إن كل شيء هنا آخر الامر (وفي بدايته ايضا في الحقيقة) يدور على المال. المال، المال، المال. . فلا شيء يُنبه الاسرائيليين من عدم اكتراثهم سوى مالهم. ولا يكاد يعنيهم شيء سوى غناهم (أو فقرهم). إن برامج التلفاز في ليل السبت كانت تشبه برامج حرب، فقد كان هناك يئير لبيد في جميع القنوات في نفس الوقت، يضربه مُجرو اللقاءات معه كما لا يضربون أحدا في أي موضوع آخر. والاحتجاج يستيقظ، وأصبحت البلاد في غليان: لأن وزير المالية يريد أن يضرب الاسرائيليين في جيوبهم، وتعلمون أنه لا يوجد ما هو أشد إيلاما لهم من ذلك. إنها بضع مئات من الشواقل في الشهر أو في السنة وربما بضعة آلاف، وهذا ثمن باهظ لكثيرين لا ينبغي أن نستخف به، لكن كون المال وحده هو الباعث على عمل عام يثير أفكارا قاسية. أنصتوا للخطاب الاسرائيلي: إنه محصور في المال. فكل حديث عادي يبلغ اليه. هل عدتم من خارج البلاد؟ كم كلفكم ذلك. هل يدرس إبنكم في الجامعة؟ كم يدفع. هل تناولتم الطعام في مطعم؟ كم أبقيتم. بل إن سعر الكتاب الذي اشتريتموه اذا اشتريتموه يتحدث. فلا يوجد شيء أشد إفراحا للاسرائيلي من صفقة جيدة، ولا يوجد شيء أكثر إرضاءً من تعاقد مجد. المال كل شيء. وتختفي وراءه كل المشكلات الاخرى التي هي أشد كثيرا لكن ستار الدخان والمال يغطي عليها. وقد وقع وزير المالية الجديد على هؤلاء الاسرائيليين مثل ثمرة ناضجة: فهو ما يحتاجون اليه بالضبط للاستمرار في الظلم وفي العمى. وأصبحت تهاجمه فجأة وسائل اعلام عضود لاذعة، وتطغى في مواجهته فقط عاصفة الفيس بوك والمظاهرات. إن مجتمعات اخرى ايضا تنتبه للعمل بسبب ازمات اقتصادية. لكنهم يشغلون أنفسهم في بعضها على الأقل بشؤون اخرى، وتختبئ في ساحاتها الخلفية مظالم أقل لا يتحدثون عنها. خُذوا على سبيل المثال جنوب افريقيا الذي يئن تحت صعاب وفروق اقتصادية أكبر كثيرا مما في اسرائيل، لكن الخطاب العام العاصف الجاري فيها يتناول مشكلات اخرى ايضا كالتربية والجريمة والعنف والايدز. فمن يتحدث هنا عن التربية؟ وعن الأجيال الجاهلة التي تنشأ هنا أمام أعيننا وتُعرض مستقبل الدولة لخطر أكبر كثيرا من كل قنبلة. ويوجد آلاف المهاجرين الأفارقة يمكثون منذ سنين في محابس بلا محاكمة ـ فهل يقلق هذا أحدا؟ وإن تشريعا مضادا للديمقراطية يجوز هنا بغير نقاش عام تقريبا، وأخذ التصدير يعتمد على تجارة السلاح، والجامعة العربية تعرض سلاما، والمستوطنات ما زالت تنشأ على اراض خاصة مسلوبة، ويشقون شوارع تمنع تقسيم القدس، ويقصفون في كل مرة لا يُرضينا فيها شخص ما، وما زال زمبيش يُدبر حيلة عقارية برعاية الدولة ولا يثير كل ذلك سوى تثاؤب كبير. بل إن النقاش العاصف في المال الذي يبعث الاسرائيليين أحياءً مع كل ذلك، مُحرف ومعوج. إنهم يكرهون المال القليل للحريديين واللجان ولا ينبسون بكلمة واحدة عن المال الكثير للمستوطنات وميزانية الدفاع. ويتحدثون عن المساواة في عبء الخدمة ولا يذكرون القوة العاملة لـ 20 في المائة من أبناء البلاد العرب الذين يشتهون المشاركة في دوائر النمو والانتاج لكنهم يُقصون عن ذلك. وهم يستوردون عشرات آلاف العمال الاجانب ويغلقون أبواب العمل أمام الرعايا الفلسطينيين وراء الجدار، وهم قوة عاملة أقرب وأكثر عدلا، قد تخدم أيضا مصالح سياسية. أين المال. إن التباحث حتى فيه كاذب. إن المال الكثير يأتي مع السلام والاندماج في المنطقة. فاسبارطة هذه لن تصمد حتى لو أصبح يئير لبيد رجل السنة من جهة المساواة والعدل الاجتماعي. ستنمو دولة اسرائيل حقا اذا أُدمج مواطنوها جميعا فقط في اقتصادها وتاجر كل جيرانها معها وستزهر فقط اذا عاد جيشها والتهديدات التي يجب عليه ان ينشئها طول الوقت لتسويغ حجمه الغولي وتسلحه المجنون الى الحجم المنطقي. إن اقتراح موازنة لبيد يثير الغضب حقا. وميله القديم السيئ الى الهرب من المواجهات وعدم شجاعته يستحقان الانتقاد حقا. لكن ما الذي نتحدث فيه آخر الامر؟.