أي قيمة للحديث عن مفاهيم الحق «بالسكن اللائق»؟ أربع جهات احتلالية تتناغم في استهداف بيوت المقدسيين والنتيجة تنفيذ «الترانسفير الصامت»

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

القدس ـ «القدس العربي»: تعتبر كلمة «بيت» ومرادفاتها الأكثر حضورا في أخبار مدينة القدس وأحداثها اليومية الصعبة، فقد أصبح البيت يحتل جانبا رئيسيا في المواجهة بين الاحتلال ومستوطنيه والمواطنين المقدسيين.

ويبدو البيت، للمراقب، هو وحدة المواجهة الأخيرة، وتحديدا بعد أن قام الاحتلال بتقليص علاقة الفلسطينيين في مجالهم العمومي من شوارع وحدائق وساحات ومؤسسات وطنية عبر السيطرة والتضييق عليها والتحكم فيها في أكبر عملية تهويد مدينة وتبديل هويتها.
وهي في هذا «المشوار الطويل والطويل جدا منذ 54 عاما» بحسب الباحث والناشط المقدسي زكريا عودة.
يؤكد عودة، منسق الائتلاف الأهلي لحقوق الفلسطينيين في القدس المحتلة، في حديث خاص لـ«القدس العربي» أن عمر الاستهداف الطويل للمدينة وناسها تعمق وتجذر في السنوات الثلاث الأخيرة. «في كل عام خلال السنوات الثلاث نرى أن السياسات الاحتلالية تتضاعف، وفي هذا العام الذي لم نمض منه سوى أقل من ثلاثة أشهر نلحظ أنه سيكون العام الأكثر صعوبة واستهدافا لمنازل المقدسيين».

بلغة الأرقام

تشير الأرقام أنه في عام 2019 هدم في القدس 169 منزلا منها 48 منزلا هدمت ذاتيا، أما في عام 2020 فهدم الاحتلال 121 منزلا هدمت 89 منزلا منها ذاتيا، وفي عام 2021 هدم الاحتلال ما يقارب من 176 منها 93 منزلا هدمت ذاتيا.
وفي رأي زكريا فإن المؤسف أن أصبح الهدم الذاتي ظاهرة كبيرة حيث تجبر العائلات على هدم بيوتها بأيديها، لأنها إن لم تفعل ذلك، وحسب قوانين الاحتلال يتم تدفيع صاحب المنزل تكاليف الهدم، والتي تشمل تكاليف الجرافات التي تتولى الهدم، ونفقات أفراد الشرطة والجيش الذين يوفرون الحماية لطواقم الهدم ويضربون حصاراً وطوقاً على موقع الهدم، والتي تصل ما بين 80- 90 ألف شيكل، ولذا يختار المواطن هدم منزله بيديه، لأنه سيكلفه مبلغاً أقل بكثير قد لا يتجاوز الثلاثة آلاف شيكل.
ويتابع: «الأرقام تخوف فعليا التي على المقدسي تكبدها وفي حال تجاهلنا تكلفة البناء الباهظة فإن فاتورة المخالفات بحجة البناء من دون ترخيص يضاف إليها فاتورة الهدم قد تصل في أحيان كثيرة إلى نصف مليون شيكل».
ويؤكد أن شكّل الهدم الذاتي يزيد على 50 في المئة من مجمل عمليات الهدم في المدينة المحاصرة.
ويرى عودة انه لا يجب النظر إلى هذه الأرقام المالية المرتفعة جدا إلا بعد التدقيق في نسبة الأسر التي تعيش تحت خط الفقر، حيث تصل النسبة إلى 78 في المئة من المواطنين المقدسيين.
الصور التي تنقلها وسائل الإعلام وفيديوهات النشطاء التي تعكس منازل الفلسطينيين في حي الشيخ حراج أو تلك المنازل التي يضطر المقدسي إلى هدمها بنفسه تعكس بساطتها وتطرح جانبا مهما في معاناة السكان البسطاء أمام محاولات قوة الاحتلال تجريدهم بيوتهم.
ويضطر المقدسي للبناء بدون ترخيص في ضوء تعذر حصوله عليه من بلدية الاحتلال، وبحسب عودة فإن الاحتلال فرض قيوداً مشددة على رخص البناء للمقدسيين، إلى درجة بات الحصول فيها على رخصة بناء يستغرق فترة زمنية تمتد أحيانا من خمس إلى عشر سنوات.
وأضاف: «ناهيك عن تكاليف الحصول على رخصة، فرسوم الحصول على رخصة بناء شقة سكنية بمساحة 100 متر مربع يصل في معدلاته إلى نحو 40 ألف دولار».

الترانسفير الصامت

يصف زكريا هذه السياسة الاحتلالية بإنها تطبيق لسياسة التهجير-الترانسفير الصامت، وهي استراتيجية الكيان الإسرائيلي منذ عام 48 وهي تستهدف في محصلتها تغيير التركيبة السكانية والجغرافية لفلسطين بشكل كامل، ولمدينة القدس بشكل خاص، وإيجاد أغلبية يهودية مقابل أقلية عربية فلسطينية.
يضرب عودة مثال عائلة محمود صالحية التي هدم منزلها قبل شهر تقريبا وهي ما تزال تبحث عن منزل مناسب في القدس كي تسكن فيه لكنها غير قادرة على إيجاد منزل بالأجرة بأقل من 1500 دولار أمريكي شهريا.
ويؤكد أن الأسعار في القدس تشبه تماما الأسعار في أي مدينة إسرائيلية، وهو أمر لا يتناسب وواقع المدينة المهددة.
ويؤكد أنه رغم وجود التضامن والتكافل الاجتماعي في المدينة إلا أن ذلك لا يلبي الغرض في ضوء تزايد حالات الهدم التي أصبحت حدثا يوميا.
ويتابع عودة: «لكم أن تتخيلوا أن المقدسي يدفع «دم قلبه» في سبيل الوصول لبناء منزل بسيط يعيش فيه أو يزوج ابنه فيه وفي يوم وليله تصبح هذه العائلة بالشارع، مع مبالغ إضافية كبيرة على شكل مخالفات بناء وتكاليف هدم».
يذكر أن هناك حالة من التكامل بين مجموعة من المؤسسات أو الجهات الاحتلالية الأربع العاملة في القدس وهي النظام القضائي والحكومة بأذرع مؤسساتها، وبلدية الاحتلال، والجمعيات الاستيطانية.
وحسب الإحصائيات المتوافرة فإن معدل الرخص التي يتم إصدارها للمقدسيين في الجزء الشرقي من المدينة هو 100 رخصة سنوياً فقط بالرغم من الكثافة السكانية العالية لدى المقدسيين، وتضاعف أعدادهم طيلة سنوات الاحتلال.
وبعد أن كان عدد السكان في القدس عشية احتلالها 67 ألف نسمة، يبلغ عددهم اليوم أكثر من 375 ألفاً، ويشكلون ما نسبته حالياً من التعداد الإجمالي للسكان نحو 40 في المئة داخل ما يسمى بالحدود البلدية للمدينة.

الحق في السكن اللائق

وبالعودة إلى مفاهيم حقوق الإنسان نجد مصطلح «حق الإنسان في السكن اللائق» والتي تعني: حقه في أن ينعم بما هو أكثر من مجرد أربعة جدران وسقف، وهو حق كل امرأة ورجل وشاب وطفل في الحصول على بيت آمن يؤويه ومجتمع محلي ينتمي إليه ويعيش فيه بسلام وكرامة.
وبحسب ما نشره مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فإن عناصر الحق في السكن اللائق تشمل: أمن الحيازة القانوني: بصرف النظر عن نوع الحيازة، ينبغي أن ينعم جميع الأشخاص بدرجة من أمن الحيازة تكفل الحماية القانونية من الإخلاء القسري والمضايقة والتهديدات الأخرى؛ والقدرة على تحمل التكاليف: أي ينبغي ألا تنطوي التكاليف الشخصية أو الأسرية المرتبطة بالسكن على تهديد تلبية الاحتياجات الأساسية الأخرى أو الانتقاص منها؛ والصلاحية للسكن أي ينبغي أن يوفر السكن اللائق عناصر مثل: الحيز الكافي والحماية من البرد والرطوبة والحرارة والمطر والريح أو غير ذلك من المخاطر التي تهدد الصحة والمخاطر الهيكلية ونواقل الأمراض.
ويضاف إلى كل ذلك بحسب مكتب الأمم المتحدة ضرورة توافر الخدمات والمواد والمرافق والهياكل الأساسية بحيث يكون السكن غير لائق إذا لم تتوافر لشاغليه مياه الشرب المأمونة، والطاقة اللازمة للطهي والتدفئة والإضاءة، ومرافق الصرف الصحي والاغتسال، ووسائل تخزين الأغذية، وتصريف النفايات، وتيسر تلبية الاحتياجات التي تقول إن السكن يكون غير لائق إذا لم تؤخذ في الحسبان الاحتياجات المحددة للفئات المحرومة والمهمشة مثل الفقراء، والأشخاص الذين يواجهون تمييزاً، والأشخاص من ذوي الإعاقة، وضحايا الكوارث الطبيعية. ويضاف إلى ذلك أن جزئية موقع السكن اللائق الذي يشترط أن يكون في موقع يتيح إمكانية الاستفادة من خيارات العمل وخدمات الرعاية الصحية والمدارس ومراكز رعاية الطفل وغير ذلك من المرافق الاجتماعية وألا يكون مبنياً في موقع ملوث أو في موقع قريب جداً من مصادر تلوث.
وتعريف الأمم المتحدة للسكن اللائق لا ينسى التأكيد على الملاءمة من الناحية الثقافية أي ينبغي أن يتسم السكن اللائق باحترام ومراعاة التعبير عن الهوية الثقافية وأساليب الحياة.
وبالعودة إلى النقاط السبع السابقة نجد أن واقع الحياة في مدينة القدس ومحيطها معطوبة بالكامل. في ظل أن القدس تعيش عمليات هدم ترتفع وتيرتها بادعاء ارتباطها بسياسة التخطيط الحضري أو المدني الذي تتبناه وتنفذه سلطات الاحتلال في القدس المحتلة.

استخلاصات قانونية

والأساس في ذلك بحسب عودة توسيع حدود ما تسمى ببلدية القدس من 5.5 كم2 إبان العهد الأردني إلى 71 كم2 من خلال ضمّ أراض من القرى المحيطة بمدينة القدس، وهو ما شكّل بالنسبة للاحتلال «أرضية قانونية» لعملية الضم تلك التي ارتبط بها سياسة مصادرة الأراضي، حتى بات الاحتلال يسيطر على 88 في المئة من أراضي الجزء الشرقي من القدس، وترك للفلسطينيين 12 في المئة من الأراضي لاستخدامات البناء سواء للسكن أو البناء التجاري، وهو ما أثر بشكل كبير على عملية الحق في السكن، وإمكانية البناء والحصول على تراخيص.
وبحسب ورقة حقائق حملت عنوان «قضية الشيخ جرّاح وقائع واستخلاصات قانونية» صادرة عن تجمع «القانون من أجل فلسطين» للباحثين نداء يوسف وناصر ثابت، فإن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تسعى، مدعَّمة بمحاكمها وقوانينها التمييزية لنقل ملكية البيوت في الحي الشهير من ملّاكها الأصليين الى المستوطنين الإسرائيليين.
وأشارت الورقة أنه بموجب التحليل القانوني لقواعد القانون الدولي والقوانين الأردنية والوثائق العثمانية، فضلا عن القوانين الإسرائيلية، نجد أننا أمام حالة استيلاء على أراضي الغير بالقوة وعبر سياسات وقوانين تمييزية.
وأكدت الورقة أن الأراضي والمنازل تخرج عن نطاق السيادة الإسرائيلية وبالتالي عن اختصاص المحاكم الإسرائيلية؛ والتي تتغول أصلاً على القانون وعلى اختصاص المحاكم الفلسطينية، لأن هذه الأراضي تقع في المناطق الفلسطينية المحتلة وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، والتي بموجبها فإن التوصيف القانوني للسلطات الإسرائيلية أنها سلطة احتلال حربي، يقع عليها احترام القوانين السارية في الأراضي الفلسطينية.
وشددت الورقة أن القانون الدولي الإنساني الذي يفترض ان يكون مطبقا في القدس يجرم نقل السكان من سلطات الاحتلال، ويعتبره ميثاق روما، الناظم للمحكمة الجنائية الدولية، والتي تحقق في الوضع في فلسطين حاليا، جريمة حرب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية