يؤكّد الكاتب الأوروغوائيّ الكبير إدواردو غاليانو (73 سنة) أنّ الكتاب الذي وضعه منذ ما ينيف عن 45 سنة تحت عنوان «أوردة أمريكا اللاتينية المفتوحة» هي ما زالت مفتوحة ومشروخة بالفعل إلى يومنا هذا، وقال مازحا – أنّه – على الرّغم – من أنّ الرّئيس الفنزويلي السابق الرّاحل أوغو شافيز أهدى نسخة من هذا الكتاب إلى الرّئيس الأمريكي باراك أوباما عام 2009 خلال مؤتمر القمّة الخامس للعالَم الأمريكي، المنعقد فى « بويرتو إسبانيا» عاصمة ترينيداد وتوباغو، وعلى الرّغم من أن نسبة مبيعات هذا الكتاب قد قفزت فى أحد مواقع البيع الأمريكية من رتبة 60.280 إلى المرتبة العاشرة في يوم واحد، إلاّ انّه على يقين لا أوغو شافيز نفسه، ولا باراك أوباما قد فَهِما فهما جيّدا، واستوعبا استيعابا حقيقيا نصّ هذا المؤلَّف».
يقوم إدواردو غاليانو فى هذا الكتاب بتحليل تاريخ هذه القارة البكر، بما في ذلك بشكل خاص التصفية االعِرقية، والإستغلال الإقتصادي، والهيمنة السياسية التي تعرّضت لها بشكل رهيب هذه القارة منذ الإستتعمار الأوروبي لها إلى فترة السبعينيات من القرن المنصرم التي نشر فيها هذا الكتاب. ثمّ جاءت حقبة ما يُعرف بالحرب الباردة (195- 1991). كتاب إدواردو غاليانو المثير لقي هوى وقبولا كبيرين لدى الأيديولوجيات الثورية واليسارية، وبشكل خاص في بلدان مثل الأرجنتين، والتشيلي، والبرازيل، والأوروغواي وسواها التي كانت ترزح تحت الهيمنة الدكتاتورية المتسلّطة، ونتيجة ذلك فقد زجّ بإدواردو غاليانو في غياهب السّجون في بلاده الأوروغواي بعد الإنقلاب الذي عرفه هذا البلد عام 1973، ثمّ أُرْغِم بعد ذلك على الهجرة القسْرية، والاغتراب القهري، واللجوء إلى الأرجنتين فى المقام الأوّل، ثم بعد ذلك إلى إسبانيا.
وصرّح إدواردو غالينو خلال مشاركته مؤخرا فى معرض الكتاب الدّولي فى البرازيل حيث قال: «أنه لن يعود لقراءة كتابه من جديد، فقد يُغمَى عليه لو فعل ذلك، وأضاف أنّ هذه النصوص التي تنتمي لليسار التقليدي قد أصبحت مملّة الآن بالنسبة له، فجسمه الواهن لم يعد يتحمّل ذلك اليوم». وقال غاليانو فى نفس السياق بخصوص موضوع كتابه الذي منذ أن صدرعام 1971 كان ولا يزال يُعتبر- حسب بعض النقّاد – كتاب اليسار بإمتياز فى أمريكا اللّاتينية إلى اليوم، والذي جعله هذا اليسار لسنوات دليلا ومرشدا له فى العديد من التاظاهرات السياسية، والتجمعات اليسارية فى مختلف بلدان أمريكا اللاتينية.
فَلَذات الأيّام
وعن كتاب صدرله مؤخرا بعنوان «فلذات أو أبناء الأيام» يقول إدواردو غاليانو: «أنّ هذا الكتاب يأتي إنطلاقا من شهادات ناطقة حيّة من أفواه أبناء شعب المايا في غواتيمالا منذ بضع سنوات خلت، هذه الشهادات هي التي يتضمّنها هذا الكتاب بين دفتيه اليوم. ويضيف أنّ المايا يعتقدون اعتقادا راسخا أنّنا فلذات أوأبناء الأيّام، أبناء الزمن، وفي كل يوم تتولّد القصص، والحكايات المتواترة، ذلك أنّ الكائن البشري مصنوع وموضوع من الذرّات، ولكنّه صيغ كذلك من القصص، والسّرد، والتراث، والحكايات».
يجد غاليانو تشابها وتقاربا بين كتابه الجديد وكتاب آخر له صدر منذ بضعة أعوام وهو بعنوان «مرايا» حيث يقوم الكاتب بمراقبة العالم ورصده، أنّه أمر مماثل أن ترمق وتراقب العالم من ثقب قفل، أو أن تحكي قصصا عظيمة أنطلاقا من حكايات بسيطة وصغيرة، أو كما يمكن أن يقول أكثر من شاعر بواسطة الحكايات اليومية المتواترة، أو بواسطة هؤلاء الذين يُطلق عليهم الأبطال المجهولون.
يعتبر بعض النقاد هذا الكتاب امتدادا لكتب غاليانو السابقة، وتجسيما لمواقفه من العديد من القضايا التاريخية، والاجتماعية، والإنسانية، والسياسية، التي ينفرد بمعالجتها بأسلوبه الخاص، وبقدْر كبير من الجرأة والمواجهة والتحدّي. يتضمّن هذا الكتاب قدْرا باهظا من هذه الشُّحنة الناقمة التي يصبّ فيها وبها الكاتب جامّ غضبه على هؤلاء الذين ينظرون إلى العالم من ثقب الباب، حيث لا يتراءى لهم منه سوى ما يروقهم، أو ما يحلو لهم مشاهدته، ورؤيته فيه. في هذا الكتاب تندّ نسائم الحريّة، والانعتاق، وتفوح رائحة البحث المضني عن الحريّات، والعدالة، وحقوق الطبيعة، والبشر. ففيه نلتقي ليس فقط مع أمّنا الأولى «حوّاء» أو مع أبينا الأوّل «آدم»، بل نلتقي وجها لوجه مع «باراك أوباما»، أو مع ‘الحركات الشبابية الغاضبة في إسبانيا التي يقدّم غاليانو لها دعمه ومساندته بحماس منقطع النظير، في هذا السّرد الحكواتي المتواتر، بقدر ما يدنو فيه الكاتب من القارئ، فإنّه في الوقت ذاته ينأى ويفرّ ممّا يسمّيه أو يطلق عليه بالتضخّم الكلامي… !
إعمال النّظر
لإدواردوغاليانو كتاب آخركذلك تحت عنوان «مذكرات الناّر» وهي ثلاثية قيّمة حول أمريكا الجنوبية يتساءل الكاتب فيها عن بعض المصادفات الغريبة، والمحيّرة التي تمرّ بالإنسان، وعن إعمال النظر في الأمور والتمعّن فيها بعمق، ويورد غاليانو قصة طريفة في هذا السياق يقول إنها أثّرت فيه تأثيرا بليغا، وهي عندما قرأ استجوابا للكاتب الأمريكي الأسود اللون «جيمس بالدوين» الذي يحكي أنه حتى سنّ التاسعة عشرة من عمره لم يكن يعرف كيف يَرَى الأمورَ على حقيقتها على الرّغم أنه كان سليم النظر، وأنّ صديقا رسّاما له هو الذي علّمه كيف يرى، ففى عام 1944 عندما كانا هما الإثنان يسيران في بعض شوارع نيويورك، ووصلا إلى ركن من أركان الشارع توقّفا عن السّير، وبدأ الصديق الرسّام يشير بيده إلى غَمْر من الماء بجوار الرصيف وهو يقول له: أنظر، ويحكي بالدوين أنّه نظر في البداية فلم ير شيئا، رأى غَمْرا من الماء ليس إلاّ، وعاد الرسّام ليلحّ عليه فقال له من جديد أنظر، أنظر وعاود النظر، وهذه المرّة رأى شيئا لم يتراء له من قبل، رأى بقعة من الزّيت داخل الغمر، وعندما ركّز نظره أكثر وبمزيد من التمعّن، مع إلحاح الصّديق في أن ينظر وينظر، فبالإضافة إلى قوس قزح المنعكس في الغمر، رأى كذلك أشياء كثيرة أخرى، رأى أناسا يمشون، المارّة، الحمقى، العُمُّال، السّود، الذين يقطعون الطريق كل يوم، ولم يتوقّفوا قطّ للنظر مثلما فعل هو، وبعد أن زاد تحديقه رأى المدينة بأكملها، ورأى الكَوْنَ داخل ذلك الغَمْر الحقير الذي يوجد في ركن قصيّ من أركان جزيرة منهاتن، وكان ذلك اليوم هو اليوم الذي تعلّم فيه أن يرى.. ! ويشيرغاليانو معلقا على هذه الحكاية: «إنّ الفنّ الحقيقي هو الذي يساعدنا على إعمال النظر، وعلى فتح نوافذ جديدة أمامنا».
تقول الحكاية الأخرى التي يوردها غاليانو في كتابه في نفس السياق: أنّ صديقا له لم يكن قد رأى البحر قطّ في حياته لأنه من داخل الأروغواي، فأخذه أبوه ذات يوم لمشاهدة البحر وليعرف البحر لأوّل مرّة، كان صديقه لم يتجاوز السابعة من عمره، كان أوّل ما انتهى إليه من البحر نسماته،ورذاذه ثمّ هديره، وعندما رأى البحر في ملكوته ووسعه وروعته لم يستطع أن يتمالك نفسه أمام جلال المفاجأة، فصاح في والده: يا أبتي ساعدني على النظر..!. فما أجملَ أن نساعد على فهم الحياة، أيّ أن نساعد على فتح نوافذ مشرعة جديدة في منطقة مّا من العالم ،وهي أمريكا اللاّتينية التي طالما نُظر إليها بغير قليل من الازدراء».. !
مِن وَحْي الإكتشاف
القصص التي يسوقها غاليانو في كتابه «مذكّرات النار»عن تاريخ أمريكا اللاتينية هي قصص حقيقية، وهي تتضمّن قيما رمزية عميقة تكشف النقاب عن أشياء لا تخلو من أهمية، ويضرب الكاتب كمثال بواحدة من هذه القصص المروّعة من تاريخ هذه الجهة النائية من العالم عندما أقيم عام 1496 أوّل «مكان للحرْق» في أمريكا اللاتينية في «هايتي» إنه منذ إكتشاف أمريكا لأوّل مرّة يعاقَب إنسان في هذه القارة بالقتل حرقا، إن القاتل (العشماوي) هو «بارطولومي كولومبوس» أخو كريستوفر كولومبوس البحّار الشهير، الضحايا الذين إشتعلت أجسامهم حرْقا وهم أحياء هم ستّة من الهنود، ويشير الكاتب أنّ هذا الإعدام، أو هذه التضحية تجسّم لنا كلّ شيء، ليس فقط تصادم حضارتين، بل وأكثر من ذلك هو أن أكبر خطأ لما يُطلق عليه إكتشاف أمريكا هو عدم إكتشاف شيء، لأنّ «كولومبوس» مات مقتنعا أنه كان في اليابان كما يعرف الجميع. أيّ في ظهر آسيا. إنّ الأوروبيين الذين قدِموا إلى أمريكا كانت لهم عيون لمشاهدة الحقيقة التي وجدوها، إلاّ أنهم مثل حالة» جيمس بالدوين» كانوا عاجزين عن إكتشافها، إنّ نظرتهم لها كانت شبيهة بنظرة بالدوين الأولى للغَمْر. إنّ دأب هؤلاء كان هو السّلب والنّهب المنظمين، وإلحاق الأذى والضرر ببلدان أخرى، إن الغازي يقول غاليانو: وصل لإنقاذ الذي وقع عليه الغزو من ظلام الوثنية، إلاّ أنه في آخر المطاف هو الذي وقع بين مخالب الوثنية الحقيقية، فما هو الذنب الفظيع الذي إرتكبه هؤلاء الهنود الستّة ليلقِى بهم بارطولومي كولومبوس في النار أحياء؟. !
الهِندي المُلتحي
يشير غاليانو: «أنه ليس عيبا أن يُحْتفَى باكتشاف أمريكا، ولكن ليس من أجل تكريم الملوك الكاثوليك الإسبان الذين أنشأوا محاكم التفتيش والتعذيب والتنكيل المعروفين بعدم التسامح، والجهل، بل فليكن هذا الاحتفال تكريما لبعض التقاليد الأمريكية القديمة جدّا، وقيَم وعوائد الأمم التي عشقت الحرية، وتعلقت بالشرف والكرامة وهامت بالطبيعة، إن سكان هذه المناطق من العالم كانوا يعيشون ويعملون جماعات فيما بينهم قبل أن يحدث « الاكتشاف» الذي جاء ولقّنهم الأنانية ،والكراهية، والأثرة، والتشرذم، وحقّ المِلْكية، والجَشَع، وروائع أخرى..! أو أن يكون إحتفالا بهؤلاء الذين جاءوا فاتحين مثل حالة البحّار «غونسالو غيرّيرو» الذي ظلّ تائها في أرض «المايا» ثم سرعان ما إنخرط في مجتمع الهنود وتزوّج منهم وكان له أولاد، وعندما علم (المكتشف) «إيرنان كورتيس» بقصّة ذلك البحّار طلب منه الحضور فرفض، وآثر أن يظل مع أهله الجدد، وعائلته وأولاده، ولما كان عام 1536 وبعد معركة طويلة بين هنود المايا والغزاة، وبين العشرات من الجثث ظهر هندي ملتح، هندي ذو جلد أبيض، وقد شقّت جبينه رصاصة غاشمة، لقد كان «غونسالو غيرّيرو» الذي آثر أن يسقط مع مَنْ إرتاح إليهم وأحسنوا وفادتَه، هذا الرجل هو أوّل غاز تمّ غزوه، وكان هناك آخرون ظلوا في غياهب المجهول.
ويحكي لنا غاليانو من جهة أخرى برمزية عميقة عن مبدأ تقدير وتقديس الصّداقة فى هذا الشقّ من العالم، فيخبرنا كيف أنّ البطل الأسطوري «بانشو فييّا» كان إسمه الحقيقي هو «دوراتيو أرانغو» وبانشو كان اسم أعزّ اصدقائه، وعندما قتل الحَرَس المدني صديقَه الذي كان ينتمي إلى شلّة «أرانغو» إتّخذ لنفسه إسمَ صديقه ،أيّ الاسم الذي هَوَى، وأصبح اسمه «بانشو فييّا» لكي لا يموت إسم صديقه أبدا، إنّه نوع من مصارعة أو مقارعة الموت ضدّ النّسيان الذي يُعتبر الموت الوحيد الذي يقتل حقيقة. وهكذا ظل اسم صديقه حيّا في شخصه، تردّده أمريكا اللاتينية حتى اليوم. ويسوق الكاتب مثالا آخر فى نفس السياق فيقول: كيف يمكن تفسير أنّ ثلاثة من المتمرّدين الأمريكيين الجنوبيين الذين أصبحوا يشكّلون نوعا من الأسطورة في حياة النّاس، وفى أدب أمريكا اللاتينية وهم: «سَابَاطاَ» و»سَاندينو» و»غِيفارا» جَمَعَهم مصير واحد، فالثلاثة ماتوا في سنّ 39 سنة، الثلاثة ماتوا على إثر خيانة، والثلاثة ماتوا في كمين نُصب لهم…!
٭ كاتب من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية الأمريكية للآداب والعلوم (كولومبيا).
محمّد محمّد خطّابي