بغداد ـ «القدس العربي»: بالتزامن مع تفاقم أزمة نقص المياه والجفاف في العراق، ومع تصاعد التحذيرات من كارثة أصبحت واقعا، انطلقت في بغداد فعاليات «مؤتمر بغداد الخامس للمياه»، الذي نظمته وزارة الموارد المائية العراقية، بمشاركة عدد من الدول العربية والأجنبية، لمناقشة ملفات الري الدقيق والتكنولوجيا الحديثة في استخدام المياه، وسط شكوك بجدوى التحرك الحكومي لمواجهة الأزمة الخانقة.
وخلال مؤتمر بغداد للمياه، أعلن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني عن مبادرة إقليمية لحماية نهري دجلة والفرات، تهدف إلى حشد الدعم الدولي وزيادة الضغط الدبلوماسي على دول الجوار وتشجيع التفاهمات الثنائية مع كل من تركيا وسوريا وإيران لضمان حقوق العراق المائية، بدون توضيح آليات تنفيذ المبادرة ومدى تجاوب دول منبع الأنهار معها.
وضمن فعاليات المؤتمر، استقبل رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» شو دونيو.
وأكد السوداني، وفقاً لبيان مكتبه الإعلامي :»أهمية التعاون مع المنظمة لترجمة توصيات مؤتمرات بغداد للمياه، لمواجهة التغيرات المناخية التي أثرت على البيئة وتسببت بشحّ المياه وانتشار التصحر»، مثمناً «دور المدير العام والمسؤولين في المنظمة على جهودهم في المشاريع التي تقيمها وترعاها منظمة (فاو) في العراق».
كما أشار إلى أنّ «الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي تشكل مرجعاً للعمل المشترك مع المنظمة، في تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاستيراد وتحقيق الاكتفاء الذاتي من محصول القمح، ودعم الفلاحين والمزارعين».
من جانبه أكد دونيو «استمرار التنسيق مع العراق والاستعداد لإطلاق مشروع يعزز قدرته على مواجهة التغيير المناخي، ممول من عدة جهات بينها العراق والمنظمة، وبميزانية إجمالية تقترب من 40 مليون دولار».
عام زراعي صعب
وحول حقيقة أزمة الجفاف في العراق، وعلى هامش مؤتمر المياه في بغداد، كشف المتحدث باسم وزارة الموارد المائية العراقية خالد شمال، بأن «النقص في المياه في العراق، هذا العام، أسوأ من العام 2024 وسيجبر الحكومة على تقليص مساحة الأراضي الزراعية لهذا الصيف». وأوضح شمال خلال مؤتمر المياه أن العراق لا يستلم سوى 40 في المئة من استحقاقه من المياه، مؤكدا «أن الخزين الاستراتيجي كان أفضل في العام الماضي، إذ كان ضعف الموجود حاليا».
وتابع المسؤول، «في بداية موسم الصيف من المفترض أن يكون لدينا ما لا يقل عن 18 مليار متر مكعب، أما الآن فنحن لدينا حوالي 10 مليارات متر مكعب». وكشف أنه «خلال 80 سنة لم نحصل على خزين منخفض بهذا الشكل»، مشيراً إلى أن «الأمطار هذه السنة كانت شحيحة وحتى الإيرادات المائية من ذوبان الثلوج كانت قليلة».
وفي السياق ذاته، حذر معاون مدير عام الهيئة العامة لتشغيل مشاريع الري والبزل في وزارة الموارد المائية، غزوان السهلاني، من أن العام الحالي هو الأصعب على الإطلاق.
وقال في تصريح صحافي عن الخزين المائي في العراق، «إن البلاد تتلقى 200 متر مكعب فقط من الإطلاقات المائية عبر نهر دجلة، وأقل من ذلك بكثير من نهر الفرات»، كاشفا أن الخزين المائي للبلاد انخفض إلى أقل من 10 مليارات متر مكعب، ما يهدد بكارثة مائية غير مسبوقة. وتؤكد هذه المعطيات أن «صيف 2025 هو الأصعب على العراقيين» على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على جميع القطاعات.
وأكد السهلاني أنه «لا توجد خطة زراعية هذا العام بسبب شحة المياه غير المسبوقة، ما يعني تداعيات وخيمة على الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني»، منوها إلى أن الأولوية القصوى حالياً هي «تأمين مياه الشرب للمواطنين وري البساتين، كحد أدنى من الاحتياجات الأساسية».
اتساع حجم أزمة الجفاف
وفيما تحفل مواقع التواصل الاجتماعي، بصور وأفلام مفزعة لحالة دجلة والفرات من جفاف، حيث يبدو قاع كل منهما واضحا في مدن المحافظات التي يمر بها النهران، فإن سكان بعض المناطق خرجوا بتظاهرات عديدة للمطالبة بالمياه للزراعة والشرب، من دون نتيجة، ما جعل الهجرة من المناطق الريفية نحو المدن أكثر اتساعا.
وتبدو حالة الجفاف أكثر وضوحا في مناطق الأهوار جنوب وشرق العراق، التي عد اليونسكو المسطحات المائية فيها من التراث العالمي لما تحتويه من تنوع في الحيوانات والزراعة، إلا أن واقعها الحالي وجفاف معظم أراضيها غير الحياة فيها كليا. ومثال ذلك هور الحويزة بمحافظة ميسان جنوبي العراق، الذي يعاني من كارثة بيئية تسببت بنفوق الملايين من أسماكه بنسبة تصل إلى 95 في المئة، في نهاية 2024 جراء انخفاض مناسيب المياه، إضافة إلى نفوق آلاف الجواميس الذين يعتمد عليهم سكان الاأوار وهجرة واسعة لسكانه.
ولم يقتصر الجفاف على مناطق الوسط والجنوب بل شمل بعض مناطق الشمال، حيث أعلنت إدارة مدينة سامراء شمال بغداد عن انخفاض كبير في مستوى مياه سد سامراء اضطرت السلطات إلى القيام بقطع المياه عن بعض المناطق السكنية فيها لعدة أيام.
وفي شباط/فبراير الماضي، كشف مستشار رئيس الوزراء العراقي لشؤون المياه طورهان المفتي، أن «العراق ليس بمستوى الجفاف الآن، لكن نحن على بعد خطوة منه» مبيناً أن «ما يأتي من المياه الخارجية من دول المنبع 75 في المئة بينما 20 إلى 25 في المئة من المياه هي من داخل العراق». وأشار إلى أن «ثلث الناس كانوا يعيشون في المدن، وثلثين في القرى، لكن الوضع الآن أصبح مختلفاً تماماً، حيث 70 في المئة من السكان يعيشون في المدن، والباقي في القرى، وهذا يشكل نوعاً من الأزمة المجتمعية للحكومة من حيث توفير فرص العمل».
وهذا الواقع أكدته أيضا المنظمة الدولية للهجرة، عندما أشارت إلى «أن الجفاف وتدهور الأراضي وزيادة الملوحة في الأنهار والروافد في العراق تضع ضغوطا متزايدة على الزراعة وتربية الماشية وصناعات صيد الأسماك، حيث لا تستطيع العديد من الأسر ضمان سبل عيش كافية ومستدامة في المناطق الريفية، ما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من الأسر من منازلها بسبب ظروف الجفاف في 10 محافظات».
محاولات لإسعاف بيئة العراق
وضمن مساعي بغداد لمواجهة أزمة الجفاف، وقبيل عقد مؤتمر المياه، كشف وزير الموارد المائية العراقي عون ذياب عبد الله، عن التوصل إلى اتفاق عراقي– تركي يقضي بإطلاق 500 متر مكعب في الثانية من المياه في نهر الفرات يومياً، مؤكداً سعي بلاده لتأمين حصصها المائية من تركيا وإيران لمواجهة أزمة الجفاف الخانقة.
وأعلن وزير الموارد المائية في مؤتمر صحافي، عن وجود لجان مشتركة مع كل من إيران وتركيا تواصل العمل على تأمين الحصص المائية للعراق من البلدين. وأضاف أن «العراق مستمر في تنفيذ بنود الاتفاقية الإطارية مع تركيا، والتي تشمل تنفيذ الجانب التركي لمشاريع البنى التحتية في قطاع الري وضمان استمرار الإطلاقات المائية من الأراضي التركية».
وكانت حكومة بغداد طالبت أنقرة بدعم جهودها لمعالجة أزمة المياه، وذلك خلال محادثات أجراها رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في تركيا مؤخرا. أما أيران فليس لدى العراقيين أي أمل في أن تستجيب لطلباتهم في إعادة تمرير مياه الأنهار التي قطعت العشرات منها عن العراق في العقدين الأخيرين.
وعن واقع كارثة الجفاف، يشير الخبير رياض القريشي، أن «تسع مناطق في العراق، أبرزها البصرة والمثنى وميسان وذي قار، تواجه خطر جفاف قاسٍ جدًا، له ارتدادات مساوية إذا ما استمر الحال بدون أي متغيرات».
وأضاف أن «الوضع في هذه المناطق عالي الخطورة، خاصة في ظل معدلات التبخر القياسية الناتجة عن السطوع الشمسي في الأنهار والمسطحات المائية (الأهوار)»، لافتًا إلى أن «الوضع يتجه نحو جفاف حتمي، في ظل تهميش متعمد من بعض دول الجوار للحصص المائية للعراق».
وأكد القريشي أن «على الحكومة أن تدرك خطورة الموقف، وتسعى لتأمين حصص مائية عادلة من خلال الأنهار المشتركة، وفقًا للقوانين الدولية»، مشددًا على «أهمية ضمان معدلات عالية من العدالة في الاستهلاك والترشيد، لأننا أمام متغيرات حادة ومتطرفة بسبب المناخ».
ويذكر أن العراق يعاني منذ سنوات من نقص حاد في المياه، بفعل التغيرات المناخية العالمية، وتراجع مناسيب الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة التي أدت إلى زيادة معدلات التبخر في الأنهار والمسطحات المائية. كما تساهم السياسات المائية لدول الجوار في تخفيض حصص العراق من الأنهار المشتركة مثل دجلة والفرات، في زيادة معاناة المناطق الجنوبية والوسطى، ما جعل الأمم المتحدة، تعتبر العراق، أحد البلدان الخمسة الأسوأ في العالم من حيث الجفاف ونقص المياه.
وفي الوقت الذي تتفاقم فيه ظاهرة الجفاف ونقص المياه بشكل كارثي وتترك آثارا مدمرة على الأمن الغذائي في العراق، فإن سياسة حكومات بغداد إزاء هذه الكارثة المتفاقمة لا تزال دون المستوى المطلوب، حسب الخبراء، مع تصاعد الجفاف وآثاره المدمرة على الاقتصاد والحياة في العراق. ويعود عجز حكومة بغداد عن معالجة الأزمة إلى أسباب محلية أبرزها سوء إدارة الموارد المائية ونقص السدود وهدر مياه الأمطار، إضافة إلى أسباب إقليمية تتمثل في العجز عن الضغط على بلدان منبع الأنهار (إيران وتركيا) لزيادة إطلاق الحصص المائية للعراق، التي كان يتمتع بها طوال تاريخه.