إبراهيم نصر الله في (شرفة الهاوية): مرارة الواقع في مرايا فاوست

حجم الخط
1

يواصل إبراهيم نصر الله تشييد شرفاته الروائية متّخذا منها وسيلة لرصد واقع عربي ومحلي يزخر بالهذيان والعبث والعار ليبلغ في انحداره حافة الهاوية، تلك الهاوية التي حملت عنوان روايته الأحدث في سياق مشروع (الشرفات).
في (شرفة الهاوية)* يقتحم نصر الله أسيجة من الأسلاك الشائكة وينفذ منها بجرأة كاشفا عن جوانب من مواطن الخلل الحاد في حياتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتعليمية عبر بناء فني قوامه شخصيات فاقدة لقيم الحرية، والإرادة ، والمسؤولية. من حيث المهنة، تنتمي شخصيات الرواية الرئيسية إلى قطاعين هامين في المجتمع، هما قطاع المحاماة، أو القضاء الواقف كما هو متعارف عليه، وقطاع التعليم العالي بمكوناته المختلفة. على أن ذلك لا يعني بأي شكل من الأشكال تعميما على العاملين في القطاعين، فالتناول الفني يختار نماذج مجتمعية تمثل حالات من سوء استغلال السلطة الذي ما يلبث أن يتمدّد ويتّسع فيتّسع معه الخراب. هي رواية شخصيات في المقام الأول.
وتتجلى جماليات الرواية في قدرتها على تصوير قبح اجتماعي سياسي يتمثل في أوجه مختلفة للفساد في إطار بناء فني مُحكم، ومن خلال لغة ساخرة تصور التفاهة والنزعات الانتهازية، والوصولية، والاستلاب، وانسحاق الإرادة تحت ضغط الخوف، أو شهوة السلطة، أو الثراء السريع الفاحش لدى الارتباط بالقوى المتنفذة في المجتمع.
يقوم معمار الرواية على فصول/ عتبات أربع، تتفرع من كل فصل عناوين فرعية ذات صلة بتنامي الأحداث، وهي في مجملها منابر تتيح للشخصيات الرئيسية في الرواية أن تقدّم نفسها وتعبّر عن حالاتها، وعلاقاتها بالآخرين. يجري السّرد على ألسنة متعددة، أهمها سلمان (المحامي النقابي، المفوّه الذي يستجيب ببساطة بالغة لإغواء السلطة)، والدكتور كريم (الأستاذ الجامعي المتخصص في علم الاجتماع وفي اصطياد الطالبات الجميلات)، وديانا (المحامية، زوجة سلمان، التي تدافع عن حقوق الآخرين وتعجز عن الدفاع عن حقوقها)، ثم هناك نهى راضي (الطالبة المتفوقة، الذكية التي بسببها سيتمّ طرد الدكتور كريم من الجامعة). أما السارد الخامس، فهو الرّاوي الذي لا يتدخل إلا في حالة الرغبة في إلقاء مزيد من الضوء على شخصية سلمان وتاريخه وجوانب من حياته. على أن هذا التدخّل الذي يقوم به الرّاوي لا يبدو تدخّلا من طرف خارجي، أو من مجرد سارد عليم، بل يبدو وكأن الراوي جزء من العمل الفني ومن بنيته الفنية، شخصية من شخصيات الرواية تسهم إلى حدّ معقول في الكشف عن صفحات مجهولة من حياة سلمان الذي خبر عملية التحوّل من المعارضة اليسارية إلى السلطة ليصبح وزيرا فيما بعد، ثم ليغدو مالكاً لإحدى الجامعات الخاصة، ثم ليسعى أن يعود معارضا في ضوء التغيّرات السياسية.
والزمن الروائي لا يمضي في خط مستقيم، إذ يمارس نصر الله عملية التقديم والتأخير، وليس بالضرورة تيار اللاوعي.
يلجأ نصر الله إلى القفزات الزمنية غير المتتابعة زمنيا بصورة متسلسلة، كما تأتي المذكرات الفقيرة المؤرخة التي كتبها سلمان لتسهم أيضا في لعبة التعامل السّردي مع الزمن. فالرواية على سبيل المثال، تنفتح على المشهد الأول الذي يقع في تسلسله الزّمني قبل الصفحات الأخيرة للرواية بقليل، أو عند اقتراب نهاية الرواية، ذلك هو حفل توقيع كتاب كريم، أو بكلمة أدق كتاب ‘غراميات’ الدكتور كريم، خريج فرنسا، الوسيم الأنيق دائما. بعد مغادرة الدكتور قاعة المكتبة، التي استضافت حفل التوقيع، متوجِّها إلى سيارته بادره شاب يحمل نسخة من كتابه طالبا منه توقيعه عليها:
‘سألتُه: اسمك من فضلك!
: قاتلك.
: ماذا؟!
: قاتلك.
وقبل أن أُظهِر أيّ علامة استنكار لمزاح بهذا الثقل، أحسستُ بطعنتين عميقتين تشقّان جسدي…’
وتمثّل قيمة هذا التقديم الفني لمشهد مثير في الرواية، في أنه يحقق عنصرين مهمين في أي عمل روائي، وهذان العنصران هما: التشويق والإدهاش، وهذا ما يشعر به قارئ (شرفة الهاوية) من بدايتها.
كما أن البناء السّردي/ الزمني للرواية يفتح الباب أمام قارئها بأن يُعيد صياغتها وفق خبرته واستيعابه للأحداث ومضامينها ودلالاتها، إذ النص مفتوح على قراءات متعددة، ومستويات مختلفة بما يحتويه من لغة ساخرة لاذعة، ومن إحالات دالة، ومن رموز جريئة ذات ظلال واقعية.
تنتمي الرّواية إلى المدرسة الفنية الواقعية، بل إلى الواقعية النقدية الحادة التي تكاد تلامس مستوى الحقيقة، إذ يندمج فيها الخيال بالواقع إلى درجة التماهي إن جاز القول- مع حقائق الواقع، ولا يفصل بينهما سوى ستارة شفافة، تكشف أكثر مما تخفي.
‘شرفة الهاوية’ رواية انحدار القيم، حيث نرى شخصيات مثقلة بعيوبها، وتتصرّف في كثير من الأحيان وكأن سلوكها المتجاوز لكل القوانين، والقيم، والأعراف سلوك عادي. إن شخصية مثل سلمان تذكّرني بمقولة قرأتها مؤخرا ‘السلطة لا تُغيّر الأشخاص، هي فقط تكشف حقيقتهم’. ولست بزاعم أنني أستطيع قبول هذه المقولة أو رفضها بشكل قاطع، فهي مسألة تحتاج إلى خبراء في علم النفس وعلم الاجتماع، ولست بواثق أنهم سيصلون إلى رأي حاسم.
في سياق الرواية، لا يختلف سلمان عن ‘فاوست’ الذي باع روحه للشيطان، بل إنه ‘فاوست الكبير’، فيما يحل كريم في المرتبة الأدنى ليمثل ‘فاوست الصغير’. في شخصية سلمان تتجمع سمات الرذيلة بتفاصيلها كافة، فهو الغنيّ البخيل، والنقابيّ المخادع، والمفوّه الكذاب، والزوج التاجر، والمسؤول الانتهازيّ، والأب النذل، والوزير المزوّر، والفاسق الذي لا يشرب الخمر ويقيم الصلاة!
هو رجل معطوب في إنسانيته، يقيم في رأسه ديكتاتور شرس له أن يَسأل ويُجاب، وألاّ يُجيب عندما يُسأل. متعدّد الوجوه، ولكل وجه قناع، ولكلّ قناع مواصفات.
أما ‘فاوست الصغير’، الدكتور كريم- الأستاذ الجامعي في جامعة خاصة يملكها ‘فاوست الكبير’ فهو وجه آخر لسلمان، ولكن على نطاق محدود.
كريم باع روحه/ ذاكرته الغرامية لفاوست الكبير، ليتغنّى الأخير بها في سهراته مع ‘ السبعة الكبار’ مقابل أن يعيده سلمان إلى الجامعة التي طرده منها. على أن كريم باع روحه قبل ذلك لشيطان آخر، هو شيطان ‘النرجسية’. فهو الأستاذ الأنيق الذي يعتقد أنه قادر على أن يُغرر بأجمل طالباته لقاء منحهنَّ العلامة الكاملة في امتحاناته. هي نرجسية تحرّكها الغريزة، ويقودها الغرور الذي يضرب بعرض الحائط كلّ القيم العلمية والأخلاقية والإنسانية.
كريم ليس إلا مُركَّبٌ صغير من ‘فاوستية’ لا أخلاقية، ومن ‘نرجسية’ قاتلة، قادته لأن يكون ‘مسخرة’ أمام بعض طلابه وطالباته في إحدى محاولاته الفاشلة لاصطياد طالبة والالتقاء بها في أحد الفنادق، فإذا به يقع في فخ منصوب بمهارة ودهاء. سقط النرجسي الذي يرى ذاته: الأجمل، والأذكى، والأكثر أناقة وجاذبية.
أما ديانا، زوجة سلمان، ذات الجمال الباذخ الذي يفخر به سلمان باعتباره مكمّلا ‘للديكور’ الشخصي للمسؤول الكبير ورجل الأعمال الشهير، فقد مثّلت نموذجا للجمال الساذج، والضمير الحي (لكنه العاجز عن الفعل، وهي، من الناحية الفنية، الحلقة التي ستربط بين فساد سلمان وفساد كريم بعد أن تعرّفت إلى الثاني الذي حوّل علاقته بها إلى قصة غرامية. لقد وصل السيف إلى الرقبة هذه المرة. في المرّة الأولى طرد سلمان الدكتور كريم من جامعته خشية على ابنته أولا، وها هو في هذه المرة قد تجاوز كل الحدود فوصل إلى زوجته، فكان لا بدّ من طعنه.
بقي أن نشير إلى شخصية نهى الطالبة التي أُعجبت بما سمعتْ عن الدكتور كريم فسجّلتْ معه مساقا دراسيّا، وحين قاومت محاولات الإغواء، حرمها من حقها في النجاح، وهي الطالبة المجتهدة، والذكية، والمثقفة. لكنها في نهاية المطاف لم تتمكّن من النجاح إلا عندما أبلغته بأن سلمان خالها. هي حيلة، تبدو في صورتها العامة سلوكا خاطئا، ولكن الأوغاد يستحقون الخداع من ضحاياهم!
‘شرفة الهاوية’ رواية من روايات المرحلة. تتغير الأوضاع وتندلع الشرارات في تونس، ويستعدّ سلمان لركوب الموجة الجديدة باحثا عن سبعة من الكبار الجدد ليرفع لواء المعارضة، وفق تقلبات الطقس السياسي، ومقتضيات المرحلة.
هذه رواية تدقّ ناقوس الخطر وتفتح عيون القراء على نماذج مختلفة أسقطتْ من حسابها منظومة القيم وأخلاقيات المهنة وصار الوطن عندها فرصة لتوقيع صفقة، أو ابتزاز، أو توظيف غير مشروع للصلاحيات. رواية ليس فيها بطل غير فاوست.

ــــــ
* إبراهيم نصر الله، (شرفة الهاوية)، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، دار مكتبة كل شيء، فلسطين (2013).

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية