الدوحة ـ»القدس العربي»: تتحرك أطراف المجتمع الدولي الفاعلة، نحو تحقيق إجماع دبلوماسي لدفع عجلة السلام قدماً وإنهاء حرب اليمن، وسط مخاوف من استفحال الأوضاع مع أي تأخير في الحل.
وتأتي هذه التطورات على ضوء عرض سعودي قدمته للحركة الحوثية، ينص على وقف شامل لإطلاق النار، ضمن سلسلة مقترحات تهدف إلى إنهاء الصراع المستمر منذ ست سنوات.
وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان بن عبد الله اعتبر المبادرة تشمل «وقفاً شاملاً لإطلاق النار في جميع أنحاء البلاد تحت إشراف الأمم المتحدة».
الرياض اقترحت أيضاً إعادة فتح مطار صنعاء، في العاصمة التي يسيطر عليها الحوثيون، واستئناف المفاوضات السياسية بين الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية والحوثيين.
واعتبرت أن المبادرة ستدخل حيز التنفيذ «بمجرد موافقة الحوثيين عليها».
الاقتراح الأخير يأتي وسط تصاعد في الهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ على المملكة، بما في ذلك منشآت الطاقة والتي أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنها، كما تأتي في وقت تتعثر فيه الحلول العسكرية لتحقيق نتائج حاسمة ميدانياً.
وتسعى عدد من الدول والقوى العظمى للضغط على المتحكمين في الملف، للتحرك وحتى تقديم تنازلات من شأنها المساهمة في حلحلة الأوضاع، وتلافي انزلاقها نحو مستنقع خط اللارجعة.
وفي هذا السياق ناشد مارتن غريفيث، مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى اليمن، الأطراف المتحاربة تنفيذ وقف إطلاق النار على مستوى البلاد، والاتفاق على موعد لمحادثات السلام، تماشياً مع خطة إنهاء الصراع الجاري.
وقد أحاط غريفيث مجلس الأمن حول آخر المستجدات في نشاطه الدبلوماسي، في خضم جولة قادته لعدد من عواصم المنطقة، منها مسقط، والرياض وأبو ظبي وبرلين، كما التقى قادة الحكومة اليمنية في عمان.
في كافة هذه العواصم، ناقش المبعوث الخاص بالتفصيل الجهود الحالية لإنهاء الحرب في اليمن، وقال إنه في جميع الأحوال توصل على الأقل إلى توافق في الآراء، يدعم النقاط الأربع التي يسعى إلى تأمين اتفاق عليها بين الطرفين، وشدد على ضرورة اتفاق الطرفين على تلك النقاط وإخراج اليمن من محنته.
مأرب نقطة ارتكاز
غريفيث أكد أن الضرورة الملحة لإحراز تقدم نحو تسوية سلمية تجعل استمرار العنف على الأرض أكثر إثارة للقلق. وأشار إلى أن مأرب تظل مركز الثقل الرئيسي في الصراع، مضيفا أن القتال هناك يظهر بوادر تصعيد خطيرة مرة أخرى.
ويكثر الحديث عن مأرب حيث يقاتل الحوثيون وهي من بين آخر معاقل الحكومة اليمنية في الشمال، ممّا يزيد الضغط على القوات المدعومة من السعودية.
وحذرت الأمم المتحدة، التي تقول أنّ اليمن يواجه أسوأ أزمة إنسانية في العالم، الشهر الماضي من عواقب وخيمة على المدنيين إذا استمر القتال في مأرب.
وفي كلمته أمام مجلس الأمن اعتبر غريفيث إن معظم اليمنيين الذين تمت استشارتهم واستطلاع آرائهم، «يصرون على أن إنهاء الحرب هو الهدف البسيط والأهم».
وفيما أشار إلى أن هذا الإجماع الشعبي الواسع لصالح السلام من المحتمل أن يكون موجوداً في جميع النزاعات، إذ إن الناس هم دائماً أبطال السلام، أوضح المبعوث الخاص أن اليمن يختلف من ناحيتين:
الأولى هي أن «المجتمع الدولي، ممثلاً في هذا المجلس، متحد» مع رسالة مركزية وواضحة ومتسقة وهي: «أن السبيل الوحيد للخروج من الصراع هو حل سياسي تفاوضي».
الناحية الثانية، هي أن هناك تلاقياً في الأصوات الدبلوماسية لصالح إنهاء الحرب وحلها السياسي الناجح.
وأوضح غريفيث أنه خلال لقاءته الأخيرة في أوروبا والشرق الأوسط ناقش بالتفصيل الجهود الحالية لإنهاء الحرب، قائلا إنه صادف على الأقل إجماعاً في الدعم، وفي كثير من الأحيان دورا نشطا في دعم النقاط الأربع التي يسعى مكتبه إلى أن يتفق الطرفان عليها.
والسعودية من جانبها أدركت التحديات المحيطة بالملف وهي تسعى قدماً لإنهاء الصراع في أسرع وقت، والخروج بأرضية اتفاق سياسي، يضع حداً للصراع المستمر منذ 6 سنوات.
الإمارات خلف الستار
الأطراف الساعية لتحقيق هدنة في اليمن، ووضع حد للصراع، تخشى كثيراً من إفساد المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً أي طبخة تعد لوقف القتال.
ففي السابع من آب/اغسطس 2019 حاول المجلس الانتقالي الجنوبي الاستيلاء على العاصمة المؤقتة عدن، ليدخل في اقتتال مع الحكومة الشرعية، وهو ما يزال بتعاون مع الأذرع الإماراتية ويتحرك في جميع الاتجاهات لقلب المعادلة لصالح أبو ظبي ضد الرياض.
المراقبون يرون في التحركات الإماراتية في اليمن ومحاولات أبو ظبي بسط نفوذها في الجنوب، سواء عبر عدد من القوى التي ترعاها، أو بشكل مباشر، عامل تخريب لجهود السلم وتحقيق الأمن.
وترى عدد من الدراسات الإستراتيجية أن الإمارات وضعت منذ بداية حرب اليمن نصب أعينها السيطرة على موانئ البلد، وعدد من الجزر مثل سقطرى وغيرها.
المفاوضات أولاً
تراهن الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وسلطنة عُمان التي ترعى المفاوضات مع بعض الأطراف على أن المفاوضات هي السبيل الأمثل لإنهاء الصراع. وبحسب المراقبين فإنه بوساطة من مسقط، يتفاوض الحوثيون مع الممثل الأمريكي، تيموثي ليندركينغ، منذ أسابيع، ويتبادلون وجهات النظر حول تداعيات الملف، والسبيل الأمثل لتحقيق نوع من التقارب بين مختلف الأطراف، وتحديداً مع السعودية.
ويأتي ذلك تزامناً والضغوط التي تفرضها واشنطن منذ وصول الإدارة الجديدة للبيت الأبيض. وتعهد جو بايدن قبل تنصيبه أن يدفع نحو إنهاء الحرب في اليمن، وممارسة كل الضغوط الممكنة لتحقيق هذا الهدف.
وكشف الخبير بشؤون الشرق الأوسط، غيدو شتاينبرغ، من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمن في برلين في تصريح نقلته المواقع الألمانية: «خسرت السعودية الحرب في اليمن – ويرجع ذلك أساساً إلى أن حكومة بايدن أوضحت أنها لم تعد تدعم الإجراءات السعودية هناك» لذلك يجب على السعوديين ضمان تخفيف حدة التوتر في اليمن. ونتيجة لهجوم الحوثيين على مأرب، قد تفقد القوات الموالية للسعودية – وخاصة الحكومة المعترف بها دولياً – واحدة من آخر مناطقها المهمة من الناحية الاستراتيجية. مع تقدمهم ومن خلال قرار بايدن، يرى المتمردون الحوثيون أنفسهم الآن في موقع قوة – ويمكنهم التكهن بأن خصومهم في الحرب سينسحبون وهم خاسرون. وستكون إيران سعيدة أيضاً برؤية عدوتها، السعودية، تنهزم.
وحتى الآن لا تظهر المؤشرات مآل الوضع في اليمن وموازين القوى تتجه نحو أي اتجاه، لكن المؤشرات الرئيسية تعتبر أن الوضع الميداني يزداد تردياً.
وتجمع التقارير الأممية وتصريحات مسؤولي المنظمات الدولية، على أن الوضع الإنساني في اليمن يزداد سوءاً، والأحوال تتردى أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً مع توالي عدد من الكوارث على البلد.
وتحدث مارك لوكوك، منسق الإغاثة في حالات الطوارئ ووكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، أمام أعضاء المجلس حول الوضع الإنساني في اليمن قائلاً إنه لا يزال يزداد سوءاً، مع حدوث موجة جديدة من إصابات كوفيد-19 ومجاعة واسعة النطاق تؤثر بالفعل على البلاد.
أسوء كارثة إنسانية
وأشارت توقعات بنزوح أكثر من 100 ألف شخص في غضون أشهر إذا استمر القتال في مأرب.
وحسب تحليل للأمم المتحدة للوضع في البلد، أشار الخبراء أن اليمن يظل أسوأ أزمة إنسانية، وأكبر عملية مساعدات للأمم المتحدة، حيث بلغت خطة الاستجابة الإنسانية لليمن 3.85 مليار دولار لمساعدة 16 مليون شخص هذا العام. وبحسب دوجاريك، حتى الآن تم تمويل ما نسبته 21 في المئة فقط من هذا المبلغ.
وأمام هذه التحديات قالت الأمم المتحدة أن الهدف الآن «إسكات البنادق في عموم اليمن».
وفي تقرير لخبراء الأمم المتحدة فإن عددا من المحن تكالبت دفعة واحدة على اليمن السعيد، ففي نفس الوقت الذي وصلت فيه جائحة كورونا في ربيع عام 2020 تعرضت البلاد أيضًا لفيضانات أثرت على أكثر من 100000 شخص وتركت آلاف الأشخاص بلا مأوى وأثرت على مخيمات النازحين. تزامن وصول كوفيد-19 مع موسم الأمطار في اليمن، والذي يجلب دائمًا احتمالية تفشي الكوليرا. وبدأ تفشي الكوليرا في عام 2019 خلال موسم الأمطار وكان ثاني أسوأ كارثة في تاريخ العالم؛ لا تزال غير خاضعة للسيطرة رسميا على الرغم من التحديات التي يفرضها الوضع الإنساني والصحي والسلامة في اليمن، مع تراجع التدابير والإجراءات الصحية وضعف الإمكانيات.
وينتظر اليمنيون بشغف اليوم الذي تتحقق فيه فعلياً نهاية الحرب المدمرة التي عاشوا فصولها المأساوية وأثرت على حياة كل إنسان، في بلد يصنف ضمن قائمة أفقر الدول في العالم.