ليس كوميدياً، وليس تراجيدياًالقاهرة “القدس العربي” من كمال القاضي: هناك أشكال درامية مهجنة يمتذج نوعها بأكثر من فصيل فلا نعرف بالضبط ما إذا كانت تنتمي إلى الكوميديا أو التراجيديا أو أنها خليط من جنسين أو ثلاثة أو نوع آخر من بنات أفكار المؤلف لا يعرفه إلا هو، فيلم ‘إبن القنصل’ حالة فنية محيرة فكاتبه الشاعر الغنائي أيمن بهجت قمر استهوته خفة وبهلوانية النصابين والحواة ومحترفي تزوير الأوراق الرسمية. فقرر أن يكتب فيلماً على طريقة الأغنية الخفيفة التي يجيد نظمها وضبط إيقاعها بما يتماشى مع العصر، ولكنه لم يراعي الفروق الجوهرية بين كتابة أغنية وكتابة فيلم وهذا ما أوقعه في السطحية وخلق لدى المشاهد إحساساً بالاستخفاف منذ الوهلة الأولى، حيث الخلفية الزمنية للأحداث الواقعة بالإسكندرية والمشار إليها بحقبة السبعينيات وبالتحديد عام ’78’ في المشهد الأول من الفيلم لم تدل على شيء ذات معنى غير محاولة قمر لفت أنظارنا الى ان تلك الفترة هي التي بدأت تنبت فيها جذور التطرف تمهيدا لظهور شخصية عصام الشاب الملتحي المنتمي للجماعة الإسلامية ‘أحمد السقا’، هذا فقط هو ما يربط بين عام ’78’ وكافة الأحداث وما دون ذلك من شخصيات وواقع لم نجد ظلاً له في التاريخ المقصود، فالبطل خالد صالح أو ‘عادل أنور’ المسجون منذ 35 عاماً على ذمة قضايا عديدة يفرج عنه لحسن السير والسلوك وهي مفارقة غريبة لأن المجرم الذي يحكم عليه بكل هذه المدة التي تزيد على المؤبد بعشر سنوات لا يمكن أن يطلق سراحه لحسن السلوك، بل العكس هو الصحيح فمثله تُشدد عليه الحراسة ويوضع تحت المراقبة 24 ساعة!
ناهيك عن أنه مزور محترف وملقب بالقنصل نسبة على براعته في تقليد تأشيرات السفر التي عادة ما تصدر من القنصل وهذا هو سر التسمية، والأمر هنا يستوجب إدراك خطورته المحلية والدولية وليس الإفراج عنه، المهم أن إرادة المؤلف اقتضت خروجه المبكر من السجن والعفو عنه فكان في انتظاره خارج الأسوار ابنه المزعوم عصام كي نرى الفصل الثاني من الملهاة أو المسرحية الكوميدية الخائبة ونشاهد تفاصيلها المملة على مضد ونتابع محاولات أحمد السقا الجهيدة لإقناع المجرم المخضرم بأنه ابنه الذي أنجبه من الراقصة ‘سوسو’ ‘سوسن بدر’ قبل ثلاثين عاماً ولم يره لدخوله أرميدان قبل أن يولد، وبرغم التجارب القاسية التي نالت من السجين العتيد على مر الزمان إلا أن الحيلة انطلت عليه وصدق أن هذا الشاب الورع التقى هو وابنه، وبناءاً عليه آمن له وأقام معه في بيته، بل ومارس حريته كاملة حتى أنه أتي بواحدة من فتيات البغاء لتعوضه عن سنوات الحرمان الطويلة، كل هذا يحدث وهو تحت سمع وبصر الإبن ولكنه لا يدري أن ما يدور حوله مدبر بعناية وأنه قد وقع في شر أعماله وشرك ضحاياه الذين انتظروه طويلا ليصفوا معه حساب السنين على هذا النحو المضحك ولننظر ماذا حدث؟
لقد ادعت فتاة الليل ‘غادة عادل’ أو بوسي أنها تريد الهجرة إلى إيطاليا وأنها تفعل ما تفعله لتدبير مصاريف السفر، وبالطبع لاقى حديث الهجرة هوى لدى المجرم المتخصص فوعدها بأن يمكنها من الحصول على تأشيرة وكان هذا هو الطعم الذي ابتلعه عادل أنور أو خالد صالح أو القنصل، حيث أراد الجميع أن يورطوه في مزيد من الجرائم باستكمال الخدعة للنهاية فالسقا يلعب بجدارة دور الابن وغادة عادل مستمرة في تمثيل دور الفتاة اللعوب وخالد سرحان يمارس مهام أمير الجماعة الإسلامية وسوسن بدر هي ذاتها العشيقة القديمة وأم عصام إبن القنصل، أي أن اللعبة مكتملة الأركان ومحبوكة تماماً ومن الصعب الفكاك منها طبقاً لتصور مؤلف القصة والمخرج عمرو عرفة الذي لا ننكر مجهوده المضني لمحاولة إقناعنا بأن ما نراه فيلماً سينمائياً وليس مسرحية من ثلاثة فصول، فالرجل بذلك كل ما في وسعه لتحويل الوهم المكتوب على الورق الى حدوتة لها بداية ونهاية ووسط وتفاني من أجل تجسيد الحكاية بشكل مؤثر لكن ضعف السيناريو ووهن الشخصيات المرسومة كان أكبر من أي محاولات يمكن أن يقوم بها أي مخرج لإحياء الفيلم الميت مهما توافر به من مقومات نجاح تتمثل في وجود نجوم كبار مثل الأبطال المذكورين سلفاً أو سخاء منتج ينفق على العمل دون حسابات فيغطي الجوانب الفنية من ديكور وموسيقى ومونتاج ومكساج ومعامل تحميض وخلافه، كل ذلك كان متوافراً للفيلم ولكن في النهاية لا ينهض العمل الفني إلا بوجود فكرة جيدة ونص درامي لا تملأه الثقوب والأخطاء ولا يكتب ببهلوانية وسهولة كالتي كتب بها ‘ابن القنصل’ فكانت نتيجتها هبوط المستوى الفني وتوهان المعنى بين الكوميديا حيناً والتراجيديا أحياناً والاستخفاف في أغلب الأوقات.
المقام هنا يحيلنا إلى فيلم ‘الهروب’ للمخرج الكبير عاطف الطيب وهو واحد من الأفلام التي ناقشت قضية السفر والهجرة وتطرق الى التأشيرات المزورة التي كانت سبباً فيما وصل إليه أحمد زكي مطاردات ومشاحنات وهروب أدى به في النهاية إلى القتل حيث تسلسل الأحداث وتداعي الأزمات كان مقنعاً للغاية ومنذراً بالنهاية الحتمية للبطل المغامر وهذا هو الفرق بين ما رأيناه في سيناريو مليء بالزخم والتفاصيل الواقعية وبين ما أثار استفزازنا لتهافته وتفككه وضعفه، والكلام عن الفيلمين ليس من قبيل المقارنة وإنما فقط للتذكير بأصول الكتابة وضرورة الاحتشاد قبل الشروع فيها فهي هم ومسئولية قبل أن تكون حرفة.
النهاية العبثية لابن القنصل هي أقرب إلى الفوضوية منها إلى أي مسميات أخرى فليس من وصف ينطبق على التمثيلية التي اكتشفها البطل خالد صالح وتأكد من خلالها أن كل المحيطين به كانوا مأجورين لأداء أدوار مختلفة للإيقاع به إلا الفوضى فالذي تم خداعه والضحك عليه هو الجمهور لأنه المستهدف من المؤلف الذي لم يجد ما يفعله سوى التسلية بمن ذهبوا إلى شباك التذاكر وحجزوا لأنفسهم أماكن في دور العرض وهم يتعشمون في رؤية شيء له معنى فإذا بهم يتحولون من مشاهدين الى ضحايا للقنصل وابنه والسيد قمر!