشى السياسيين لأن هناك السياسي الذي يستطيع أن يوقّع لك عقد تأجير بيت في الجنة، وهناك السياسي الذي يستطيع أن يبيعك دبا في الغابة.
ولعلّ الأهم، من إيماني ومن قناعتك، في انعدام الثقة بيننا: أنّ لاشيء سار كما اشتهت مراكبنا، مراكبنا التي انطلقت في الشتاء لتصنع الربيع، وأمام عتوّ الموج واستيقاظ ‘كبارنا’ وانتباه الأساطيل وتصفيق من وصلتهم أخبارنا وراء البحار، جاءتنا المؤن والمساعدات والخبرات والنصائح، وتمكن بعضنا من محركات زادت في سرعة المخر والإبحار، والحال أن مراكبنا كانت شراعية في البداية، تحلم بدمها دافعا للأشرعة، وبزنودها العارية مولّدة للرياح المواتية.
أنت مثلي وأنا مثلك: مازلنا نؤمن بأن البحار تزخر بقراصنتها الجدد وإنْ أحاطوا بنا بأزياء أحدث وأجد. ولم نكن قد هيأنا قباطنة بحار، وذلك لطول ما خذلنا كل ريّس جرَّنا من مدننا وجبالنا وسهولنا، وعيْناه على الحاضرة: مملكة تونس المحروسة التي هي قرن الثور في نهاية المطاف، ومن أمسك بالقرن ظنّ أنه روّض الثور. لكن للثور عضلات… موزّعة على امتداد الجسم.*بين وبينك، ماضيك وحاضرك، بيني وبينك ارتباكي وزلات لساني، استنفارك وتباهيك، صمتي عن حركات خفية، أحسستَ بها عندي، ولم ترها رؤية العين. ومع ذلك، كنتُ لا أثق بك، لكنني جالستك وحاورتك، فخفّ حقدي عليك، وتضاءل خوفي منك. ألمْ أقل لك إن التواصل، إذا سبق محاكمة النوايا، جدير بقتل المسوخ؟
عدتُ من لقائنا، حذرًا منك، وأحبك قليلا. وفي وحدتي، قبل المصارحة والكلام، كنت لا أحبك حتى لا أقول: كنت أكرهك. وأعرف الآن أننا مختلفان. ذلك أن الدنيا منازل وطبقات ومصالح وتضحيات، مكاسب ومثاليات، صراع غاب تلطفه الحضارة وتلبسه الثقافة قفازات من حرير. وأنا أيضا أحلم بالحرير. وأريد أن أفهم طريقة الوصول إليه بلا يدين ملطختين، كما اتهمتك في الماضي، وكما قد أتهمك لاحقًا… صرتَ قريبا، لكنك صرت في متناول العين واليد أيضا، وأنا مثلك بريء حتى يثبت العكس: لن ننتظر العكس ولن نتحاكم انطلاقا من النوايا. كنتُ أريد الحديث عن الثقة فوجدت الحديث عن الثقة كامنًا في انعدام الثقة: ليكن الشك هو طريق اليقين لا الثقة العمياء، ذلك أن الثقة لا تُعْطَى، تماما كما بدأنا؛ الثقة تُكتَسَب.