تمر الأيام ثقيلة في الغربة، ومعها يتضاءل أمل العودة وشيءا فشيءا يتحول الحلم الجميل في الوطن الغد إلى كابوس وليل قاتم، فليس هناك ماهو أقسى في الوجود من أن تثور على نظام فاسد بوليسي وتنجح في إسقاط من على رأسه، تثور مطالبا بحقوقك التي لم يعطك منها هذا النظام إلا الفتات، ثم تعود فقط لكي تدافع على هذا الفتات! إنه واقع الربيع العربي اليوم، فبالأمس أعتبر الثوار شرذمة ضالة تحركها الأيادي الخارجية للمس بالأمن العام والوحدة الوطنية واليوم مازال حكام اليوم (الديموقراطيون جدا) ينطلقون في تعاملهم معهم بنفس المنطق أظف إلى ذلك أنهم صارو كفارا يحاربون الدين ويحق قتلهم وهتك أعراضهم، هي الكوميديا السياسية الرديئة التي تحكمنا، بالأمس كانت إعتقالات الداخلية والتعذيب وما يصاحبها من سحل مدانة من الجميع أما اليوم وبقدرة قادر صار السحل والتعذيب والإنتهاكات دفاع عن الشرعية! باسم الشرعية يسحل المواطن البسيط وتفقؤ عينيه، أما الإرهابي الذي يخزن جميع أنواع الأسلحة في بيوت الله والذي يعتبر أهله وشعبه ووطنه أرض كفر فهو يمجَد ويهادن ويتستر عنه إلا إذا ما تجاوز الخطوط الحمر لسلطتنا الجديدة .خرجنا من خطاب سياسي وصف بالخشبي لإبتعاده عن التشخيص الحقيقي لواقع الناس إلى خطاب يتلاعب بمشاعرهم ويسوق لهم الأوهام متخفيا بالشعارات الرنانة فتارة نرى نائبا يرفع صوته بالآذان وسط المجلس وطورا نرى آخر يرفع المصحف فقط ليكسب تعاطف المشاهد مستغلا قلة الوعي والنضج السياسي التي تسيطر على واقعنا الإجتماعي في بلدان الربيع العربي. فبدلا أن نخاطب وعي المواطن والناخب ببرامج علمية دقيقة محددة زمنيا، تاخذ بالإعتبار حقوق المواطنة والإمكانيات الحقيقية للبلد، فإننا نرى العكس، نرى إستجداء لعواطف الناس والدفع بالبلد لحالة من الإنقسام تحت المزايدات بإسم الدين والدفاع عن المقدسات فقط لتغطية إفلاسهم السياسي، فاليوم كل الشعارات المطالبة بالتشغيل وحقوق المواطنة الأساسية من أمن وصحة صارت مدانة والحديث الوحيد هو عن الشريعة وطبعا الشريعة عندهم ليست سوى لحية ونقاب وزواج القاصرات، وتعدد الزوجات والرجم وقطع رأس المعارض مهما كان فهو الخارج عن الملة! أموال طائلة وقنوات لا شغل لها إلا هذا، لا حديث فيها على الواقع المتأزم لمجمل القطاعات الإقتصادية والإجتماعية، بل العكس تخصص ساعات للهجوم فقط على كاشفي الحقائق من مختصين وفنيين في مختلف هذه المجالات، وطبعا عندما يصدر تقرير عن منظمة دولية فإنهم يسارعون في التقليل من قيمته، وكأننا فعلا في زمن ماقبل هذا الربيع.سقطت كل مؤسسات الدولة وصارت الديموقراطية مجرد شعبوية يحكمها مرشد ومكتب إرشاد لا يخرج على أمر هذا المرشد، أما عن المجالس ومؤسسات الدولة من رئاسة ووزارات فهي مجرد ديكور ركحي لمسرحية سيئة السيناريو والممثلين، وطبعا تتخللها بعض المشاهد الكوميدية عبر مظاهرات تأييد يحشد لها من كل البلاد ويستغل فيها المال العام وتضخمها وتسوقها قنواتهم وقنوات حلفائهم وعلى رأسها طبعا قناة الدين السياسي الاولى في العالم العربي أو قناة الإخوان المعروفة بإسم قناة الجزيرة، التي تخصص ساعات لنقل حفلات زفاف تنظمها هذه الأحزاب وساعات لنقل مظاهرة تأييد وساعات يومية لسياسيي هذه الأحزاب كمجال لهم ليخاطبو ويسوقو بظاعتهم الإعلامية وفي المقابل تلتزم هذه القنوات الصمت أمام كل صوت حر وأمام كل مطلب حقيقي في الكرامة والعدالة الإجتماعية ومحاسبة الفاسدين.ما يحزن حقا أن الأمل في المعارضات، هو أيظا ضئيل،فهي اليوم تذكرنا اليوم بالمعارضات الكرتونية التي كانت أيام الانظمة السابقة، صراعات داخلية وإتفاقات في الخفاء مع أحزاب السلطة، أظف إلى ذلك ما تتعرض له يوميا من سب وشتم وتكفير على القنوات الدينية الملتزمة جدا، او على المنابر في الجوامع، أو على صفحات التواصل الإجتماعي مع ما تحمله من فبركة لصور وفيديوات، فكل صوت ديموقراطي، يؤمن بالعلمانية كآلية للوصول للعدالة وضمان تطبيق القانون على الجميع، يؤمن بوطن واحد للجميع، يؤمن بدولة مدنية تظمن الفصل بين السلط، بدولة تسعى للنمو الحقيقي عبر تعيينات تقوم فقط على مبدأ الكفاءة وعلى برامج تكون علة قواعد علمية، كل صوت حر يؤمن ويسعى لهذا، تصوره هذه اللوبيات المؤمنة على انه صوت الكفر والساعي للشذوذ والعميل للغرب، مع انهم في الحقيقة يعلمون من هو العميل، من الذي يستعمله الغرب من أجل تحقيق أهدافه في السيطرة على المنطقة وتحويل العدو إلى صديق وتحويل الأخ إلى عدو، فإسلامهم هو الإسلام الذي تسعى القوى الإمبريالية لفرضه، فبفرضه تحقق عدة أهداف: أن يتحول الصراع العربي الإسرائيلي، إلى صراع بين مكونات المجتمع العربي الواحد، إسقاط الجيوش العربية وتحويلها فقط إلى مجرد مؤسسة أمنية، إستغلال لخيرات هذه البلدان بأبخس الأثمان وغيرها من الأمور . عبد القادر معيوفqmn