شاعر عريق وبلبل غرّيد ارتبط اسمه ببلده «البحرين» وارتبط اسم بلده به، فكلما مال القلب إلى نبضة شعرية أو سبحة تأملية، أسرع إلى الخاطر شعر العريض، وكلما ذكر البلد في مجلس، ذكر العريض فكان لذكره بهاء الزهر وأريجه، وقبل قال مارون عبود «ما عرفنا البحرين إلا حين عرفنا إبراهيم العريض» بل لم يقتصر أثره على بلده، وإنما صار آية إبداع وسمة تجديد في الخليج بأسره، فعده النقاد رائد الرومانسية في الخليج.
الخليج الذي ما كان ينظر إليه ويحتفى به، فكأنه جسّد فعليا معنى المثل العربي القديم «أظمأ من رمل» فانقلب في القرن العشرين رياضا وحياضا يلفت النظر، ويستهوي القلب بهذه الأسماء التي افتكت للخليج موقعا مميزا على الخريطة الشعرية. بل صار ينثر دواوين من الشعر توصف بالجودة المضمونية والأسلوبية معا، ولا تكرر التجارب الشعرية السابقة، بل يفهم الشعر على أنه توتر فكري وقلق وجودي وتلبّس بحالة شعورية فريدة، ومحاولة لفض حجب الغيب وطلاسم الحياة، الشعر صنو الحياة وتجربة فريدة والاستحمام في النهر لن يكون أكثر من مرة واحدة، وليس الشعر ظاهرة بيانية فقط، بل هو خميرة الحياة وخبزها وطينة الوجود معجونة بماء الفكر والتأمل، يقول سعود البابطين عن تجربة العريض الشعرية بمناسبة تكريمه من قبل المؤسسة قبل رحيله بقليل عام 2002 (وبهذا الانفتاح الذي عرفه إبراهيم على الآخر الثقافي لم يكرر المشهد الشعري في البحرين، بل حاول أن يتجاوزه ويؤسس لمستوى جديد وتحرير الشعر من رواسب الخطاب الشعري، يخرج بالشعر من عباءة التراث والنسج على منواله، أي من كونه حالة لغوية بيانية ويدخل إلى النفس البشرية بكل أغوارها وأحلامها وصبواتها).
غربة الوطن
إبراهيم العريض المولود في بومباي في الهند عام 1908 ذاق مرارة اليتم إثر وفاة أمه على النفاس، وهي من أصول عراقية فتعهدته مربية هندية، فقد كان والده يشتغل بتجارة اللؤلؤ، واستقر في الهند فجمع إبراهيم في نفسه أحاسيس الغربة، غربة الحضن وغربة الوطن، ولكن الهند في الوقت ذاته طعّمت روحه بروحانيتها وثقافتها وجمالياتها الحضارية، فمن رأى الهند لا يستطيع إلا أن يقع في أسرها. ولم يعد إلى البحرين إلا عام 1927 وفي جعبته ميل فطري إلى الجمال وتذوقه في الكائنات وفي الطبيعة وفي الخلق الفني، وقد بدأ حياته الإبداعية رساما ومصورا، ثم أدرك أن فن الرسم لا يفي برغبته في التعمق، فاتجه إلى الكلمة – وفي البدء كانت الكلمة – تعضده ثقافة إنسانية عالمية، وقد تشرب من قراءاته في الثقافة الغربية خاصة الإنكليزية، وكان يتقن اللغة كأحد أبنائها، وانجذب إلى شكسبير وشيلي وبايرون ووالت وايتمان وإليوت وتوماس مور، ثم الأردية والفارسية، وقد فتحتا عقله على ثقافة الهند ثم فارس، ولكن عربيته كانت بدائية حين قدم إلى وطنه، فاحتاج إلى أن يتعلمها وفقا للأصول، فأحضر معلما حتى صار في وقت قياسي من روادها ومالكي ناصيتها، وأتاح له ذلك أن يتبحر في الأدب القديم، خاصة دواوين امرئ القيس والنابغة والمتنبي وأبي فراس وغيرهم، وأمهات كتب التراث الأدبي.
حين عاد من الهند، والهند كانت بلدا متطورا علميا وحضاريا، بالقياس إلى الخليج عموما، فلم يكن الخليج في بداية القرن وثلثه الأول غير مجتمع يستكين إلى راحة التقليد، وادعاءات العرف وهيمنة الأمية، خاصة على المرأة الخليجية ويتأبى على اقتحام عقبة التنوير وخوض صراعات وجدليات التقييد والانعتاق. هذا هو الخليج الذي كان عليه أن يواجه تحديات التعليم والتطوير، وربح رهان المعاصرة ونشدان النهضة الاجتماعية، وفي مركزيتها تغيير وضع المرأة ثم بلوغ النماء الحضاري علميا واقتصاديا وثقافيا. لأجل ذلك فتح العريض أول مدرسة للتعليم، وأشرف عليها وناضل من أجل تعليم الفتاة، فقد كان من كبار المحامين عن حقوقها، وأول حقوقها التعلم وحقها في تقرير مصيرها في إطار القيم الإسلامية، ولم يكن أبدا يستريح إلى النظرة الشبقية والروح الدونجوانية التي كان يتفاخر بها شعريا نزار قباني، على الرغم من إعجابه به – ويصرح بغلمته وشبقه، بل يشجع الفتاة على الحرية الجنسية، إنما المرأة شريك وكائن يتعدى وظيفة الإمتاع والخدمة والإنجاب، إلى روح مستقلة تتناغم مع الذكر ولا تطابقه، فهما أصل الحياة ولا شك في أن للثقافة الإسلامية والهندية أثراً في هذا الفهم الذي يوسم بالعميق والإنساني، وهذه الثورة التي حملها في ضلوعه وفي فكره على ضرورة تجاوز آثار الماضي وظلمات القرون وسجون التاريخ إلى فضاء الحرية والإنسانية. وقد أمدته الحياة بسيل من التجارب المهنية، فقد عمل في شركة نفط، ثم في الإذاعة ثم تقلد منصبا في وزارة الخارجية، وصار رئيسا للمجلس الدستوري في السبعينيات، وعرفت البحرين شعبا وحكومة فضل الرجل، فقلدته أرفع الأوسمة عرفانا بجهاده وفضله في التنوير ومعركة النهضة وأسبقيته الإبداعية، وإضافته إلى حقول الإبداع الشعري ليس في البحرين وحدها ولا في الخليج فقط، بل في العالم العربي.
يصنف العريض شعريا ضمن الكوكبة الرومانسية، ففي الوقت الذي بدأ فيه مشواره الشعري كانت الرومانسية هي المذهب السائد في العالم العربي، مذهب يحتفي بالفرد وبتجربته وينشد الحرية وينأى عن التقليد والاجترار، والكف عن اعتبار الشعر مجرد ظاهر لغوية مرصوفة الكلمات فقيرة المعنى شاحبة التجربة. فالشاعر عند العريض كائن حالم يهفو إلى الجمال، متوتر يرغب في فك طلاسم الوجود، وفض بكارة المجهول، ينشد الحرية والفرادة، ويتأبى على نهج الطرق المعبدة والسكك المرصوفة، ها هو يصف حقيقة الشاعر:
هو من أحلامه في جــنـة
فإذا حدث عنها قيل جنـــا
فيا ليتني إذ سمعت الحديث
عصرتك ـ لا أدمعا ـ بل دما
وإذا كان العريض قد مال إلى الشعر العمودي، على الرغم من ممارسته للشعر الحر، وقد صدر له أول ديوان «الذكرى» عام 1931 كما أبدع في الشعر المسرحي، وقد أحب شعراء التفعيلة ودافع عن موقفهم وتجاربهم وأشاد بها، فالشعر صنو الحياة وقانونها التطور، والشعر مصداق للحياة وليس شرطا أن يكون موزونا مقفى. وكان من أشد المعجبين بتجربة نازك الملائكة والبياتي والسياب وبلند الحيدري وصلاح عبد الصبور، وحتى الغموض الذي رآه البعض مخربا لجوهر الشعر عند أدونيس مثلا، رآه هو (هناك جوانب متعددة لقضية الغموض فأنا لا أستطيع أن آتي إلى الشاعر وأجبره على أن يقدم اللون الذي أستسيغه وحدي، دون بقية الألوان الأخرى وأنا أعتقد أن الشاعر حين ينظم، فإنما ينظم لنفسه قبل أن ينظم لأحد، وكل ما في الأمر أن الشاعر إذا عدّ كتاباته موجهة لسواه، ففي هذه الحالة يتوجب عليه أن يوجد أرضية مشتركة بين إبداعه ومن يتلقون هذا الإبداع).
شعر العريض هو شعر التأمل والتواصل مع المتراكم الإنساني والعالمي، شعر الصورة والذائقة التي تستدعي الحواس، وشعر الانفعال والحركة وتضيف سلمى الخضراء الجيوسي سمة من سمات التعبير عنده هي دقة التخير في استخدام النبرة الشعرية المواتية للحالة النفسية. تقول ابنته الشاعرة ثريا العريض عن شاعرية والدها – وليس لأن كل فتاة بأبيها معجبة فقط – بل تتمثل الخصائص الشعرية والنفسية والفكرية لوالدها (في مواضيعه، يميل إلى التعبير عن طموحات الطهارة ومثاليات وأحلام الإنسانية والمشاعر الأزلية الدائمة، لا الفئوية العابرة، لم يحاول أن يخلّد ما يكره في الواقع، بل ما يود أن يكون في الإطار الأجمل، ولذا لا نجد مآسي المعاناة الطبقية والأسرية المعتادة في أدب الخليج، بل نجد رصدا لجدلية الصراع الأزلي في نفس الإنسان بين الخير والشر، والبحث عن الحقائق الخالدة).
إبراهيم العريض وعمر الخيام:
لا يذكر عمر الخيام عند القارئ العربي، إلا ويرد على الخاطر جمهرة الشعراء الذين عربوا رباعياته كمحمد السباعي وأحمد رامي وجميل الزهاوي والبستاني وأحمد الصافي النجفي ومصطفى وهبي التل، لكن العريض عمل دراسات ومقاربات فريدة لحياة الخيام وأشعاره، والذين اشتغلوا به، لقد أحب العريض الخيام وأحب مكتشفه الشاعر الإنكليزي سكوت فتزجرالد معرفاً العالم الغربي به، ترجمة العريض تختلف فهي لا تتبع فقط المخطوطات، بل تتمثل روح الخيام الحائرة وتجربته الوجودية وقد قال العريض مخاطبا الخيام:
إني لأشعر ما قد كنت تشعـــره
ألست مثلك في أرجوحة القدر؟
فأين روحك يا خيام تسعفني
حتى أترجم ما خلفت من الأثر؟
وبهذه الرصانة اللغوية والروح الشعرية الهائمة في مسالك الرباعيات المتشعبة، تتلمس أصالتها بمزيج من الخبرة والحدس والعلم والذائقة، استطاع العريض أن يهدي إلى قراء العربية آية من آيات الخيام في لغة عربية رصينة، وديباجة شعرية مشرقة لا تقل إبداعا عن الأصل، ولن نعتبر الترجمة هنا خيانة، بل أفقا تأمليا ومقاربة مضافة للأصل مفتوحة على الدلالات الغنية، والمجازات الشعرية والحقول المعرفية الخصبة.
٭ كاتب من الجزائر