يبدو من الحتميّ على الثقافة أن يظهر معمارها وتأثيثها بما يغري الناظر، وأنت إذ تستريح لفكرة اجتماع الناس على شأن ثقافي، وحول فكرةٍ تؤطّر لما سوف نسمّيه تجربةً، يكون احتباس هذه الأصوات الثقافية في معارك انتخابيةٍ أقلّ شأناً من الحقيقة، بل هو مشهد مأساويٌّ بامتياز، هذا بعض ما يمكن أن نصف به حال المثقّف الأردنيّ قبيل الإعلان عن انتخابات رابطة الكتّاب الأردنيين. الإنسان أم المواطن ؟ سؤال قد لا نفترض إمكانيته عندما نتحدّث عن شأن متعلق بالمؤسسات الثقافية، لكنه حاضر هنا، عندما نعلم عن الهدف الأساسيّ لنشوء هذه المؤسسات، ألا وهو العناية بالمبدع، وحمله على تبويب غاياته، وتشذيب أدواته لإعمالها في حدود الكشف، لا لتحويلها إلى أدوات قتالية جارحة، ليسأل المثقّف من تلقائه : مَن الأهم ؟ الثقافة أم الصوت الانتخابي ؟ الاشتغال معاً أم انقسام النظرة الواحدة على نفسها ؟. إننا لا نقصد هنا انعدام الكفاءة، وعدم قدرة المثقف على قيادة العمل الثقافيّ المؤسسيّ في رابطة الكتّاب الأردنيين مثلا -، لكنّ ما تخسره الثقافة من الاصطفافات المرصودة للدخول في هذا المجال، إنما هو بمثابة انسحاب الأقدام، من حدود الاجتماع البريئة، إلى كواليس وخنادق لن يكون النصّ الأدبيّ هو مجال نقاشها وانهماكها، إنما الشخصيّ الكريه الرافض لكلّ من يقف على الجبهة الأخرى، أقول جبهة، ولا أقول منبراً أو مشهداً، هذه هي الحقيقة، هذه هي تراجيديا الأدب. هناك من لهم أياد بيضاء على المشهد الثقافي الأردني، هناك من مدّوا يداً وجسراً لتقول الأجيال الجديدة والأخرى المنسيّة كلمتها الأدبية، هناك من يتخلى عن المساحة المرصودة له للنشر، ليظهر النص الجديد للآخر في العلن، في المقابل الضدّ، هناك من لم يكتف بجميع الأدوات الإعلامية المتاحة لنصّه الشخصي، بل هو لم يزل يقصي ويزجّ بالأصوات الجديدة في حدود الصمت والغفلة، المسألة في إمكانية تموقع الذين يعتنون بنوايا وأفعال ترفع من شأن الثقافة، وإزاحة من هم رابضون دائماً على صدور المبدعين والمجرّبين الجدد، فمَن الضامن لهذا في ظلّ تكتّلات انتخابية لا تؤمن إلا بلونها، ولا تسمع سوى صوتها الخاص الذي قد لا يعمّم ؟. ليس من أحد يستطيع أن ينكر دور الجماعات الثقافية غير الرسمية، لما صدّرت من أصوات إبداعية، صارت وبلا شك تحتلّ موقعاً مشاهَداً في الحياة الثقافية الأردنية، وها هي الأصوات التي تمّ اكتشافها ومنحها الفرصة لملاقاة الناس، الذين أكّدوا على ما تحمِل من قدرة ومغايرة، ها هي تتعرّض الآن لأدوات الجذب والمغازلة، أملاً في انضوائها في كتلةٍ انتخابيةٍ بعينها، هنا وفي هذه اللحظة التي ستختار فيها أن تكون إلى جانب طرف ما، سيكون عليك أن تحتمل النقد والإقصاء غير الرحيمين، وفقا لما تمليه عقلية الحروب الثقافية الدائرة الآن، قبيل انتخابات رابطة الكتّاب الأردنيين. من قال إنّ المثقّف لا يؤمن بالعمل الانتخابي، من قال إنّ مِن بين من تسلّموا زمام إدارة الروابط والمؤسسات الثقافية، مَن لم يعمل على إعانة المثقّف المبدع، وهنا قد نقول باحتمالية النجاة بالجزء لا بالكل، هذا ما يمكن أن يكون مقنعاً للدخول في هذه العملية الديمقراطية مع التحفظ على الأدوات المستخدمة لتحقيقها- إلا أنّ المعضلة هي في اعتزال الخاسر واستقواء المنتصر، وتشويش السياسيّ على الثقافي، في النظرة المحكومة بالجيل، وفي الحسابات المبيّتة للشخوص، والتي تقفز لما ينتجونه من أعمال أدبية، ليصبح الصوت المنادي بالاستقلالية والانعزال هو الأكثر حكمة، فالذي ينادي بتحرير الكلمة- بالضرورة- لن يزجّ بها في الخنادق، ولن يجازف بمنحها ميتة مبكّرة. هناك من فكّر في اعتماد ملتقاه، مهرجانه، صالونه الأدبي، كبديل للمؤسسة الثقافية الرسمية، لأنّ زرعه أنبت، دون الحاجة لليد الرسمية، وهو على العكس، أصبح رافداً لأجندة فعاليات المؤسسة الرسمية الفارغة بالغالب، بل ورفدها بجمهوره الخاص، وحراكه الدؤوب، فمن الذي يستحقّ أن يكون له القرار في تلك المؤسسات؟، إذا كانت رؤيته وفعالياته وأصواته تشكّل جلّ ما تعرِض له المؤسسات والروابط، لكنّ التكتّلات الانتخابية لن ترصد أصواتها للجماعات والروابط غير الرسمية أي لأفرادها، لن يحدث ذلك الموقف التاريخيّ الذي ستمنح فيه التكتلات أصواتها لمن كانوا مادة الصحافة الثقافية، ومن حملوا المتلقي على استعادة إيمانه بالأدب والثقافة، فهل سأكون مخطئا لو اعتقدت بهذا؟، أقبل أن يكون رهاني خاسراً، وأن تحققوا هذا الأمل. نحن مرتبطون في حراك ثقافيّ فرديّ وجماعي، لا نكلّ عن مطاردة الدهشة مألوفها وغير مألوفها، نجالس الناس ونعتني بالتعارف لحساب الثقافة والأدب، لا نريد أن نتلوّن مشتّتين كلّ آمالنا، في نهوض جيلٍ ثقافيٍّ أدبيٍّ يتنافس، يختلف جماليّاً على ما أنتج، لكنه لا ينجرّ لمعارك لن يكون آخرها التحيّز، والتعتيم، وتبديد الألفة، أيّها الكتّاب.. ارحموا الأدب. *شاعر وكاتب من الأردن [email protected]