ينتقد عدد من المعلّقين أداء جانب من الإعلام العربي، سواء الاحترافي أو «البديل» في حرب غزة، بسبب عرضه صوراً شديدة الدموية، لجثث وأشلاء ممزقة، كثيراً ما تكون لأطفال. وهو نقد ليس جديداً، فقد عرفت تغطية الثورة السورية مثلاً، جدلاً شبيهاً، حين أكدت أقلية من الإعلاميين والمثقفين أن نشر صور القتلى والجرحى، وتفاصيل تعذيب وإذلال المعتقلين السياسيين، يتنافى مع خصوصية الضحايا وذويهم، ويُعتبر نوعاً من الاتجار بأجساد وكرامة بشر غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم وحقوقهم. فيما يتفق أنصار نشر ذلك النوع من المواد الإعلامية على أنه شديد الضرورة، لإظهار مدى وحشية العدو، وخلق تعاطف عالمي مع الضحايا، أما المعايير الإعلامية الكلاسيكية، وكذلك الحقوقية، فهي لا تنطبق على حالات استثنائية الوحشية، مثل ممارسات نظام الأسد أو دولة الاحتلال الإسرائيلي.
يزداد الأمر تعقيداً مع كثرة «الناشطين الإعلاميين» الذين لا يتبعون جهة يمكن محاسبتها، اللهم إلا الشركات المشرفة على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يحقق بعض أولئك الناشطين ملايين المشاهدات والمتابعين، من نشر مواد دموية، لدرجة قد تدفع للحديث عن «بورن الضحية» إلى جانب بورن الجنس والطعام والعنف، وغيرها من التصنيفات حول طوفان الصور في عصرنا. لكن هل هذه «الإباحية» مفيدة حقاً في فضح الجرائم ضد الإنسانية؟
الإجابة الكلاسيكية «لا» بالتأكيد، فالصور والتسجيلات والشهادات الصوتية والمكتوبة، يجب أن تُحفظ لدى جهات احترافية مسؤولة، مثل المؤسسات الحقوقية والقضائية ومنظمات حقوق الإنسان، ولا تُنشر للعموم، إلا في حالات خاصة جداً، ووفق معايير معيّنة، كي لا تُسهم في تصعيد الصراعات من جهة؛ ولمنع تمييع أو تحريف دلالتها، بوصفها أدلّة جنائية من جهة أخرى. أما «معركة الرأي العام» فيجب أن تُخاض بخطابات وحجج سياسية وفكرية، إلا أن هذا المنظور الكلاسيكي لم يعد مقنعاً لكثيرين، ممن يظنون أنهم يشهدون حوادث عنف ومظالم غير مسبوقة؛ أو أن التطور التقني أتاح لهم فرصة، لم تتوفّر لمن سبقهم، في فضح جرائم أعدائهم.
هذه القناعة تطرح سؤالاً مغايراً: هل يخالف التصوير المكثّف للضحايا، لخدمة قضية ما، عرفاً أو قواعد أخلاقية سائدة؟ الملحوظ، في الحالتين السورية والفلسطينية، أنه لا يثير كثيراً من الاستياء أو الرفض في أوساط «التيار الأساسي» في المجتمع، كما هو الحال في بقية صنوف «الإباحية». وقد تقود هذه الملاحظة إلى ما هو أبعد من ذم «عصر الصورة» ووسائل التواصل الاجتماعي، وانحدار الخطاب السياسي، وغيرها من مظاهر «الحداثة الرقمية» إذ يبدو أننا أمام فعل أيديولوجي له قواعد مضمرة، أكثر من كونه فعلاً متفلّتاً من «الأخلاق». فما أخلاقيات ذلك النوع من السلوك الإعلامي والسياسي؟
الضحية المحافظة
يمكن القول إن الإصرار على خصوصية أو حرمة الضحايا مبدأ محافظ في أساسه، ليس بالمدلول السلبي أو الرجعي، الذي يُلصق عادة بمفهوم «المحافظة» لكن من جهة تشديده على دور المؤسسات والأنظمة الاجتماعية القائمة، في إعادة تشفير أو ترميز كل الوقائع والممارسات التي تتم على أرض الواقع، وإكسابها المعنى المناسب لمنطق ومنظور تلك المؤسسات. لا ينفي التفكير المحافظ وجود الجرائم، والممارسات الهمجيّة، والانتهاكات البالغة للقوانين الوطنية والإنسانية؛ أو يَعِدُ بإلغائها نهائياً، لكنه يرى أن المؤسسات، المترسخة وفقاً لتقليد معين، هي الجهة الوحيدة ذات الشرعية في التعامل معها، ومحاولة تخفيف آثارها، ومنع تكرارها قدر الإمكان، ولهذا فعندما تنحدر الأمور، لدرجة تعرّض أطراف في المجتمع لاعتداءات جسيمة، يحب على «المتن الاجتماعي» أن يتحرّك، ليحافظ على ما تبقّى من كرامة الضحايا، حسب القيم والأعراف المقبولة والسائدة. ومن هنا يأتي التركيز على مبدأ الخصوصية، فتحوّل الإنسان إلى ضحية، يجب أن لا يعني انتزاع الضمانات الأخلاقية والسياسية عنه، وعرضه في حالة بيولوجية عارية (جسد مُدمى أو ممزّق) بل السعي إلى تحصين حضوره المعنوي والرمزي، بوصفه فرداً متمتعاً بالحقوق والكرامة، أياً كان ما حلّ به، وهذا يعاكس المنطق اللا اجتماعي للجريمة، التي تنزع تلك الضمانات، عبر الاعتداء المباشر على الجسد.
تتلازم صور الضحايا عادة مع صور المسلحين، فيما تبدو الحالات الأخرى، والتنويعات الاجتماعية المختلفة، ضعيفة الحضور إعلامياً. ويتحدث كثيرون عن أن الأطفال الضحايا وذويهم، سيصبحون مسلّحي الغد، إذ استمر الحال على ما هو عليه.
وفعلياً، يوافق معظم «التقدميين» في المجتمعات الغربية على هذا النمط من التفكير. فحتى لو اعتبروا النظام الاجتماعي القائم، ومؤسساته، المنتج أو المسبّب للحروب والعنف الاجتماعي والهمجيّة، فإنهم يثمّنون دور المعايير الاحترافية للمؤسسات الحقوقية في حماية خصوصية الضحايا، باعتبارها مستمدة من شريعة إنسانية كونية. بينما مشكلة المجتمع القائم، حسبهم، ليس تبني تلك الشريعة، وإنما ادعاؤه المنافق لذلك. إلا أن هذه الرؤيا المحافظة، التي يتقاسمها فعلياً المحافظون والتقدميون، تبدو «غربيّة» جداً، فبالنسبة لكثيرين من الناشطين، لا تتمتّع بلداننا بالحد الأدنى من المعايير الإنسانية، والمؤسسات المجتمعية الراسخة، لكي تحافظ على ترميز معيّن فيما يتعلّق بالضحايا، ولذلك فلابد من إشهار الأجساد المنتهكة في وجه «نفاق المجتمع الدولي». يعني هذا أولاً أننا في مجتمعات ممزقة تماماً، عاجزة فعلياً عن إنتاج معايير خاصة بها، وإنما «تستصرخ» الآخرين دائماً؛ وثانياً أن نشر صور القتلى والمصابين هو فعل تقدمي، من زاوية أنه يواجه نظاماً قائماً على القهر وازدواجية المعايير. هل الإعلاميون والناشطون العرب تقدميون لهذه الدرجة حقاً؟
البحث عن إجابة صعب جداً، فأياً كان التصنيف الممكن لهذه الممارسة، فهي تعني أن الجهد السياسي والإعلامي والحقوقي مُنصب دائماً على الخارج، الذي يجب أن يتحرّك ويضغط، بعد أن يدرك نفاقه؛ فيما لا يوجد أي سعي جدي، من الثوار والمقاومين والمتعاطفين، وجهاتهم المٌنظَّمة، لإنتاج بنى داخلية، ترمّم مجتمعاتهم، وتحافظ على الحد الأدنى من تنظيمها الحضاري ومعاييره، أو حتى تسعى لتقويتها لمواصلة مسيرة الكفاح، إنه تأقلم كامل مع الخراب الاجتماعي، واعتباره سلاحاً للقضية، فهذه الجثث الممزقة قد تُبعث بشكل آخر، إذا لم تلاق صدى لدى «العالم».
التهديد بالبعث
تتلازم صور الضحايا عادة مع صور المسلحين، فيما تبدو الحالات الأخرى، والتنويعات الاجتماعية المختلفة، ضعيفة الحضور إعلامياً. ويتحدث كثيرون عن أن الأطفال الضحايا وذويهم، سيصبحون مسلّحي الغد، إذ استمر الحال على ما هو عليه. أي أن المجتمعات الممزقة غير قادرة فعلياً على إنتاج ما هو أكثر من الميليشيات والتنظيمات المتطرفة، ومسؤولية ذلك لا تقع على عاتقها، بل على عاتق أعدائها، حتى لو كانت تمتلك قدرات تمويلية؛ ثقافة مترسخة؛ قيماً دينية وأخلاقية؛ علاقات دولية؛ تاريخاً من التحديث والأنظمة التعليمية. لا يبدو هذا «طبيعياً» أو بديهياً، للدرجة التي يدّعيها أنصار ذلك الطرح، إذا كانت الحروب والقمع دافعاً لردات فعل، قد تكون مدمرة، فمن المفترض أن تبذل النخب والجهات السياسية والمؤسساتية كل جهدها لمنع الانحدار نحو الميليشياوية، وذلك لمصلحة مجتمعاتها أولاً، وليس مجاملةً للعدو. فيما يبدو التهديد بانبعاث الأجساد الممزقة، على هيئة ميليشيات، استقالة من المسؤولية السياسية والأخلاقية؛ ونوعاً من الابتزاز، يصعب معرفة مَنْ المستهدف به بالتحديد. قد يكون هذا النمط، من «ناشطية التهديد بالضحايا» إن صح التعبير، حفاظاً على منظومة معينة من المفاهيم الأيديولوجية، أقرب للمنطق الميليشياوي، إذ لا يهتم أنصاره بإنتاج أو اقتراح مشاريع سياسية واجتماعية بديلة، بقدر الدفاع عن أوضاع، لا يمكن اعتبارها «ردات فعل» بقدر ما هي نتيجة نشاط تنظيمات مسلّحة حديثة، جيدة التنظيم والتمويل، وذات علاقات عابرة للدول. يضعنا هذا أمام نمط صادم حقاً من «المحافظة».
إباحية الميليشيات
يبدو سلوك الميليشيات المنتشرة في العالم العربي شديد الإشكالية، فهي من جهة تدّعي الحفاظ على قيم اجتماعية مترسّخة، مثل الدين والأمة والوطن؛ ومن جهة أخرى تقوم بممارسات ضد مجتمعاتها، مثل القتل الجماعي، توريط البشر في حروب إبادة، سرقة أرزاقهم وفرض الإتاوات، الاغتصاب، إلخ. وهي ممارسات غير مقبولة ضمن أي أخلاق اجتماعية، مهما كانت مغرقة في أبويتها. يمكن اعتبار هذا من عوارض انحدار تجربة التحديث في المنطقة، بفرعيها القومي والإسلامي، التي أدى اضمحلال دولها، ذات المغامرات التدميرية، إلى بروز تنظيمات شديدة «الإباحية» فالطريق من أنظمة صدام والأسد والخميني، ومعارضاتها؛ إلى الميليشيات المدعية للمقاومة، مباشر وشديد الوضوح.
بهذا المعنى فالمُهدِدون بصور الضحايا، ومن ثم انبعاثها على هيئة ميليشيات، قد لا يكونون إلا أنصار منظومة أيديولوجية وسياسية وعقائدية، ترفض تنوّع المواقع والمصالح والثقافات والمعتقدات في المجتمعات الإنسانية الواقعية، ما يدفعها لاستباحة البشر في «معسكرها» نفسه، لمصلحة أحلام عن «الأمة» أحادية التوجّه والمنظور. ربما لا يكون نشر صور الضحايا فعلاً اجتماعياً وسياسياً، يهدف لحماية البشر من انتهاكات الطغاة والمحتلين، بقدر ما هو تكريس لواقع شديد البشاعة: لا خيار في هذه «الأمة» سوى أن تكون جسداً ممزقاً، أو خاضعاً للمسلّحين.
كاتب سوري