منذ أن أعلن عن نبأ استقالة سلام فياض من موقعه في رام الله لم تهدأ وكالات الإعلام ولم يهدأ المحللون والكتاب والديبلوماسيون ووكالات الأنباء العالمية والدولية في بحثهم عن شخص رئيس الحكومة الفلسطينية الجديد. فانفتح وكما يقول البعض في فلسطين ‘بازار’ الأسماء باقتراحات وتوقعات وحتى أمنيات ورغبات بصورة فاقت الاهتمام بموضوع المصالحة.
بينما صدرت وبصورة أقل بيانات عن بعض الفصائل والقوى تدعو إلى اعتبار هذه الاستقالة موعداً متجدداً مع تشكيل حكومة وفاق وطني، التزاماً باتفاقات القاهرة وإعلان الدوحة وما بينهما من تفاهمات بين حركتي فتح وحماس والفصائل الأخرى أيضاً.
وإمعاناً في التذكير بحضوره السياسي فقد قام البعض بكتابة بيانات تحت مسميات أخرى يذكر القيادة الفلسطينية بذاته، فحمل البيان الواحد تصريحاتٍ لعدة أشخاص بصورة أقرب إلى تلميع الذات وابتذال النفس من أجل موقعٍ وزاريٍ محتمل.
لذا ومع التقدير لمواقف البعض فإن جل الجهد تمحور حول شخص رئيس الوزراء الفلسطيني المقبل، دونما التركيز على الخطوات الواجبة لإنهاء الانقسام، أي أن الشخص بات أهم وربما أكثر إثارة من المشروع.
وأمام هذا التسارع والتركيز في الحديث عن هذا الأمر أطل أحد الشباب الفلسطيني على صفحته على الفيسبوك ليكتب بتهكم كبير عن هذا الأمر ويسأل أصدقاؤه عن سبب عدم اختياره هو لهذا الموقع. فالرجل على حد زعمه ‘لديه ‘اعتماده المالي’ دلالة على أنه موظف في السلطة، ولديه كما يقول بدلة فاخرة، لكنه يحتاج لربطة عنق، ولديه القدرة على التعامل مع مقومات صفحات التواصل الاجتماعي والفضاء الإلكتروني، وهو محبوب من أصدقائه والدول العدوة والصديقة، كما قال وأنه وسيم ورشيقٌ وشاب عشريني يافع سيسعد شباب الوطن بتكليفه.
هذه الروح التهكمية وما شهدته شخصياً من كتابات خلال الأيام الماضية تطرح سؤالاً مهماً: أيهما أهم؟ شخص رئيس الحكومة أم التوافق الداخلي على استكمال المصالحة وصولاً إلى اختيار الشخص الذي يحظى بإجماع كامل الأطراف لتشكيل الحكومة التوافقية غير الفصائلية، حسب الاتفاقات السابقة والتوقعات؟’
من المؤلم حقيقة أن يضخم البعض الموقع على حساب الهدف وأن تتحول رقعة فلسطين الجغرافية المتآكلة أمام قضمها المستمر من قبل جرافات الاحتلال نحو أمور ثانوية لا تشكل المحور الأهم أمام استمرار الانقسام واستفحال الاحتلال وإجهازه المتواصل على الأرض العربية. فمن يكون رئيس وزراء فلسطين المقبل ليس ما ينتظره الشعب المتعطش للخلاص من نيرين، نير الانقسام ونير الاحتلال.
لكن سبباً ما يدفع المتربصين بحريتنا إلى تضخيم صغائر الأمور بحيث تصبح شغلنا الشاغل وكأن الاحتلال الإسرائيلي، وهو المستفيد الأكبر من كبواتنا يتبع سياسة ‘استمرار الاحتلال بالإلهاء’ بحيث يتحول موقع أو موقف ما إلى فرصة للإثارة الصحافية وتهافت الوكالات وأحاديث الصالونات واللقاءات وحتى جلسات الاستغابة السياسية المستفحلة.
لقد شكل الإعلام الدولي تحديداً وفي بحثه عن الإثارة الفلسطينية منصة مهمة للتأثير على المزاج العام، وتغليبه للقضايا الصغيرة على حساب الأهداف الكبرى بحيث يتعاظم سؤال صغير في مقابل أسئلة مصيرية أخرى.’
ومن كثرة السائلين من الصحافيين الأجانب عن شخص رئيس وزراء السلطة الوطنية الفلسطينية القادم، سمحت لنفسي أن أسأل أحدهم عن سبب الاهتمام بالشخص وليس الهدف المطلوب كانهاء الانقسام بتعيين حكومة توافقية برئيس جديد لها، فأجاب ودونما خجل بأن الفارق هو أن الإثارة بالنسبة لموضوع الشخص أكثر اليوم من التوافق الداخلي، وعليه فإنه وبلغة الدولار فإن الأول عبارة عن مادة ‘تبيع’ بينما الثانية ‘تبور’!
‘ كاتب فلسطيني
[email protected]