إبداعات الشباب وحمّى التسويق

حجم الخط
0

يعتبر التسويق لمادة أدبية من السهل الممتنع؛ إذا لم يكن كاتبها من الكتّاب الأفذاذ الممتلكين لشهرة واسعة تشعّ وتبهر ناظريها، وهو مرهونٌ أيضاً بالباع العظيم لدور النشر، وبالإنتاج الكمي المتسق مع الربح أولاً وأخيراً. إنّ المصفوفات الربحية والتسويقية، ليست وليدة ما يمرّ به العالم اليوم من ركودٍ اقتصادي، وتاليه ركودٌ ثقافيّ، بل إنّ دورها تليدٌ، وعلى هذا يحقّ لنا أن نسأل: ألم تكن تلك الدور مع كتّابها فطاماً في زمنٍ ما قبل تألقهم وإشعاعات شهرتهم؟ أليست العلاقة بين دور النشر والكتّاب المشهورين علاقة تبادليّة؛ بمعنى أنّ الدارالمشهورة تشهرالكتّاب والعكس صحيح؟ من مسربٍ آخرَ يمكننا القول إنّ مشاريع وورشاتٍ للكتابة الإبداعية عاضدت الكتّاب الشباب؛ لإيصال ونشر إبداعاتهم، مخلّفةً وراءها سلطة بعض دور النشر التي تهيمن مرغيةً مزبدةً على عملية التسويق.
من هذه المشاريع ما يقدّمه الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) من مِنَحٍ للكتّاب الشباب الفائزين؛ ضمن برنامج «آفاق لكتابة الرواية»، وفي هذا السّياق سنسلّط الضوء على عملين فائزين بمنحة الكتابة وهما: رواية «تذكرتان إلى صفّوريّة» للكاتب سليم البيك عام (2017)، ورواية «خرائط يونس» للكاتب محمود حسني عام (2018).
بدايةً مع «تذكرتان إلى صفّوريّة»هي عملٌ أدبيّ امتلك إبداعاً ذا تأثيرٍعظيمٍ؛ في جعله القارئ يحسّ بأنّه على اتصالٍ مباشرٍ بالحياة التي يمثّلها؛ فقد قدّم لحياة اللاجئ (الفلسطينيّ- السوريّ) كما هي عليه في الواقع، بدون أن يُطلق حُكم قيمةٍ. هي سيرةٌ ذاتيةٌ وُثّقتْ أزمنتها برحلة اللجوء المتوارث في عائلة الكاتب، الذي كان مختبئاً وراء الشخصية؛ أثناء سرده لتفاصيل أزمنةِ وأمكنةِ الاغتراب القسريّ المتعدد؛ منذ تهجير العائلة الأول من فلسطين عام 1948، والإقامة في مخيمات اللجوء في سوريا لجدّه وأعمامه، ثمّ التهجير الثاني إلى الإمارات، من أجل العمل من قِبَلِ والده، أعقبه ذلك بعدّة سنواتٍ التهجير من مخيّم اليرموك بعد أحداث 2011 في سوريا، ثمّ رحلة لجوئه إلى أوروبا. كلّ تلك التفاصيل مثّلت اغتراب الزمان والمكان الذي خرج عن ماهية كلّ الأشياء فيه، فمركزية الرواية كانت في فعل الكتابة، الذي يوازي حياةً لم يخترْها، ورغبة حاول من خلالها تحقيق الجوهر الذي ناشد إبرازه، والذي كان متناثراً في الجوّ العام للرواية، وهو التركيز على الهوية الفلسطينية. كان يقول عن نفسه:
« السوريّ الشرق – أوسطيّ اللاجئ المشحّر، سيبقى الغريب الأزليّ في هذه البلاد».
إنّ مرارة الاغتراب المتوارث عبر الأجيال الفلسطينية استحال علامةً فارقةً لحياتهم في المنافي المتباعدة، وتكنيكاً بارزاً للدلالة على الجوانب الذهنية للكتّاب أولاً، وشخصيّاتهم ثانياً؛ لذلك نرى الكاتب قد قام بتصوير الحالات الداخليّة لشخصية «يوسف» لأنّه كان يهدف إلى الكشف عن الكيان النفسي له بمراحل السيرة التي قدمها بانبثاقٍ لقوى داخليّةٍ (الرادع) ترفض التسليم لرغبة الكاتب في الذهاب إلى فلسطين، ولهفته للسير على أرض أجداده التي سمع عنها، ورآها في محرك غوغل، وتضعه أمام ثقلٍ أخلاقي محوره الأساس الاتساق والتطبيع مع العدو الصهيوني، فالتذكرتان إلى صفّوريّة يعني دخول «إسرائيل (الكيان الصهيوني)، يعني مطار بن غوريون»، بجوازٍ فرنسيّ وليس فلسطينيا، فهو أمام مجابهةٍ لأحلامٍ طالما عاش لتحقيقها، وهي العودة إلى فلسطين، وبين دخوله أرضها فرنسياً، وليس فلسطينياً؛ معترفاً بالكيان الإسرائيلي؛ هذه المجابهة شكّلت لدى الكاتب أدب العودة إلى الماضي وذكرياته؛ من خلال سيرته الذاتية، بهدف استئناف الماضي، وتحقيق المطامح التي ابتغاها من كتابته للرواية، وهي التمسك بالهوية ورفض التطبيع، فكل ما سُرد كان مختبئاً في تلك الحجرة المظلمة التي تجسدت فيها عواطفه، والتي ضمت الفضاء النفسي لصراعاته.

ألم تكن تلك الدور مع كتّابها فطاماً في زمنٍ ما قبل تألقهم وإشعاعات شهرتهم؟ أليست العلاقة بين دور النشر والكتّاب المشهورين علاقة تبادليّة؛ بمعنى أنّ الدارالمشهورة تشهرالكتّاب والعكس صحيح؟

داخل هذه الغرفة المظلمة كانت عتمة أضواء السينما التي أحبها؛ تتناثر هنا وهناك في جسد الرواية، فقد ذكر عناوين لأفلامٍ ومخرجينَ، أثناء سرده الذاتي متماهياً و»يوسف»، وهو تكنيكٌ مفتعلٌ لبثّ الروح في حركة السرد التي توقفت في مكانٍ ما، وبغض النظرعن التراكيب والمفردات التي ظهرت في الرواية هنا وهناك، غير المألوفة، فقد حضرت لغة الكاتب سهلةً، تراعي الفصحى العامية بسردٍ سَلِسٍ بسيطٍ يتماشى مع لغة السيرة الذاتية، التي تناسب التمايزات والمستويات المختلفة في كلّ مراحل رحلته؛ بزمنٍ روائي متداخلٍ ومتقطّعٍ، تبعاً لكلّ مرحلةٍ عبّرت عنها ذاتُ كاتبٍ تمتلك ذراتِ أملٍ في العودة.
أمّا الرواية الثانيّة التي فازت بمنحة آفاق «خرائط يونس» للكاتب والمترجم محمود حسني، التي لعب الوعي فيها الدور الأساس بجعل الكاتب نصّه الروائيّ يعتمد على الجوانب الذهنيّة للشخصيّة، مازجاً الرمز والحلم، وهذا ما أتاح له قراءة الواقع قراءةً جديدةً، أفضت إلى الوعي الدلالي للرواية، فقد أظهر أنّ عالمه بحاجةٍ لكشفٍ متجدّدٍ، وهذا الكشف فرض أشكالاً جديدة للعبة السرد؛ حيث تعمّد الرحيل إلى ما وراء السرد متّجهاً نحو واقعٍ كريهٍ، عبّر عنه بالثنائيات المتناقضة التي أضفت على الجو العام للرواية طابعاً تخييلياً، استقام من خلال الموروث الثقافي الأسطوري؛ إذ قدّم نموذجاً حداثياً رمزياً مشخصاً (الحوت )؛ من خلال (يونس) المنقسم والمنشطر بين الحوت، الذي بداخله والوجود الذي أُحيل فيه؛ بإظهاره حركة التناقضات من خلال الإيحاءات التي تمثّلت في المكان المتخيّل (الجزيرة)، والحلم الذي يرافقه من بداية الرواية حتى نهايتها. إنّ منظوراً معرفياً امتلكه الكاتب مكّنه من إظهار التناقض بين الثنائيات (المدينة- الجزيرة) (العقل-العاطفة) يونس (القديم- الجديد) جزيرة (فارغة- ممتلئة)، فهناك شرخٌ بين ما يُسرد في الرواية، وما يخفيه الكاتب؛ لذلك يمكننا القول إننا أمام اشتباك نسيجين روائيين متداخلين، قسّما الزمن الروائي؛ وجود يونس والحوت بشكلٍ متوازٍ من بداية الرواية في الجزيرة من جهة، ووجود عُلا حبيبته والقطة في المدينة من جهةٍ أخرى؛ هذا التداخل ظهر في حلم يونس بالحوت وحلم علا بالقطة العمياء، فعندما أراد أن يُنقذ حلمه تداخل مع حلم علا، وهنا اتّضح الوعي في الرواية؛ في استفهام الكاتب عما أُحيل إليه، أيحْلمُ هو أم أنّ واقعه يتقاطع مع حلمه، ومع حلم علا؟ في الحقيقة كان أمام نفسه في حلمه؛ حلمه كان الحوت الأعمى بأنينه، الذي رافقه إلى النهاية لذلك كانت شخصيّة يونس ذاتيّةً غير متآلفةٍ مع رموز المكان (الجزيرة)، إلاّ مع الحوت الذي رافقه من أول الرواية، وقد سعى الكاتب جاهداً لتكريس ذلك، من خلال فقدان اللغة بين سكان الجزيرة، وبالتالي فقدان تواصل يونس معهم؛ لأنهم لا يمثلون سياقاتٍ اجتماعيةً من وجهة نظره، ولا حتى ثقافيةً؛ هو نوعٌ من الرفض والوعي في آنٍ معاً، أسقطه الكاتب على يونس المُبحر صوب الخليج منقذاً حلمه وحلم علا.
« بدأ يجرّ القارب ليخرجه من المياه الضّحلة على شاطئ البحر. انتبه لقطة صغيرةٍ لونها مدّرجٌ بين الأبيض والبرتقالي، كانت صغيرةً للغاية مُبلّلةً. كانت القطة عمياء. كان محجرا عينيها فارغين. سرت قشعريرةٌ في جسده، عاد إليه مشهد الحوت أغمض عينيه للحظةٍ، وحين فتحهما كانت القطة أمامه، حملها ووضعها في القارب، ثمّ أخذ يشدّه ناحية مياه الخليج».
إنّ تطعيم الرواية بمقطوعات موسيقيةٍ ولوحاتٍ فنّيةٍ؛ هو نوعٌ من المباشرة الهادفة إلى جذب القارئ والتأثير فيه؛ لإظهار النصّ الروائيّ التخييليّ وجودياً مادياً بأبعاده البصرية والسمعية؛ حيث قدّم الموسيقى والرموز والحلم باعتبارها بدائلَ لأفكاره الذهنية، فوعي الخوف عند شخصية يونس أُفصح عنه في أشكال تلك البدائل، بما تحمله من الإقناع والتأثير؛ لأنّها تنبع مباشرةً من مرحلةِ فكرٍ سابقٍ على نشاط الوعي، لِنفْسِ روائيٍّ يحملُ هويّة روحٍ لا تعرف السكون.
ثمّة ضرورةٌ للإمساك بالرابط بين حمّى التسويق والعُجالة النقدية للروايتين الآنفتين. ظاهرياً لا يوجد رابطٌ، ولكنّ خيطاً تقنيّاً يفرض نفسه قويّاً؛ كرابطٍ جماليّ، فلولا الفوز بالمنح لما نُشرت الروايتان في دار نشرٍ مشهورةٍ؛ باعتبار أنّهما تملكان من الجماليّة الفنيّة الأدبيّة ما خوّلهما للفوز، وهنا حمّى التّسويق قد أصابها الحياء أمام كتّابٍ شبابٍ فرضوا إبداعاتهم.

٭ كاتبة سورية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية