إحراق كنيسة البشارة في الناصرة تذكير بخطورة التصادم بين الأديان ذات النزاع القومي
مؤشر لضرورة التعامل مع مشاعر الاجحاف عند العرب خصوصا بعد فوز حماسإحراق كنيسة البشارة في الناصرة تذكير بخطورة التصادم بين الأديان ذات النزاع القومي عندما ينجح رسم كاريكاتوري يسخر من النبي محمد في إحداث اضطرابات صاخبة في أرجاء المعمورة لتتمخض عن قتلي وجرحي، يتوجب الامتنان ـ لله وليس غيره بالطبع ـ بأن عملا استفزازيا بدائيا من عائلة غريبة الأطوار في كنيسة البشارة النصراوية انتهي بـ 26 جريحا باصابات طفيفة فقط.حادثة عشاء السبت في الناصرة عادت لتجسد درجة الاشتعال والتفجر الكامنة في تصادم ديانة مع اخري في ظل وجود نزاع قومي بين الديانتين. ليس في ذلك أي جديد: التاريخ البشري تبلور بدرجة كبيرة نتيجة للحروب الدينية التي كانت في بعضها دفاعا عن الدين ذاته، وفي البعض الآخر كان الدين وسيلة لتحقيق انجازات سياسية واقليمية. وانه لمن السخرية أن يعود الدين في مطلع القرن الواحد والعشرين الي تهديد سلامة الشعوب بعد أن حُشر في الزاوية التي يستحقها في العلاقات الدولية وفي تحديد مصير الشعوب كما يبدو للوهلة الاولي.عائلة حبيبي التي أفقدت الدولة والشرطة صوابهما أمس الاول، وأشعلت نارا مستطيرة في الناصرة، فعلت عملا محسوبا ومدروسا بالتأكيد بالرغم من غرابته: هذه العائلة اختارت مكانا مقدسا بصورة استثنائية بالنسبة للعالم المسيحي حتي تجتذب الأنظار لمطلبها. بذلك تكون قد سارت في أعقاب باروخ غولدشتاين الذي اختار الحرم الابراهيمي بالتحديد لتنفيذ مذبحته من بين كافة المواقع المحتلة الاخري. ومثله مايكل دينيس روهان الذي استهدف المسجد الاقصي للتنفيس عن جنونه، وكذلك الزوجان اللذان ألقيا برأس خنزير في مسجد يافا، والمجهولون الذين قاموا قبل مدة قريبة بكتابة شعارات مهينة علي مسجد بجانب رام الله، وكذلك الحال مع المتعصبين اليهود الذين يخططون للاعتداء علي المساجد في الحرم. الدين ليس مجرد أفيون للشعوب، وانما مخدر محفز إن لم يكن مُشعلا للحرائق من أدني العالم الي أقصاه.بفضل سلوك الشرطة الذكي وإسهام قادة الكنيسة والبلدية في الناصرة بصورة مسؤولة انتهت الحادثة بهدوء نسبي، ولكن ليس من الممكن تجاهل حقيقة أن مسافة قصيرة جدا تفصل بين انتهاء ردود الفعل وبين انزلاقها نحو دوامة الغرائز التي لا تعرف الحدود. ضحايا الاعتداء ـ سكان الناصرة وقادتهم ـ اعتبروا ما حدث هجمة مُدبرة من اجل المساس بهم. حتي المعتدلون من القادة اعتبروا الحادث ثمرة فاسدة للسياسة الحكومية المجحفة بحق الأقلية العربية. الاغلبية اليهودية في المقابل اعتبرت تصرف عائلة حبيبي في كنيسة البشارة عملا قام به اشخاص كادحون، إن لم يكونوا مضطربين نفسيا ذوي دوافع شخصية بحتة، ولا علاقة له البتة بالصراع الاسرائيلي ـ العربي. هذا مؤشر علي أن الآراء المسبقة المتبادلة عند الطرفين والقائمة في جذور كل النزاعات، قد طفت علي السطح عشية السبت.من الممكن الاشارة الي عدة دروس مستفادة مباشرة من هذا الحدث ـ علي سبيل المثال وضع حراسة ناجحة علي مداخل الاماكن المقدسة الهامة للأديان الثلاثة، أو توطيد العلاقة بين قيادة الشرطة والقيادات المحلية الدينية، وتحديد اجراءات مشتركة لمعالجة الاوضاع الأزماتية المشابهة. إلا أن المشكلة أن هذه التوصيات المستفادة من الحدث تُقرأ مثل الشعارات. عندما يتم اختيار موقع ديني ليكون ساحة احتجاج أو عمل انتقامي، فان هناك احتمالية عالية بأن تكون السيطرة علي النتائج صعبة جدا ـ والدليل علي ذلك أحداث العراق الأخيرة بعد تفجير المسجد في سامراء.وبالرغم من ذلك، يتوجب علي الحكومة أن تتعلم درسا واحدا من حادثة الناصرة: مشاعر الاجحاف العميقة في الوسط العربي هي أرضية خصبة لاندلاع مشاعر العداء والاحباط في الاوضاع الازماتية وفي الصراعات التي تصيب العصب الديني بصورة خاصة. الحكومة التي لا تسارع الي إزالة التفرقة وتحسين شعور عرب اسرائيل بالمواطنة، انما تضعف بيديها قدرتها علي إطفاء لهيب الازمات نتيجة للتصادمات علي المفترقات الدينية. هذا التشخيص هام بصورة خاصة في مطلع الفترة التي صعدت فيها حماس الي الحكم لتزيد بذلك من احتمالية التصادم علي خلفية دينية بين اليهود والعرب.عوزي بنزيمانكاتب رئيس في الصحيفة(هآرتس) 5/3/2006