الآداب والفنون الوسيلة الفعَّالة للخروج بأرواح وعقول البشر من عالم الواقع الجامد إلى عوالم أخرى، سواء أكانت تراجيدية أم كوميدية. وتحدث المعجزة عندما ينتقل القارئ إلى عوالم أخرى ويتماهى مع أشخاص لم تطأ أقدامهم أرض الواقع.
ومن وسائل الجذب في الأعمال الأدبية، اللجوء إلى أسلوب أدبي يعمل كإطار أساسي للرؤية الدرامية، فعلى سبيل المثال، عمد الكتَّاب الروس أمثال ليو تولستوي وفيودور ديستوفسكي وأنتون تشيخوف إلى استخدام «الواقعية» كإطار أساسي لجميع أعمالهم، لكن ما يميزها لون الواقعية المستخدمة في أعمالهم أنها قاتمة وصادمة، تصيب القارئ بالذعر، ترعبه بتفاصيل الواقع الجائرة. وبمرور السنين، أصبح للأسلوب الواقعي روافد عدَّة، إلى أن برز مصطلح «الواقعية السحرية» الذي لا يجذب فقط القُرَّاء، بل الكتَّاب أيضا، ويبحث عنها النقَّاد ليزيدوا من ثقل تحليل الأعمال.
وعلى الرغم من أن مصطلح «الواقعية السحرية» قدَّمه الناقد الفني الألماني فرانتز روه Franz Roh عام 1925، إلَّا أنه برز كحركة فنِّية في أربعينيات القرن العشرين في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي؛ حيث تلقَّفه العديد من الروايات ومن أشهرها «مئة عام من العزلة» One Hundred Years of Solitude (1967) للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز Gabriel Garcia Marquez، وغيرها من الأعمال التي أثرت الفكر العالمي.
وتُعنَى «الواقعية السحرية» بتصوير العالم الواقعي وكأن عالما من السحر أو الخيال يقبع داخله. لكن، من الممكن أيضا اعتبار اللمحات السحرية والخيالية أمرا معتادا؛ وأبرز شاهد هو حواديت الأطفال. وتماما كما في الحواديت، تعمل الواقعية السحرية على إزالة الحدود التي تفصل الواقع عن الحقيقة. ومن أهم خصائص الروايات التي تصنَّف على أنها تنتمي لتيار الواقعية السحرية أنها تدور في مكان حقيقي معروف، وحتى العناصر السحرية مثل التحدُّث للموتى أو التخاطب مع الجماد، فإنه يتم تقديمها وكأنها أمر مألوف. ومن أجل دفع القارئ ليصدق أن الملامح السحرية أمر معتاد، يعمد الكاتب إلى عدم تفسير سبب الظواهر، بل يتحدَّث عنها باقتضاب. ولإضافة المزيد من السحر للرواية، فإن هيكل السرد لا ينقسم إلى بداية ومنتصف ونهاية، فالحفاظ على عنصر السحر يتطلب عدم وضوح التفاصيل حتى لا يعي القارئ ما إذا كانت الأحداث سوف تتقدَّم، أم سيتوقَّف الحكي عند نقطة ما. ولهذا، كانت الأعمال التي تنتمي لتيار الواقعية السحرية وسيلة فعَّالة في نقد سلبيات المجتمع بأسلوب غير مباشر، خاصة إذا كان النقد موجها للسياسات والنخبة.
وعلى الرغم من الاستمتاع بجمال الصوت واللحن، يرتعد القارئ لما يتوقَّعه من عذاب مهين في انتظار «دوفرين» بعد فتح باب الغرفة. وتكرر الموقف نفسه عند لحظات الهرب والخوف في كل ثانية من الإخفاق أو الموت، تماما مثلما يشعر «دوفرين».
واستخدام تيار «الواقعية السحرية» بكثافة في أمريكا اللاتينية منذ أربعينيات القرن الماضي، لا يمكن أن ينفي أبدا استخدامها في أوروبا قبل هذا التاريخ، فقد استخدمها الكاتب التشيكي فرانتز كافكا Franz Kafka (1883-1924) في العديد من قصصه؛ مثل: «التحوُّل» Metamorphosis، و»فنان الجوع» Hunger Artist، والعديد من القصص الأخرى. ومن الملاحظ في استخدام كافكا للواقعية السحرية أنه يحوِّلها إلى عمل مخيف تعلق أصداؤه في ذاكرة القارئ، لخوفه من أن يلقى مصير الشخصية الرئيسية ذاته. وقد آثر كاتب روايات الرعب الأمريكي ستيفن كينغ Stephen King (1947) استخدام ذاك التيار في جميع رواياته؛ حتى يحيلها لتجربة نفسية مخيفة. والكاتب ستيفن كينغ الذي تحقق رواياته المرعبة المثيرة نجاحا كبيرا منذ سبعة عقود وحتى الآن، بدأ كتابة القصص المرعبة وهو لا يزال طفلا، بل نشر مواده في مجلات أدبية بمقابل مادي. ومجموع الكتب التي ألَّفها طوال مسيرته الأدبية أكثر من 70 كتابا، والمثير أن 30 كتابا منها، منذ طرحها وحتى الآن، تتصدر قائمة «الأكثر مبيعا» عالميا، وتلك ظاهرة لم ينعم بها كاتب قطّ.
وعلى عكس كبار الكتَّاب وميلهم لاستخدام أسلوب منمق ولغة معقَّدة، يعمد ستيفن كينغ إلى الكتابة بأسلوب سهل، عباراته بسيطة خالية من التعقيد، لدرجة أثارت هجوم النقَّاد عليه، فأشاعوا أن أعماله لا تتناسب وذائقتهم الأدبية، لكن كان للجمهور رأي آخر، فأسلوبه السهل البسيط يجتذب كل الفئات العمرية، وحتى رواياته تظهر فيها شخصيات من كل الأعمار، وكذلك حيوانات قد يكون لها دور مؤثِّر في سير الأحداث. ولتأصيل الشعور بالرعب، يدفع كينغ القارئ لاكتشاف الأحداث المريبة والشعور بالخوف من خلال التدرُّج في الوصف؛ فهو يصوِّر تجارب شعورية حقيقية يحاول أن يستكشف فيها أبطال الأعمال ظاهرة غريبة، ويحاولون تفسيرها ببراءة إلى أن يكتشف البطل أن وراء الحدث أمرا مخيفا، واستخدام الواقعية السحرية في هذا الشأن يزيد من جرعة الرعب في أي حدث. ويلاحظ أن جميع الشخصيات في روايات كينغ لها دور، حتى لو كانت هامشية. ولا يمكن للقارئ أن يحزر ما إذا كانت الشخصية سوف تستمر حتى نهاية العمل، أم يتم قتلها في السطور القليلة المقبلة. وقد لفت كينغ أنظار النقاد ودفعهم للإشادة بموهبته عندما نشر روايته القصيرة «ريتا هيوارث وسجن شاوشانك» Rita Hayworth and Shawshank Redemption (1982) التي تحولت إلى فيلم «وداعا شاوشانك» Shawshank Redemption الشهير الذي حقق، ولا يزال يحقق، نجاحا جماهيريا عالميا، منذ طرحه عام 1994. في هذا العمل الأدبي، يبرز كينغ فكرة الصبر والمثابرة كوسيلة للهرب من سجن مُشدد الحراسة. والرائع أن جميع الشخصيات ذات أبعاد نفسية عميقة، بما في ذلك الثانوية منها، لكنها تدفع القارئ للتعاطف معها، لدرجة محاولة رسم ماض لها وتوقُّع مستقبل لها، وكأنها شخصيات رئيسية، لكن الغريب، أن بطل الرواية «أندي دوفرين» الذي تدور حوله الأحداث لا يتعاطف القارئ معه؛ والسبب أن كينغ استطاع أن ينقل عذابه النفسي وفشله المتكرر ونجاحه، في نهاية الأمر، في الهرب والفوز بحياة جديدة إلى عقل القارئ.
رواية «ريتا هيوارث وسجن شاوشنك» تنتمي لفئة الرُّعب النفسي، الذي يدفع القارئ لتصوُّر نفسه مشاركا في العمل؛ فيخاف ويرتعد وتملؤه الشجاعة، حتى لو كان يتصنعها؛ تماما مثل الشخصية الرئيسية. ومن المواقف شديدة الرعب النفسي سطو «دوفرين» على غرفة الإذاعة وتشغيله لأوبرا كلاسيكية. وعلى الرغم من الاستمتاع بجمال الصوت واللحن، يرتعد القارئ لما يتوقَّعه من عذاب مهين في انتظار «دوفرين» بعد فتح باب الغرفة. وتكرر الموقف نفسه عند لحظات الهرب والخوف في كل ثانية من الإخفاق أو الموت، تماما مثلما يشعر «دوفرين». واستخدام الواقعية السحرية في تلك الرواية، مكَّن كينغ من نسج عالم أقرب إلى الحلم أو الحواديت، وتؤكِّد ذلك خاتمة الرواية التي تدور على شاطئ هادئ شبه معزول عن العالم.
الأعمال الأدبية التي يقبع الواقع المرير في جميع أحداثها، قد تتحوَّل إلى حلم مُرعب يفيض بهموم الإنسان. واستخدام الواقعية السحرية في الأعمال المُرعبة يحوِّلها لتجربة مريرة تسكن الوجدان وتبث الرعب في النفس إلى أمد قد يكون سرمديا.
كاتبة مصرية