يجدد إبراهيم الحسيني الكاتب المسرحي المصري، بعضاً من المبادئ التي تفسر علاقة الفرد بمحيطه، كما يبدو في نصوصه الأربعة التي ضمّنها كتابه «المكحلة واليشمك ومسرحيات أخرى» الصادر مؤخّراً في طبعة أولى 2023 عن الهيئة العربية للمسرح في إمارة الشارقة، دولة الإمارات العربية المتحدة، كما سيلي المقال في هذا المقام. ففي «مذكرات سنوحي المصري» يغادر «سنوحي» الطبيب مصر طريدا، خائفاً من القتل، بسبب وفاة ملكها «أمنمحات الأول»، وبعدما آل العرش إلى ولده الثاني «سنوسرت» الذي تآمر على أخيه الأكبر «آني» وزجّه في السجن بتحريض من الكاهن «بليادس»، لاجئاً إلى مملكة «رتينيو» المجاورة التي أنقذ أهلها من وباء قاتل، عطفاً على علاج ملكها من مرض خبيث أصابه، ما دفع الفتاة الجميلة «صوفيا» إلى الزواج منه، فيما لم يترك «جيكاس» ابن عمها الذي يحبها مناسبة إلا وتآمر بها على سنوحي للتخلص منه، حتى قضى عليه الأخير في مبارزة شريفة أمام الجميع. عاش سنوحي بقية حياته حالماً بالعودة إلى وطنه وقد تقدم به السن، حتى اضطر للفرار رافضاً طلب ملك «رتينيو» بأن يكون طبيباً في جيشه الذي ينوي غزو مصر به، ليموت في بلاده ويدفن فيها كما تمنى.
النص الثاني «ظلّ الحكايات» يتناول انغماس «منصور» في كوابيس متتالية شكّل كل منها محضر اتّهام بجريمة لم يقترفها، بحق أشخاص لا يعرفهم في أرض غريبة؛ فهو لم يقتل «سالم» الميّت منذ عشر سنوات، ولم يغتصب الفتاة «سلمى» ليلة زفافها من «همام»، بل فوجئ بها إلى جانبه تغريه صباح زفافها، ولم يرشُ القزم، بل الأخير ابتزه وهدده بالسلاح كي يرتشي، وهو اقتلع عين امرأة دفاعاً عن نفسه، لأنها حاولت قتله باقتلاع عينيه، كما لم يسرق طعام العجوز الأعمى، بل لبّى دعوته إلى مشاركته مائدته، لكنّ كل ذلك لم يمنع انعقاد محاكمته إلى أن يفرّ بنفسه ليلتقي بالدرويش الذي يرشده إلى الخلاص من كوابيسه بأنْ يعرف حقيقة نفسه. أما مسرحية «المكحلة واليشمك» (اليشمك كلمة تركية تعني الحجاب من قطعتين، أو النقاب الشفاف) فتحكي معاناة «ريناد» من علاقتها المتأزمة مع حماتها «زاهية»، التي تعيش معها في شقّة واحدة، ولا تنفك تنصب لها المكائد، وتنسج الاتهامات والإشاعات للتخلص منها، منذ اختارها ولدها «هاشم» المغترب في الخارج زوجةً له، خارجاً عن إرادتها، فتارةً تتهمها بتبذير أمواله، وأخرى بأنها لا تحبه، وطوراً بمحاولة قتلها، حتى ضبطت الكنّة حماتها صدفةً في غرفة واحدة مع «كامل» صديق العائلة، موثّقةً ما رأته بتقنية التصوير (الفيديو) من هاتفها النقّال. تعيش «زاهية» صدمة نفسية حادّة وتمزقاً داخلياً بعدما ضبطتها «ريناد» المرأة الشريفة بوضع الرذيلة، ما دفعها للانتحار في عيد ميلادها.
وفي المسرحية الرابعة «العطش» نرى تآمر العمدة «سعفان الكبير» مع «الغريب» على أهل قريته ليتنازلوا عن أراضيهم بالترغيب تارةً، وبالترهيب أخرى بعدما ظهر فيها البترول، فيتصدى لهم «الشيخ» معلّم الأطفال، وولده «صلاح» الذي نجح مع ابن عمه «زاهر» في تجاربهما العلمية، التي أتاحت تعديل جينات القمح أو الشعير ليسهل ريُّها بماء البحر المالح فلا تموت بعدما قلّ الماء بسبب جفاف الأنهار وشحّ المطر، إلى اكتشاف دواء لمرض السرطان، ومصادر للطاقة بديلة عن البترول. تتصاعد الأمور تأزماً، فتعطش القرية، ويقتتل أهلها لأجل شربة ماء من لدن الكبير والغريب، بدلاً من التخلص منهما، وهما لا يمنحان الماء إلا لمن يطيعهما ويتنازل عن أرضه، حتى استسلم الجميع، عدا الشيخ الذي بقي متمسكاً بمبادئه، رافضاً نهب ثروات القرية واستعباد أهلها، حتى كان مصيره القتل، فيما سار ولده «صلاح» وابن عمه زاهر على طريقه رافضَين تسليم اختراعاتهما للغريب، ليبقى الصراع مفتوحاً على الأمل الكبير بالأطفال تلامذة «الشيخ» وهم يرددون الألفبائية، عسى أن يكونوا ذخراً لمستقبل أفضل.
يتجاوز الحسيني إلى مقاربة فهم القارئ بيُسر، عبر ثيماتٍ متحفّزة ومُحفزّة إنسانيا، مجرَّدة بدهية في ثبت دقيق من رسائل خاصة وعامة تصلح لكلّ زمان ومكان، وتبدي عن رؤية فنية يبدو فيها كاتباً حداثياً، إنما من نسلٍ كلاسيكي، تقرّ بأنّ الواقع أقسى مما نتصور، وأنّ فانتازيا غيرية مأمولة لعالمٍ آخر أكثر إشراقاً وعدلاً وتطورا، أمر لا يزال بعيد المنال، ما ظهر في النهايات المفتوحة وغير السعيدة للنصوص، باستثناء «مذكرات سنوحي» التي تجلّت فيها الوطنية الأخّاذة في شخصية بطلها المحبّ لمصر رافضاً خيانتها والتآمر عليها، حتى تحقّق له ما أراد، بعكس شخصية «الشيخ» (مسرحية عطش) الذي وإن تماهى مع «سنوحي» في حبّ الوطن/ القرية ومقاومة «الغريب»، إلا أنه لم يتصل بنهاية سعيدة تحرّر أهل قريته من قسوة هذا المستعمِر الجديد، رغم ما سبّبه لهم من جوع وعطش وموت وهو ينهب ثرواتهم.
هنا، يُحسب للحسيني أنه أفلت من فخّ التعميم، واضعاً شخصية رجل الدين في نصابها الصحيح؛ فكما أنصف «الشيخ» السويّ المستنير في قيادة المجتمع، فإنه لم يتأخرعن إدانة الكاهن «بليادس» (مذكرات سنوحي) وهو يمارس الثيوقراطية الحادة على العامّة مستغلا جهلهم وإيمانهم به، يكلّمُ كبير الآلهة ويحدثهم باسمه. ولم تنفصل «ظل الحكايات» عن هذا السياق، فقالت بحتمية معاناة الإنسان في وجوده وهو يعيش الوهم لا الحقيقة، بعدما وقع في فخّ طيبته وانخداعه بالآخرين، الذين بدأوه بالأذى لأسباب يجهلها، عارياً من كرامته في تحدي العيش مع ما يُفترض أنه أخوه الإنسان، وحتى إشعار آخر، غير بعيد من وضعية «ريناد» وحماتها «زاهية» في «المكحلة واليشمك»، التي تجاوزت التقليد المتداول لعلاقة الكنّة بالحماة، إلى جدلية الأبولوني بمعناه المعتدل المتصالح مع ذاته والرائي إلى حدوده الخلقية في التعامل مع الآخر في شخصية الأولى، بمواجهة الديونيزي، الذي يريد لذّة الحياة وزهوتها ولو آذى الآخرين في شخصية الثانية، «زاهية» التي قررت الانتحار، إذ كيف لها أن تتصور انكشافها لاحقاً لحفيديها، ثم ولدها «هاشم» وقد اقترفت الرذيلة مع صديقه؟ إنها تمظهرات القسوة التي حكمت مفاهيم التعامل بين الشخصيات، وكانت الخيط الناظم للحكاية والحبكة معا، بعيداً عن المثالية المُبالغ فيها، وانعكاساً للواقع على نحو منضبط ومعقول، ما أكد ممكنات التحول بالنص المسرحي إلى أداة إرشادية تعبّر عما يجب أن يكون عليه المجتمع.
ناقد وباحث مسرحي لبناني