شوقي مسلماني ‘أنتَ حمار وأنا أخوك. بأي مذهب تتسلّل، وتطعنني في ظهري’؟!. وهذا، أيّها الأخوات والأخوة، من الأغنية التي شاعتْ في أرجاء المعمورة، وعشقها الأمير، والشيخُ، والكهلُ، والفتى، والمقمّطُ بالسرير. وقصّتُها أنّ أحدَهم عشقَ إحداهنّ عشقاً أين منه عشق قيس لليلى، أو عشق جميل لبثينة، أو عشق كثير لعزّة، أو عشق عنترة لعبلة، أو عشق روميو لجولييت. وإذا صرّح هؤلاء فإن أخانا آثرَ الكتمان. وما انقضى وقتٌ حتى غلبَ عليه ما هو فيه مِنِ انحباسٍ وتيه، وصارَ عقلُه يلعب به، وعيناه تغشّانه، ومثلاً: وقعتْ عينُه على مائدة، وجرى نحوها لكي يتلقّط، وما اقتربَ أكثر حتى تهيّأ له أنّ المائدة لا تعدو أن تكون حبيبته واقفة ويُلامس كفّاها الأرضَ بوضعيّةٍ رياضيّةٍ. أصابَه ذعرٌ أن يهمّ بالتهامِ حبيبتِه. قالَ لذاتِه قبل أن يولي الأدبار فارّاً مِنَ العار: ‘احسبيني غولاً، هل سمعتِ أنّ الغولَ يأكل غولتَه’؟!. ومثلاًَ: استبدّ به العطشُ، ورأى جرناً طافحاً متألِّقاً في عينِ الشمس. هـُرع صوبَه ووضع بوزَه عنده وفي نيّته أن يأتي عليه كلّه. رأى وجهَه معكوساً. لكنّه تهيّأ أنّ وجهَه وجهها. ظنَّها تستحم، وقد غطستْ خجلاً عندما علمتْ بقدومِه. واندهشتْ لمّا رأتْه ينظر إليها مندهِشاً. وساءَه أن يكون قد تهيّأ لها أنّه يُبصبِص عليها أو مُصاب بداء البصبصَة. ضربَ رأسَه بيديه وولّى. وهكذا أصابَه النحول. حتى بعد شهر برزتْ عظامُ جسمِه، كأنّه المصاب بداء النحافة ـ أنيروكسيا. وفيما هو يرتعش مشرفاً على الموت قالتْ له روحُه: ‘يا طويل الأذنين، لو فقط تفسِّر ماذا يمنعك من مصارحتها؟!. إذا أعطتكَ ريقاً فمبتغاك، وإذا لا فعندك أمّ نافع وأمّ تولب وأمّ وهب. والشاعر قال: ‘سلامٌ عليها ما أحبّتْ سلامنا’! وقال قائل: ‘من يرفعني أرفعه إلى فوق رأسي ومن يجعلني عند ذيلِ الكلب أجعله عند بوزه’!. قال لها وفيه بعدُ أيضاً رمقٌ: ‘يا عزيزتي، لم يعدم الملِكُ ناصحاً قال له: ‘إذا استوتْ بكَ السلامة فجدّد ذكر العطب، وإذا هنّأتكَ العافيةُ فحدِّث نفسك بالبلاء، وإذا اطمأنّ بكَ الأمنُ فاستشعرِ الخوف، وإذا بلغتَ نهاية العمل فاذكرِ الموت، وإذا أحببتَ نفسَك فلا تجعلنّ لها في الإساءة نصيباً’! وأنتِ يا روحي الطيّبة ما أدراك؟ فلو صارحتُها وأنكرتْني وانطلقتْ إلى صديقة لها وأفشت أمري معها لتقول لها ربّما أنّها دلّوعة الدلّوعات ومرغوبة ومطلوبة، أو ربّما لكي تبلِّغ مِنْ خلالِها رسالةً لغيري هي ذائبة فيه حبّاً فماذا سيحصل؟ السرّ يا روحي لو جاوزَ صدر المرء إلى صدرِ آخر لا يعود سرّاً فكيف إذا بلغ صدراً ثالثاً؟ ففي ليلةٍ وضحاها قولي إنّي على كلّ شفةٍ ولسان، ويعلم حمارٌ يكرهني، وهذا سيدور مشنِّعاً بي مِن إسطبلٍ إلى إسطبل ومن مربط إلى مربط ومِنْ بركة إلى بركة، وسيملِّح ويُبهِّر ويؤكِّد أنّها أنكرتني لأنّها عرفتني: صوتي رخيم، فإذا سمعني سامع لا يقول ‘أعوذ بالله من الشيطان الرجيم’! وذيلي محرمة كلينكس وليس حديداً! وحوافري حزوز جبنة ‘لافاش كي ري ـ البقرة الضاحكة’ وليست صخور صلدة! وساعتئذ ليس لي سوى أن أولول: ‘يا تعـتيري’ فأنا دخيل على الحمير، وسيتعقّبونني في الأزقّة صائحين: ‘أَهوْ أَهوْ الحمار المتنكِّر أَهوْ أَهوْ’ وسيقرعون لي على التنك وأنا سأرشقهم بالحجارة وأشتمهم وأشتم كل مَنْ هو من العائلة الخيليّة فرديّ الحافر من شعبة الثدييات من شعبة الجاليات التابعة للمملكة الحيوانيّة، وسأشتمك وسألعن يوم مولدي والداية التي سحبتْ رأسي داعياً لو تظهر أم عامر وتحطّمني وتزلطني أو لو تنشقّ الأرض وتبتلعني كما يدعو المنفيُّ عن أهله ووطنِه لو تنشقّ الأرض وتبتلع القومَ الظالمين’. وفيما هو يقول ويقول ويقول، ويعظها وهو بالوعظ أولى، وهي ترجوه مِنْ أعماقِ قلبِها أن يرأفَ بحالِه وبها، ولا حياة لمن تنادي، وإذ الفاتنة أتان تظهر مِنْ لا مكان وتتهادى إليه على ‘الدقـّة ونصّ’ كأنّها تستعرض أو ترقص، وتقترب منه حتى يلامسُ بطنُها العامر بطنَه الضامر، وتتجاوزه لتقف أمامه بحيث تجعل خلفَها تحت أنفه، فيفرك عينيه كأنّما لا يصدِّق أنّه في عِلم وليس في حلم، وأخيراً سأل روحَه والدهشة تغمر وجهه البريء: إذا الفاتنة هي أتان؟ ويجيب هو ذاته: ‘بل هي سالبتي أتان ذات الحسن الفتّان. انظري جيّداً بعينيك يا روحي، إنّها هي بشحمها ولحمها، بأذنيها المنتصبتين عمارتين وبطنها العظيم وقوائمها الخيطان وحوافرها الكشاتبين’. ودسّ أنفَه، وقال لروحه بحياة جديدة نهضت بأعجوبة فيه: ‘هل بلغَكِ قولُ ابن صفوان إنّي (عير يحمل الرحلة ويبلغ العقبة ويقلّ داؤه ويخفّ دواؤه وليس جبّارا في الأرض أو من المفسدين)؟ فاتنتي أتان تموت بتلابيبي، هي أتاني وأنا خيّالها’. وخلافاً للعقل، وتأكيداً لقول الأعرابي ‘العير عار لا تُرفأ به الدماء، ولا تُمهر به النساء، وصوته أنكر الأصوات’. جرى إلى الوراء وترك أتانَه وحدها محتارةً في أمرِه ومرامه، ووقفَ حيث هو فيما روحُه تنظر وفي بالها أنّه ‘قيل للجمل: مَنْ أنت؟ قال: أنا حامل الأثقال. وللحصان: مَنْ أنت؟ قال: أنا مقتحم الأهوال. وللحمار: مَنْ أنت؟ قال: أنا مركوب العجائزِ والأطفال’. أخيراً صاحتْ به: ‘وماذا بعد يا أيقونة العناء والغباء؟ ها هي أمامك على طبقٍ مِنْ ذهب، أم صدَقوا حين قالوا: ‘لقي أسدٌ حماراً وهو لا يعرفه فهالته صورته فقال لأختبرنّه فقال له: (ما كنيتك)؟ قال: (أبو صابر). قال: (فما طول أذنيك)؟ قال: (للذباب). قال: (فما عظم أسنانك)؟ قال: (لجدب النبات). قال: (فما صلابة حافرك)؟ قال: (لِوَطي الصخور). قال: (فما ضخامة بطنك)؟ قال: (ضرطاً أكثر). فعلم أنّه لا غناء عنده فافترسه’. ولئلاّ تسترسل في قدحه وذمِّه قال لها مقاطعاً: ‘العقل المدبِّر الأريب يجرِّب كلّ ما يعنّ له بحكِّه على محكِّ العلم، ولو كان رأيك في كلّ الأمور عالياً ففوق كلّ علمٍ عليم’. وقال غلام للملك: ‘فإنّما يكون المدح والذمّ بعد التجربة’. هل ابتنى الإنسي ما ابتنى إلاّ باللفّ والدوران؟ وإذا أنتِ هنا ولستِ هنا فأنا ها هنا. اسرحي يا عيني، اسمعي يا أذني وافرحْ يا قلبي، سألفّ وأدور مثل الإنسي، سأعرِّس وستزقزق عصافير بخصالي: أنا أرى الأشعّة تحت الحمراء مثلما الديكة ترى الأشعّة البنفسجيّة، أنا الموصوف بالهداية إلى سلوك الطرقات التي مشيتُ فيها ولو مرّة واحدة، أنا الموصوف بحدّةِ السمع، أنا أقلّ الدواب مؤونة وأكثرها معونة وأخفضها مهوى وأقربها مرتقى، أنا مِنَ الحمر الأهليّة، أنا الذي أتحمّل العطش، أنا زينة، أنا مِنْ مراكبِ الأنبياء، أنا الذي عشّروا تعشيري فأمنوا الوباء، أنا مستكشف المسالك في القفارِ الوعرة، أنا ثاني أذكى حيوان بعد الشمبانزي، ولي ثلاثة حلول لكلِّ مشكلة تتعقّبني، والثاني بعد الإنسي في التخيّل، أنا لا أُزكّى ولا أذكّى، فلا تجب بي زكاة ولا أُذبَح فلا يحلّ أكلي، أنا المستأنَس منذ ستّة آلاف سنة، أي قبل الحصان بألفي سنة، أنا المجتهد مِنَ الفجر إلى النجر. وستلفّ العصافير وتدور وتلفّ وتدور ولا العقبان، والأرض جيفة، وإذا لم تكن ذئباً نهبتك الذئاب. وغراب سينعق في كلّ قفر قائلاً لي: (مبروك)!. وانظري رسناً جديداً في عنقي وبردعةً جديدةً على أتان، وشعيراً يُرشّ، وجداول تسقسق، وشهباً ونيازك تدكُّ الأرض، ومحارم تلفّ وتدور في الهواء الطلق، ولسان الحال: ( نحن هنا وسنظلّ). وسأحثّ الخلاّن ألاّ يفرقعوا لئلاّ يُصاب أحد مِنَ الثدييات الجرابيّة أو من الثدييات المشيمية أو أي عاشب أو لاحم أو ذي منقار أو ذي مخلب أو ذي حافر أو ذي إصبعين أو لبون أو حتى مِنَ الهوام بأذى، ففرَحٌ لا ترَح، ولا طلب لعريس يُردُّ’. وقال وقال وقال، وهي قالت له وقالت وقالت: ‘ليتَ الحدباء العرجاء الضبع تهتدي الآن إليك، وهل يُلام بعدُ مَنْ قال إنّه (مِنْ مساوئ الأدب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم ذوي مروءة)؟. أو هل يُلام من لا يركب الحمار استنكافاً وإن بلغت الرحلة الجهد؟. وهل يختلق مَنْ قال: (إنّ نوحاً لمّا دخل السفينة تمنّع الحمار بعسره، وكان إبليس قد أخذ بذنبه، وقال آخرون: (بل كان في جوفه) فلمّا قال نوح للحمار: (أدخلْ يا ملعون) ودخل الحمار، دخل إبليس معه، إذ كان في جوفه، فلما رآه نوح في السفينة قال: (يا ملعون مَنْ أدخلَك السفينة)؟ قال: (أنتَ أمرتني)! قال: (ومتى أمرتك)؟ قال: (حين قلتَ: أدخلْ يا ملعون، ولم يكن ثمَّ ملعون غيري)؟. وهل افتراء أنْ يُحكى أنّ جملاً وحماراً توحّشا فوجدا مرعى خالياً يرتعان فيه فقال الحمار يوماً: (إنّي أريد أن أغنّي) فقال الجمل: (اتّقِ الله فينا فإنّني أخشى أن يُنذر بنا فنُؤخذ). قال: (لا بدّ). ثمّ نهق، فسمعتْه قافلة مارّة، فأخذوهما، فأبى الحمار أن يمشي، فحُمِل على الجمل، فمرّوا بعقبة، فقالَ الجمل: (إنّي طُربتُ بغناك المتقدّم وأريد أن أرقصَ رقصة)، فقال الحمار: (اتّقِ الله إنّي أسقط فلا تفعل)، فرقص الجمل، فأسقط الحمار، فوقصه’؟. وهل أخطأ القائل إن الحمار مضروب به المثل في الجهل والغفلة وفي قلّةِ المعرفة وغلظ الطبيعة؟ وهل أجرمَ مَنْ قال: ‘الموت للحمير’؟ ومَنْ قال: ‘ويلك يا حمار مِنْ راعي الدار’؟ فما شأنك والإنسي واللفّ والدوران والترّهات والتقليد؟ فهل أنت قرد؟! يا غائب عدْ وارشدْ’. وقالت وقالت وقالت وهو شارد في براري أفكارِه فيما أتان ترفع ذيلَها وتخفضه وتدلق، وجرى نهر أصفر له أوّل وليس له آخر، واحتشدَ البعوضُ مِنْ كلِّ فجٍّ سحيق، وأخونا لا يريد أن يفهم، حتى ظهرَ على ساحةِ الأحداث جحش وحش كرّار غير فرّار يُدعى ‘جهشان’ يتكالب على القوت مع المواشي، شغوف بأكل جذور العشب فيستخرجه بالحافر، يضبط أعصابَه في أحلكِ الظروف، مفتول العضلات، يتمتّع بقوّة تحمّل وصبر لا نظير لهما، يصلح لحملِ الأثقال، غير ضيِّق الإبطين، ليّن الأعطاف، سريع العدو، يسبق براذين الخيل، جريء ولو على سيِّده، وهو المعني لمّا قالوا: ‘رجا بعضُ الجيران جحا أن يعيرَه حمارَه فاعتذر له بذهابه إلى الحقل، ثمّ نهقَ الحمار فعاتبه الجار قائلاً: ‘أليس هذا حمارك ينهق في الدار وأنتَ تزعم أنّه ذهبَ إلى الحقل’؟ وهذا ذاته سرعان ما هجم على أتان وهو يعدو على خمس سيقان، وليس إلاّ قفزة في الهواء، وغاب في عوالم تفضي إلى عوالم لا عدّ ولا حصر لها. وزقزق العصفور، وأُفرِغ ما في القدور، واختلطت أرواح بأرواح، ونهضَ مِنْ بين النيام نائم توعّدَ البرَّ بالزفير والشهيق والبعر بعد تسعة أشهر، وأُعذِر مَن أنذر. ووقعتْ في اليوم التالي عند بعض الماء عينُ الموتور بعينِ الواتر وقالَ له بالنهيقِ المنكَر: ‘بأي حقّ تغدر بي؟ أنا أخوك خَلقاً وخُلقاً، هل يفتك حمارٌ، يا حمار الحمير، بأخيه’؟.! وسمعَ الرعاة، وتندّروا في الأماسي والعشيّات، وعنهم نقلَ الصدى إلى شاعر نظّام قدّمَ وأخّرَ وقصَّ وألصقَ ورفأ وانطلق إلى ملحّن صنع صنيع شاعرنا بالتمام والكمال وانطلق إلى مُنتِج خبير بالبيع والشراء انطلق من فوره إلى مَنْ يعرف من المغنين والمغنيات والمؤدّين والمؤدّيات، واستعرضَ وفاوضَ وأرسى على غنّوجة مِنَ الغنّوجات فرعونيّة العينين تفّاحيّةِ الخدّين برديّةِ الأسنان عبليّةِ الزندين، وغنّتْ وتأوّهتْ وتشخلعتْ ولعبت الكاراتيه والجيدو والتاكواندو والملاكمة والمصارعة الرومانيّة والسامو وكرة المضرب وكرة القدم وكرة السلّة والبلياردو والتنس وعملت اليوغا والأيروبيك والحركات السويديّة، وأذهلتْ جماهير غفيرة غفورة، وأكثر ما أذهلتْ أباطرة وأكاسرة وخلفاء وملوكاً وحكّاماً ورؤساء وزعماء وقادة تكبّروا وتجبّروا، فصلموا الآذان وجدعوا الأنوف وقطعوا الألسن والأطراف من خلاف وسملوا العيون وأجهضوا الآمال وخرموا الآجال وأُمِهلوا ولكنْ لم يُهمَلوا قطّ. [email protected]’ شاعر من لبنان يقيم في استراليا