غناء النوبة في مصر والسودان ‘1-3’القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من عبدالفضيل طه:
هناك صلة قوية وأواصر قرابة بين أبناء مصر والسودان، وكان أبناء النوبة بالذات هم حلقة الوصل بين البلدين قبل الانفصال الذي حدث سنة 1953، وكثير من مطربي هذا البلد الشقيق وشعرائه وملحنيه ينتمون الى النوبة، سواء أكانت النوبة المصرية أو السودانية، وكانت حلفا بالذات هي ملتقى النوبيين في البلد الشقيق، تجارا وموظفين كبارا كانت تموج بهم حلفا وهي أقرب بلد الى النوبة المصرية، التي كانت حدودها تنتهي عند فرس على بعد كيلو مترات من حلفا.
ومن حلفا انتشر النوبيون في كل السودان ـ كما كان هناك أخوة من منقباد وسوهاج لهم نفس المكانة في السودان.
وكما قلت هناك مطربون كثيرون من السودان أصلهم من النوبة منهم، المطرب الرائع ذائع الصيت إبراهيم عوض، كان إبراهيم عوض واحدا من أساطين الغناء في السودان، استطاع أن يحتل مكانا وسط عمالقة الزمن الجميل مثل أحمد المصطفى وإبراهيم الكاشف وحسن عطية وعبدالعزيز داوود.
من هو إبراهيم عوض.. ؟ لكن من هو إبراهيم عوض ومن أي بلد في النوبة رحل أهله الى السودان؟ بداية هو من مواليد حي العرب في أم درمان جاء الى هذه الحياة سنة 1931 واسمه بالكامل إبراهيم عوض عبدالمجيد سليمان.
وفي كتاب البروفسور إبراهيم عوام عن مطربنا، الكثير من المعلومات، قال ‘أنا مسقط رأسي أم درمان لكن أصلي من كلابشة وأبوهور’ وهما قريتان من قرى النوبة المصرية’ ولا تزال أسرتي تقيم في مصر وقد حصلنا على تعويض في مصر نتيجة ترحيل الأسرة الى كوم امبو من بلدنا الأصلي. وككل النوبيين، جاء مطربنا من أبوهور واشترى بيتا في المهدية، ويبدو أن إبراهيم كان قد جاء الى السودان ومعه كل أسرته لأن عمه حفر بئرا في بيتهم هذا لأن الماء لم يكن يصل كل بيت في ذلك الزمن البعيد.
دراستهفي طفولته الباكرة التحق بخلوة ‘كتاب’ الفكيه الشريف عمر الثوري ثم انتقل بعد ذلك الى خلوة النكية ‘الفقيه’ عثمان، لكن لماذا؟ لأنه كما قال للبروفسور إبراهيم عوام، لا يحب أكل الصدقة لأن جدتي حذرتني من أكلها، وعدم أكل الصدقات عادة نوبية لا يزال أهل النوبة لا يأكلونها لأنهم يعتقدون انها تخصص للفقراء وهم ليسوا كذلك، حتى وان كان شديد الفقر! وكان إبراهيم عوض مرتبطا بجدته ارتباطا شديدا، يقول:
انني كنت ملتصقا بحبوبتي ‘جدتي’ التصاقا كبيرا لدرجة أن الغجريب ‘السرير’ الذي كنت أنام عليه كان لابد من أن يكون ملتصقا بغجريف جدتي، لهذا لم يكن يعصي لها أمرا حتى في عدم أكل الصدقات.
المدرسة الأولىلابد هنا أن نذكر أن السودان كان يموج بالطرق الصوفية، وكان لكل طريقة منها التاريخية وحداتها.
وكانت اكبر طريقة في البلد الشقيق هي الطريقة المرغينية التي كان يتزعمها أو هو شنجها الشريف علي المرغيني، وكانت شقيقته نور تقيم في أم درمان، وكان بينها قبله الآلاف من اتباع الطريقة الميرغينية، وأنا شاهدت بنفسي كيف أن بعض السيدات يقبلن على زيارتها وهن في حالة من الوجد لا استطيع وصفها أو التحدث عنها الآن، شاهدت هذا وأنا طفل ذهبت مع والدتي لزيارة هذه السيدة وسمعت السيدات يغنين لها.
ست نور، جلبنا نوريوعلينا الكاس، دوري، والكأس في لغة أهل التصوف هو كأس حب أهل البيت.
كما كان أهل الطرق يغنون للسيد علي المرغينييا سيدي ونبك لي، طالبين شوفتك الشابجيةيا سيديارجع لحنيك شوفها والشابجيين طمن خوفها.
يا سيديوتفسير هذه الكلمات هي، أين أنت يا سيدي؟ الشاجبة قبائل مشهورة في السودان، وطالبين شوفتك اي يريدون أن يروك، أرجع لجنبك شوفها.
السيد علي كانت له مزارع بين قبائل الشابجية فهم يطلبون منه أن يعود ليرى مزارعه أو جنيبته. وطمن خوفها، أي أن زيارتك سوف تطمئنهم على حالك.
هذا قليل من كثير كانت تموج به ساحة أم درمان، وحي العرب بالذات، فكانت كل هذه الألحان هي الزاد الموسيقي الأول الذي نهل منه مطربونا لابد من كان يسكن حي العرب في أم درمان لابد من أن يندمج في هذا الجو حتى وان كان طفلا صغيرا.
قلنا ان إبراهيم برع في صنعته أو قل مهنته الخراطة والحدادة، لكنه أحب الغناء نتيجة حياته في حي العرب كما ذكرنا، وعن طريق سماعه المديح والأهازيج النوبية تربي صوته حتى أصبح سليم النبرات قادرا على أداء أي لحن من دون خطأ أو خروج على مسار المقام، وكان مطربنا هاويا مما يسمى بغناء الحقيبة، وهي ألحان شعبية لها تاريخ كما كان له اعجابه بكبار الفنانين الذين سبقوه أمثال خليل افندي فرح وأحمد مصطفى وغيرهما.
الكاشفوعندما بلغ أشده كان اعجاب إبراهيم عوض بالمطرب الكبير إبراهيم الكاشف لا حدود له، وفي خمسينيات القرن الماضي اكتسح الكاشف سوق الأغنية السودانية بلحن جديد في ايقاعه وموسيقاهأنا يا الحبيب وين، الي قالوا لي سافرأنا يا البلال وين، الي قالوا لي سافريالمسافر أوعى لا تنسىالحبيب وين الليلة كيف انسىوهي أغنية راقصة الايقاع واذكر ان خمسينات القرن الماضي كانت كل الفرق النوبية في مصر تشدو بهذه الأغنية وكان الشباب من فرق النوبة المختلفة ترقص على نغماتها وكان أشهر هؤلاء الذين بدأوا في النادي العربي العقيلي ثم انتقلوا بعد ذلك الى فرقة علي كوبانا هم: محمد سليمان وعبدالله ياطا الذي أصبح بعد ذلك أشهر مطرب نوبي وسلوم وحسن السيسي وغيرهم.
وفي عام 1954 ذهب إبراهيم الى إذاعة أم درمان حيث اجتاز الامتحان بنجاح وكانت أغنيةمين قساك، من قسا قلبكمين قساك، ياناسي حبكوادخل فيها الآهات مثل الدوري المصري القديم الذي ابتدعه رائد الأغنية المصرية في القرن التاسع عشر محمد عثمان، وكانت هذه الأغنية فاتحة خير على مطربنا الذي اصبح من أشهر الفنانين السودانيين حتى يوم رحيله.
وكان عبدالرحمن الريح هو الشاعر الذي تغنى بكلماته الراحل إبراهيم عوض، وغنى بعد ذلك لمعظم ملحني السودان في زمنه مثل: الحاوي وبشير عبدالعال وبرعي محمد دفع الله وغيرهم. كما لحن لنفسه بعد ان أجاد العزف على العود ومعرفة المقامات وأبعاد السلم الحماسي بالذات الذي كان هو السائد في السودان وبلاد النوبة.
ومن أهم أغانيه:
قاصدني ما مخليني، لو قلت ليكوهيجني الذكر وتذكار يا غايبعن عيني وليه بتسأل عني تانيللشاعر محجوب سراجلابد هنا من ذكر شيء مهم وهو أن خصاما دب بين إبراهيم عوض ورفيق دربه استمر سنوات حتى تصالحا، وهذا يذكرنا بما حدث هنا في مصر عندما تخاصم كل من عبدالحليم حافظ ورفيقي دربه محمد الموجي الملحن الفذ وشاعر الأغنية سمير محبوب الذي ألف له الأغنيات الأولى التي صنعت شهرته مثل ‘ظالم، وبيقول لي بكره’ و’يا تبر سايل بين شطين يا حلو يا أسمر’ وغيرها، لكن وبعد سنوات طوال تصالح حليم مع الموجي بسبب ألحان الموجي لكن القطيع استمرت مع محبوب حتى وفاة عبدالحليم.
المهم، بعد الصلح بين إبراهيم الريح ألف له الريح أغنيات ‘أبو عيون كحيلة’، ‘أنت ليه سهرت عيني’. ‘ابسمي يا أيامي، يا بسمة الرفر النامي’. وهكذا تغنى مطربنا الراحل بألحان عمالقة السودان في ذلك الوقت، وكان كما كان حال مصر ساحة للفن الرفيع.
كان من الذين عاصروا إبراهيم عوض أو سبقوه بقليل أو جاءوا بعده بقليل أحمد المصطفى وعثمان حسين ومحمد وردي وإبراهيم الكاشف وعبدالكريم الكابلي وغيرهم.
وكان من أخلص أصدقائه كما ذكرهم، البروفسور العوام، كمال محمود المحامي وعمر حسين وعبدالرحمن محجوب والبروفسور الطيب صالح والسر عبدالحاير ودكتور عبداللطيف البوتي، والدكتور نصر شلقامي واللواء ياسين، والفريق إبراهيم أحمد عبدالكريم، والدكتور حاتم عبدالرحمن، والكاتب عيسى الحلو وعبدالعظيم عثمان صاحب معروضات البيت السعيد، وكان هو من يقوم بتركيب الميكرفون وتوصيلات الآلات الموسيقية الكهربائية لمطربنا التي ادخلها إبراهيم عوض على الموسيقى السودانية بجوار الآلات التقليدية، وهذه الآلات الكهربائية، هي الجيتار والأورج، كما ادخل بعض آلات النفخ مثل الساكسفون، الترومبوت وغيرها.
كان المطرب الراحل وفيا في اختيار الأغاني ولم يكن يخشى الصعود الى أعلى مقام في صوته الذي قال عنه أحد خبراء الأصوات في السودان انه متسع ويتكون من 12 أوكتان ‘ديوانانِ ولم يكن مثل غيره من المطربين يكتفي بالغناء من المنطقة الوسطى للصوت فقط.
ويوم وفاته خرج حي العرب الذي ولد وتربى فيه بأجمعه في جنازته، فضلا عن الآلاف من أبناء السودان الذين مشوا في الموكب الحزين لكونه واحدا من أساطير الفن السوداني.