عناية جابر
منذ زمن بعيد، لم أقع على وجه مُبهر. لا على التلفزيون ولا في الشارع أو في الحياة الواقعية. لا يجلب لي التلفزيون صورة أحد حقيقي بالمعنى الذي أُحدسهُ. كل الوجوه أمامي، خاوية نظراتها فارغة من المعنى. وجوه غير مُعبّرة، بلاستيكية لا أقرأ فيها أيّ بارقة أو حرف. بالأحرى، نادرة الصور ذات المعنى، ويلوح هذا ضبابياً، أمّا أغلب الهيئات فتشعرني بالإحباط. وجوه الأغنياء خاوية، ووجوه الفقراء حزينة، مع ذلك توقفّت في احدى المرّات التلفزيونية، حيال قسمات رجل عجوز إستطعت قراءة سعادته على الرغم من وجهه المجّعد، وتختبىء سعادته في تجاعيد الجبين وتحت العينين وفي ثنايا الرقبة.
سعادة الرجل تشّع من مكمن مجهول، ملتفّة الى الداخل لايعكسها الضوء. سعادة تتقلبّ، تكرّر ذاتها كلّما تكلّم او إبتسم. لم يكن فحوى حديثهُ طيّباً وسعيداً بالضرورة، لكن أمراً كان يُنير وجهه. أمر جذل يستبصر الأيام المقبلة ويُرخي على سامعه، رخاء ذلك الجذل وتلك الأيام. كانت مذيعة التلفزيون تسألهُ عن إنعكاس الثورة على مستقبل مصر، وكان فمهُ يغلي بالحب المتشنج كما لو يتطهّر من إنفعال مذنب.
استطعت قراءة المعنى البسيط والمجرّد والواضح لذلك الوجه الخرب، كأحسن بكثير مما أقرأ في وجوه وردود المثقفين والسياسيين. قلت ان المعنى هو العشق. عشق هذا لرجل لبلده، فهمه وإن بشكل عام، لماهية ونصاعة حدوث الثورة، وبائنة هذه ببساطة في وجهه الواضح المنير.
بقيت فترة طويلة أكتب عن وجهه بإنفعال منحته لي الشاشة الزرقاء، ووجه الرجل العجوز الذي يعتقد أن كل أشياء العالم بعد الثورة، سائرة الى مكانها الطبيعي تماماً. الثورة يعني ثورة، لا مؤامرات ولا أياد خارجية، حفنة ابطال صنعوها، وما من شك عنده، أو في جوابه في أنها تكون نواة لغد أفضل من دون كثير فذلكة أو تأتأة.
كتبت في وجه الرجل السعيد دون صعوبة، كما لو أستعيد موسيقى قديمة أحفظها، مألوفة وقريبة من القلب. أدركت إذ جلست الى الكتابة، أنني فكرّت قبل رؤيته، في ما أكتب في وجهه، وأنني خطّطت لهذه الكتابة من قبل أن أراه، وأنني كنت على يقين من الوقوع على مثل وجهه ويقينه، وأن من الجميل الآن ترك أناملي لتدّفق الكلمات والأفكار.
أكانت كتابتي من إنعكاس القسمات السعيدة للرجل العجوز؟ أم هي رغبتي في الإيمان تماماً بكل ما حصل وبما يحصل وبما سوف يستجّد، بعيداً عن الشعارات المشككة واليائسة. أتذكر كل ثنية في وجهه المغضن، أقرأها بحيوية كما لو أستشرف المستقبل واسمع صوته الشجي وأرى الى حلوله السعيد. حين نصغي للمستقبل، فإن ثمة ذلك الحزن المقيم ويتهاوى مثل هدوء سقوط ثلج. فجأة الجدران تلتوي وتسقط من السماء الى الأرض. وفي المكان الذي كانت تُشغلها الجدران نمضي جميعاً قُدماً الى الحقول السهلة الرخوة، وكل التهديد الذي كان ينّط في قفص الهواء من بلد الى آخر، يمضي مُبدّداً في الأرض الخضراء الملتئم جرحها.
أثناء الكتابة، سمعت نفسي أردّد: ان المرء ليملك فرصة حقيقية في وطن على مشتهاه، عادل وحرّ حيث كل ما نقوم به، بريئاً وبسيطاً وصادقاً. كل تلك الخيبات، وذلك الرعب الذي كان من الأذى بمكان، ينقشع أمام وجه واثق وسعيد ومطمئن. البلاد العربية المضنّاة هذه، وتعيش شعوبها بما يكاد يشبه خصاماً عائلياً، او خطوبة مفسوخة، تحتاج الى الإيمان بمثل وجه الرجل العجوز، تحتاج الى وجوه معكوسة إبتسامات أرواحها على قسماتها الخارجية. اللعبة المرعبة التي يمارسها الحكام العرب على ضحاياهم من الشعوب، باتت تُشغل بال الإنسانية، ويتردد صداها في العالم وتتكرر فيه، وقد وقفت عاطفته مستنفرة مثل شعر قطة. ثمة شيء مجهول جعل الرجل العجوز أقرب إليّ من حياتي الخاصة التي أعيشها، من أهلي وصحبي، فأمسكت بوجهه في رأسي مثل قصيدة باهرة. قصيدة جمّلها كل ما فيها فتجّلت دلالاتها الفاتنة في قلبي المُتعب. ثمة عاطفة ندت في عينيه، كما لو ان يداً رحيمة إمتّدت تُرّبتُ مترّفقة بصدري، تقتلع الهّم المقيم.
مستعيدة الآن ملامحه، ليس رغبة بالإمتلاك، إنما إنكشاف ذات رقيق للعالم، يستغني من أجله المرء طواعية عن الشك والسوداوية. كنت قد مرّنت نظرتي على الوجوه المُرتابة فأبأستني، حتى أتى وجهه بخفة الفرح ليقودني إليه. ظلت إبتسامته التي لاتكاد تُلحظ في ذاكرتي، مسرى طويلاً غير عادي. إبتسامة تُشعرك بأن الثورة هي الأمر الصحيح الوحيد، مع مؤاخذات الآن، تضطرب عميقاً في داخلي.
هل دليل الثورة الناجحة إبتسامة بالكاد؟ ظللت أترّقب هطول وجهه على الشاشة كما يفعل الصيّاد في تعقّب طريدة. بين برنامج وآخر كانت تهطل إبتسامة الرجل المتغضنة فأمتّصها داخل رئتيّ كما لو مستغرقة في مشهد طبيعي فاتن.
تبدأ تهطل بأمواجها الصامتة، حتى تبلغ قلبي فأتنّفس عميقاً. إبتسامة غير موناليزية، واضحة، طافحة بالأفكار، سوى أن ما من شيء فيها كان يحسم الجدل، مجرّد حلم، ويقينيات صغيرة تنتشر في دوائر تتسع بإضطراد، كشعاع بلا نهاية يسقط في حوض ماء، يُذهّبها.