أي دور للمثقفين والنخب في التطبيع

حجم الخط
1

منذ مبادرة كامب ديفيد المشؤومة، وقطار التطبيع مع الصهاينة يسير بلا توقف. وكل يوم في حلة، وثوب جديد. وكل يوم يكسب أرضا جديدة، على حساب المحرمات، التي بدأت تتهاوى حصونها، حجرا وراء حجر. حتى غدت الخيانة وجهة نظر، خصوصا بعدما سيطرت قوى محسوبة على حركة التطبيع، أشبه ما تكون بحصان طروادة، على الإعلام المرئي، والمسموع، والمكتوب، في العالم العربي، فقامت بالمطلوب منها، وفق خطة نفذت على مدى سنوات.. سخفت خلالها التطبيع في بادئ الأمر، لتخرجه في ما بعد من خانة المحرمات، جاعلة منه ثقافة سائدة، بحجة أن بعض الأنظمة قد طبعت، على مبدأ أن الخطأ يبرر الخطأ بلا نهاية، وأن الفلسطينيين يعملون في أراضي الصهاينة ومصانعهم، ويتعايشون معهم. وتعمد إغفال الحديث عن جرائم الصهاينة، ومُعاناة الفلسطينيين اليومية والحياتية، إن كان في السجون والمعتقلات، أو على الحواجز التي لا تعد ولا تحصى، أو من خلال هدم بيوتهم والاستيلاء على أراضيهم.. باذلين كل ما بوسعهم لإقناع المواطنين العرب أن إسرائيل غدت أمرا واقعا، لا يمكن تجاهله، فضلا عن استحالة هزيمتها سياسيا واقتصاديا وعسكريا.. معززين ذلك بترديد دعوات مغرضة، صدرت عن المستعمرين القدامى، وأتباعهم من أبناء جلدتنا، إلى المحبة والسلام والتآخي بين الشعوب والأديان، ونبذ التباغض.
وقد قامت هذه الأنظمة التي اختارت التطبيع استراتيجية لها وهدفا. بالتضييق على حرية الإعلام، فاستغنت عن كل الإعلاميين الذين تشك في إخلاصهم لمشاريعها التطبيعية، بينما تركت الحبل على غاربه للأذناب، من المحللين والخبراء الاستراتيجيين، الذين أصبحوا لا يغيبون عن شاشات الفضائيات، والذين تم تعليبهم، وبَسْترَتُهم فِكرا وروحا، كعلب السردين. فبشروا أهالي الشهداء، والمغتصبة أراضيهم، والذين يعيشون في بؤس المخيمات، وذل واضطهاد أنظمة البلاد التي تستقبلهم؛ بأن إسرائيل صاحبة حق تاريخي بأرض فلسطين. وأن شذاذ الآفاق، الآتين من أصقاع الأرض. بدون أي انتماء، لا إلى هذه الأرض المباركة، ولا حتى إلى الشعب اليهودي، هم أصحاب فلسطين.
وأصبح هَمُّ بعض النخب المثقفة، المعجبة بطروحات المتصهينين، مُنْصبًا على كيفية فتح الباب أمام التغلغل الصهيوني والتطبيع معه، وأيضا تبرير إعجابهم بخالتهم إسرائيل، عوض التصدي لها. وتبيان أهدافها وخطرها. والرد على طروحاتها.. معتبرين أن عدم الانفتاح عليها، والتطبيع معها، انغلاق على الذات وتقوقع.

تدجين المثقفين وبسترتهم

على مرّ سنوات مضت، استوعبت أنظمة البترودولار، شريحة كبيرة من المثقفين، والمفكرين العرب. إما بوضعهم على لوائح المنتفعين، من فتات كرمها الحواتمي، أو بضمهم إلى أطرها الوظيفية، كعاملين لديها، أو كمستشارين، بدون القيام بأي عمل، وبإغراءات مالية، يسيل لأقل منها اللعاب، واستوعبت آخرين، بدعوتهم إلى ندوات لا تعد ولا تحصى، أو من خلال جعلهم في عداد أعضاء لجان الجوائز والمهرجانات، أو في مجالس تحرير المجلات الأدبية التي تصدرها، أو بمنحهم جوائز سخية مشكوك في أحقيتهم لها، وتلميع صورة بعضهم، وإعطائهم مساحات واسعة على وسائل الإعلام المختلفة، فسمعوا وأطاعوا، وسبحوا بحمد مستخدميهم، بعدما ظنوا السراب ماء.
بينما كانت إسرائيل على المقلب الآخر تقدم أيضا الدعوات، بمناسبة، وبدون مناسبة، لضعاف النفوس، من مثقفين، وأكاديميين، وفنانين، وإعلاميين عرب، لزيارة أرض فلسطين المغتصبة. ولقضاء عدة أيام على أرض العروبة المحتلة. وأحيانا تقدم إجازات سياحية لهم ولأفراد أسرهم، مدفوعة مسبقا، وربما منافع أخرى غير منظورة، خصوصا أن المؤسسات الصهيونية المختلفة عبر العالم، تملك كثيرا من المفاتيح، التي من الممكن أن تفتح بها لضعاف النفوس أبوابا كثيرة، في الوقت الذي تقفل فيه معظم الأنظمة في بلادنا الأبواب في وجوههم، وتحارب أي مثقف لا يقدم الولاء الكلي، ويقبل بالدخول في حظيرة العبيد، ويتخلى عن أهم ميزة إنسانية في بني البشر.. وهي التفكير بصوت عال وبحرية.

أي دور للمثقفين والنخب

في الواقع توجد قلة من المثقفين، لا يكادون يذكرون، تصديقا لقول الشاعر « إن الكرام قليل» يرفضون، ويعارضون، ويرفعون أصواتهم، والبقية يقفون خلف الأبواب، ينتظرون المناداة عليهم، لكي يدخلوا صاغرين، ويحوزوا بعض الفتات. لقد بدأت خيانة المثقفين والنخب في بلادنا، منذ أن أداروا ظهورهم لعمليات القمع، وتكميم الأفواه. والأحكام الاعتباطية بالسجن، على حملة الأقلام والرأي في بلداننا، بل قاموا أحيانا، بإدانة المعارضين، وكيل الاتهامات لهم متبنين لمقولات الأنظمة الملفقة فيهم، في خيانة واضحة لمبادئ حقوق الإنسان، ولحرية التعبير، ومصادرة للفكر، وللكلمة على حد سواء.

كل المواقف التي اتخذت ضد تطبيع الخيانة، كانت باهتة. لا ترتقي في اعتقادي إلى مستوى الحدث الجريمة، وتحمل في طياتها جهلا بخطورة هذه المرحلة الأخطر في تاريخ أمتنا في العصر الحديث.

ومن الملاحظ أنه منذ أن بدأت بشائر التطبيع الأخير مع الإمارات والبحرين، غياب معظم المثقفين عن صفحاتهم الفسبوكية، ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى طَوْعِيا، حذرا من اتخاذ أي موقف يزعج المُطبعين، أو أن يجرهم متابعوهم إلى التلفظ بأي كلمة قد يدفعون ثمنها، وينعكس ذلك على مستقبلهم الأدبي، لا سمح الله، وعلى جيوبهم بالدرجة الأولى، وهو الأهم، وكأن ما يجري من تطبيع وخيانة، لا يعنيهم ويحدث على كوكب آخر، بينما اقتصرت منشورات كثيرين، على صباح الخير، ومساء الخير، وتأبين لبعض الوفيات من أسرهم ومعارفهم، ونشر بعض صورهم وهم يبتسمون. وحتى الذين تعرضوا للتطبيع منهم، كانت بعض تعليقاتهم عاطفية، خطابية.. وبعضها الآخر ما زال يفكر بعقلية الماضي، طارحا الكفاح المسلح كحل، بدون إدراك لطبيعة المرحلة، وللتغيرات التي طرأت على العالم منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول وتفجير برج التجارة العالمي. بينما كال آخرون السباب والشتائم.. وهم يعلمون تماما أن الشتائم والخطب الحماسية، لن توقف التطبيع، ولن تعيد حقا مغتصبا.
إن كل المواقف التي اتخذت ضد تطبيع الخيانة، كانت باهتة. لا ترتقي في اعتقادي إلى مستوى الحدث الجريمة، وتحمل في طياتها جهلا بخطورة هذه المرحلة الأخطر في تاريخ أمتنا في العصر الحديث، حيث يتربص بنا الأعداء من كل جانب، ونحن أشبه بعراة، بلا أي مشروع، لا على المستوى السياسي، ولا الثقافي، ولا الاجتماعي الإنساني.. وفقدنا كل مقومات الصمود في وجه أعدائنا، بينما استعد أعداؤنا ويستعدون على كل المستويات. ومما يحز في النفس، أن مثقفينا الذين بُحَّت أصواتهم يوما، من أجل جنوب افريقيا ومانديلا، وضد التمييز العنصري فيها. وبعضهم ممن تقدموا في السن، من أجل سلفادور ألليندي، والحريات في تشيلي، وآخرين من أجل مظلومين في كل بقاع العالم، وأصقاعه.. نراهم اليوم قد رُبطت ألسنتهم فجأة بسلاسل، واختفت أصواتهم، حيث من المفروض أن ترتفع، ويعلو صراخهم أمام تمدد وتغلغل وعهر وتوحش صهيوني فظ. يخترق كل حصوننا الثقافية على أنواعها، ويمسك بمفاصل، وتفاصيل حياتنا، ومجتمعاتنا.
إن مجابهة هذا التطبيع والتوحش الصهيوني، ووقفه عند حدوده، هو مسؤولية الجميع بلا استثناء؛ حكومات، وجماعات، وأفرادا، ومنظمات مجتمع مدني. وعلى الشرائح المتنورة والمثقفة قبل غيرها، مسؤولية وضع ميثاق شرف، طالما سمعنا عنه، بدون أن نرى له أثرا، حول التعامل والتعاطي مع العدو الصهيوني.. وإعادة رسم خريطة المحرمات، وتوجيه بوصلة الإعلام، ووضع خطط فعالة للتوعية الجماهيرية، تفضح التغلغل الهادئ والمدروس، للأفكار الصهيونية، وتشرح للمواطنين والجماهير خطورة التساهل، مع ما يعتقدون أنه أصبح من صغائر الأمور، وبديهياتها. وتبين لهم في الوقت نفسه أن الصهيونية امتداد للاستعمار بكل أشكاله وأنواعه، بل هي أبشع أنواع الاستعمار على الإطلاق، وأخطره. لأنها لا تعرف الحدود، وتحتكر لنفسها حق المعرفة بالحقائق الكونية والإنسانية، وتفسرها تبعا لمعتقداتها المقدسة، وتكتب التاريخ على النمط التوراتي الصهيوني، وفق مقاس حروف أبجديتها وفهمها الخاص لقضايانا وتاريخنا. وتهدف إلى تشكيل الوعي لدى الإنسان العربي، وإعادة صياغته طبقا لهواها، ومزاميرها، كما فعلت وتفعل مع الأوروبيين.. وأن أطماعها لا تتوقف عند حدود فلسطين، وأنه آن لنا أن ندرك بأن قضايانا لا يمكن حلها من خلال تحالفات مع من يدعون صداقتنا، وهم في الأساس لهم مصالحهم وطموحاتهم الاستعمارية، وأن نمسك بكل أوراق قضايانا المصيرية بأيدينا.
إن ما لا يعرفه، ويدركه المثقفون، وحملة الأقلام والنخب، هو أنهم آخر سد تحتمي وراءه شعوبنا العربية، وأنه ما زال لكلمتهم دورها الفعال، وأن أي موقف منهم، ولو بسيطا، يرص الصفوف، ويقوي العزائم، ويشحذ الهمم. فهم ملح الصمود وخميرة تفاعل المجتمعات، على الرغم من بذور الخنوع التي تبدو على بعضهم، وأنه في حال سقوطهم واستسلامهم، فسوف تسقط كل مجتمعاتنا نهائيا في الفخ الصهيوني.
وكلمة أخيرة للتاريخ، لقد خسر المثقفون المخلصون لقضايا أمتنا معركتهم مع التطبيع، منذ أن خسروا الساحة اللبنانية، التي كانت حقيقة ساحة المؤشر، والمحرك الفعلي للرفض، خصوصا بعدما تحولت بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وعلى مدى سنوات، إلى ساحة مذهبية، تخدم مشروعا مذهبيا، لا علاقة له بقضايانا.. ولا في جوهر الصراع مع العدو الصهيوني، وإن كان بعض الرموز يستغلون مشاعر السذج، بشعارات المقاومة التي يطلقونها، ويتغنون بها بين الفينة والفينة، ويرسمون طرقا للقدس لا تمر بها.

٭ كاتب وباحث لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية