أي شيطان يسكن عينيك أيتها الملازم أول ليفني

حجم الخط
0

عزت القمحاوي

بامكاني التعرف علي الشيطان بداخل أي جندي أو ضابط أو سياسي اسرائيلي، لكنني لا أعرف أي شيطان وسوس لشارون بهذا التصعيد للضابطة الشابة تسيبي ليفني. الجنرال الغائب في غيبوبته، صاحب يد من أكثر الأيادي الصهيونية تلطيخاً بالدماء منذ مجازرعصابات المهاجرين الصهاينة الي اليوم، وكان يكفيه هذا فخراً كصهيوني كي ينام مستريح البال، لكنه شاء ألا يمضي دون ان يؤلمنا بهذا الاختيار البارع للمحامية التي لاتزال تحتفظ ببريق الشباب، لكي تؤسس معه حزب كاديما ولكي يدفعها الي الأمام. وان يكن قد فضل عليها أولمرت في اللحظة الأخيرة، فانه لم يفعل سوي وضع هذا المعتوه تحت قدميها لتخطـــــو فوقه الي المنصب الذي ينتظــــرها وتصبح ثاني سيدة رئيس وزراء للكيان الاسرائيلي بعد غولدا مائير، ولكن شتان بين المرأتين الأخشن والانعم.

غولدا مائير التي كانت وزيرة للخارجية قبل عامين من وصول تسيبي الي الحياة، حبست في المنصب حتي دخول ليفني المدرسة، بينما انتظرت سنوات طويلة أخري لتتولي رئاسة الوزراء بين 1969 الي 1974 . وليس علي ليفني ان تقضي مثلها تسع سنوات في حمل حقيبة دبلوماسي بدولة لاتحترم الا المحاربين أو من يأمرون بالحرب، فليفني وردة ينبغي ان تصعد قبل ان تذبل. المسافة بينهما هي ذات المسافة بين الساحرات الشريرات والنداهة!

العجوز مائير بشعرها الأجعد وعينيها الجاحظتين وانفها الكبير كانت ممثلة صادقة لقسوة وقبح دولة قامت علي العدوان واغتصاب الأرض والتاريخ، لكن شيطان شارون الأبرع جعله يختار هذا النموذج المضاد لكل ما تمثله مائير وما يمثله هو أو تمثله دولتهم.

وجه جميل لامرأة منكسرة، عندما تلمح حزنها العميق، لاتشك في انها خرجت للتو من محنة اغتصاب تكاد تحاول الخروج من ظلالها السيئة، أو علي الأقل فهي امرأة مبتلية بزوج سكير، يضربها كل ليلة ويجردها من نقودها، ويتركها لتراكم يوماً بعد يوم هذه النظرة الكسيرة لامرأة غير مشبعة!

وبهذه النظرة تبقي ليفني نداهة غامضة.. عشيقة محتملة، ومشروعاً للتواطؤ، وعندما تتكلم تفتح بصوتها المتردد أفقاً للانصات، فهي لاتبدو سياسية ستتحدث عن حرب أو سلام، وانما انثي ستصطفي مستمعها حالاً بسر. ليس النظرة والصوت فقط، بل ان السيدة تعزز صورة المرأة المنكسرة بخطو رهيف وملابس محتشمة.. ألوانها دائماً باردة، لا تعرف الأحمر، واذا جنحت نحو الأسود فانه لايكون الا مع الأزرق بما يخرجه من نطاق الغواية الي تأكيد معاني الحزن.

وعلي الرغم من انها أم أشبعت أمومتها بطفلين، فهي تقف علي مسافة أميال من تبرج وتألق الانسة كوندوليزا رايس، وكلتاهما ذاقتا حلاوة الصعود السياسي ذاتها، كما ان حسابات المستقبل تؤهـــــل ليفــــني للصعود وليس كوندوليزا، فهذه الأخيرة بارتباطها ببوش طريقها مسدود مسدود مسدود، علي قول مرحومينا نزار قباني وعبدالحليم حافظ.

في عالم الصورة كثيراً ما تختصر الدول في صور ممثليها، وهنا تكمن خطورة الشيطان المخادع الذي يسكن عيني تسيبي ليفني، ويجلل مسيرتها فوق أجساد الفلسطينيين ومنافسيها من الساسة الاسرائيليين؛ فهي تعمل لنفسها بقدر ما تعمل لدولتها. تصمت ليفني حتي يخطيء الجميع ويعبدوا طريقها بأخطائهم، ثم تتكلم.

في الحرب علي لبنان، سكتت وتسربت انباء عدم رضاها، حتي تصورنا انها يمكن ان تتطوع في صفوف حزب الله، أو علي الأقل ستستقيل من الحكومة. وبعد ان تأكدت ان كل اسرائيلي بات يعرف انها كانت ضد المغامرة ذهبت الي مجلس الأمن لتهمس بضعف عن اسرائيل الكسيرة ـ مثلها ـ التي تتعرض لعدوان حزب الله، وان ما فعلته من ابادة للجنوب اللبناني وضاحية بيروت الجنوبية ليس سوي أعراض جانبية لعملية البحث المضنية عن مقاتلي حزب الله، الذين يختفون بين المدنيين.

وعشية تصعيد المذابح في بيت حانون، اختارت ليفني ان تشتت بحنان صوتها عيون العالم بين ايران وألمانيا.. انتبه أيها الضمير الغربي الموجوع، فانك باهمال نجاد سترتكب خطأك الثاني الفاحش بحق الهشاشة اليهودية التي تشبهني! وعندما تهمس ليفني لاتضمن ان تجد أذناً تستقبل الترددات الأعلي لصراخك. ولن ينتبه أحد الي ان اسرائيل بكاملها مجتمع محارب، وان المرأة الناعمة ليست سوي ضابط برتبة ملازم أول خدمت في الموساد، قبل ان تبدأ صعودها السياسي عضواً في الكنيست عام 1999 فوزيرة للتعاون الاقليمي ثم زيرة للاستيعاب قبل ان تؤسس مع شارون لانشقاق كاديما. ولن تجد من يريد ان يتذكر ان ليفـــــني لاتنتمي ـ أصلاً ـ الي هذه الأرض، لان أباها مهاجر أوروبي شرقي، وصاحب تاريخ مرموق في الارهاب، نائبا لمناحيم بيــــغن في منظـــمة الارغون. كل هذه الحقائق الشهيرة تحتاج منا الي اصرار مضاعف، ومن العالم الي استقامة أخلاق غير موجودة حتي الآن لكي تصمد أمام الانكسار الكاذب في عيني ليفني.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية