بغداد ـ «القدس العربي»: تتوالى الإحصائيات الرسمية الحكومية عن تدهور متواصل لأوضاع الأسرة العراقية في شتى المجالات، لتطلق جرس الإنذار عن مستوى الانهيار وسط إهمال حكومي غريب وعجز عن إيقاف هذا التدهور.
وفي آخر إحصائية أصدرها مجلس القضاء الأعلى عن حالات الزواج والطلاق في العراق خلال شهر آب/أغسطس الماضي، أكدت وقوع 200 حالة طلاق يوميا في محافظات العراق عدا محافظات إقليم كردستان العراق.
ووفق الإحصائية الجديدة، فإن محاكم العراق شهدت تسجيل 14840 عقد زواج، و4577 تصديق عقود زواج واقعة خارج المحكمة، مقابل 4888 حالة تصديق طلاق خارجي، و2085 حالة تفريق بحكم قضائي.
وحسب إحصائيات مجلس القضاء كانت حالات الطلاق في شهر تموز/يوليو 5808 حالة في المحافظات،
فيما سجلت محاكم العراق 5880 حالة طلاق خلال حزيران/يونيو الماضي، وخلال شهر أيار/مايو الماضي، سجلت أكثر من 6700 حالة طلاق، فيما تجاوزت حالات الطلاق خلال نيسان/أبريل 4600 حالة. أما خلال الربع الأول من العام 2023 فقد بلغت حالات الطلاق تسع حالات في كل ساعة واحدة.
المركز الإستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق (منظمة مستقلة) أعلن في بيان إن «عدد حالات الطلاق في الربع الأول من عام 2023 بلغ 19 ألفا و19 حالة» وهو معدل يشير إلى تسع حالات طلاق بالساعة الواحدة، وفقا لإحصاءات مجلس القضاء الأعلى. وسجل العراق، خلال العام 2022 نحو 70 ألف حالة طلاق، وبمعدل وسطي يصل إلى قرابة 200 حالة يوميا.
ويرى عمار الزبيدي رئيس منظمة «الأمل» الاجتماعية في تصريح لـ«القدس العربي» ان ارتفاع حالات الطلاق في العراق في السنوات الأخيرة يعود إلى عدة أسباب أبرزها الوضع الاقتصادي المتدهور للبلد، وانتشار البطالة التي تعد من العوامل التي ساهمت وبقوة في ازدياد حالات الطلاق، فضلاً عن وجود حالات كثيرة لزواج الأعمار الصغيرة التي لا يدرك أصحابها حجم مسؤولية الزواج، والاستخدام الخاطئ لمواقع التواصل الاجتماعي.
وأشار الزبيدي إلى تأثير عوامل أخرى في الطلاق منها النزوح القسري من المدن أو لجوء العائلات الفقيرة إلى تزويج بناتهم بشكل عشوائي وغير متكافئ إلى أشخاص أغنياء بسبب الحاجة المالية وللتخلص من أعباء بعض أفراد الأسرة.
ولم تكن أوضاع الأسرة وعلاقات الأفراد فيما بينهم بعيدة عن تفشي العنف في المجتمع منذ عام 2003.
فقد أحصت وزارة الداخلية نسب حالات العنف في العراق على اختلاف أشكالها، والتي تبلغ يوميا نحو 100 حالة في العاصمة بغداد فقط، حيث أكد عدنان حمود سلمان، مدير مديرية حماية الأسرة والطفل من العنف الأسري في وزارة الداخلية، أن «المديرية تستقبل شكاوى العنف الأسري من جميع أنحاء البلاد عبر الخط الساخن رقم 139».
وقال سلمان في تصريحات صحافية إن «معدل حالات اعتداء الزوج على الزوجة ضمن ظاهرة العنف الأسري في البلاد بلغ 57 في المئة من إجمالي الحالات، أما اعتداء الزوجة على الزوج فقد بلغت نسبته 17 في المئة واعتداء الأبوين على الأطفال وصلت نسبته إلى 6 في المئة والاعتداء على كبار السن كالجد والجدة بلغ 2 في المئة وما تبقى ونسبته 18 في المئة يتنوع ما بين ما ذكرناه أعلاه بارتفاع وانخفاض وكذلك اعتداء إخوة على إخوتهم وأخواتهم أو العنف اللفظي». وأضاف، أن «المديرية تمتلك 16 قسما لحماية الإنسان موزعة على المحافظات كافة بينهما اثنان في جانبي الكرخ والرصافة يسجلان معدلاً يومياً بأكثر من 90 دعوة وتفرز بحسب نوع العنف».
ومن حالات العنف الأسري ما كشفته أم مطلقة في محافظة كركوك، عن قيام طليقها وزوجته بقتل أحد أطفالها وتعنيف الاثنين الآخرين بمنطقة الدبس. وقالت الأم في لقاء تلفزيوني تابعته «القدس العربي» إن «طليقها وزوجته قاما بتعنيف أطفالها الثلاثة بعد اختطافهم وهم صغار، ما تسبب بوفاة أحدهم بعد ما تم قطع إصبعه، وإصابة الآخر بكسر في حوضه وتشويه الثالث». مشيرة إلى ان «زوجة الأب كانت تقوم بضربهم بآلات صلبة وقامت بقطع لسان أحدهم وإصبعه، مما ادى إلى وفاته ورقود الإثنين الآخرين بردهة الإنعاش وإصاباتهم بليغة». وأضافت، انه «تم إقامة دعوى قضائية بحق الأب وزوجته في محكمة استئناف بابل وتم إصدار حكم بالحبس البسيط لمدة سنة واحدة» إلا ان «والد الأطفال لم يودع الحبس بسبب علاقاته الخاصة ولديه جهات (سياسية) تدعمه».
تفشي الانتحار
وفي صورة أخرى لتدهور أوضاع الأسرة، احتل العراق المركز الخامس عربيا بعدد حالات الانتحار وفق منظمة الصحة العالمية، حيث تجاوز عدد حالات الانتحار الألف حالة خلال عام 2023 وهو رقم كبير جدا مقارنة بالسنوات الماضية.
وكان عضو مفوضية حقوق الإنسان علي البياتي، أعلن في تصريح سابق، أن «العراق سجل منذ عام 2003 إلى 2014 نحو 3.6 في المئة حالات انتحار لكل 100 ألف نسمة، ولكن الارقام ارتفعت بعد 2014 إلى 4.2 في المئة لكل 100 ألف نسمة، ومن ثم تقلص العدد إلى أن وصل 3.8 في المئة في عام 2019 ثم ارتفعت النسبة من جديد نتيجة المتغيرات التي حدثت». وأضاف أن «العراق يسجل سنوياً ما يقارب 600-700 حالة انتحار، وحسب المعدلات العالمية أن لكل حالة انتحار يقابلها 2 محاولة انتحار فاشلة».
وتتصاعد حالات الانتحار خصوصا بين شريحة الشباب، وفيما عزا مختصون ذلك إلى انعكاسات الوضع غير المستقر في البلد والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، دعوا الحكومة إلى وضع الحلول لهذه الظاهرة الخطيرة.
بيع الأطفال
وتتعاظم في المجتمع العراقي في الآونة الأخيرة ظاهرة بيع الأطفال للحصول على المال في ما تسمى بتجارة البشر. واعتاد العراقيون هذه الأيام، سماع الأخبار التي تصدرها وزارة الداخلية عن إلقاء القبض على رجال أو نساء أثناء قيامهم ببيع أطفالهم بأعمار مختلفة من أجل الحصول على المال. وتتراوح قيمة الأطفال بين عشرة آلاف وعشرين ألف دولار. حيث يتم استغلال الأطفال في عمليات التسول أو العمل في البيوت أو في الملاهي الليلية أو الدعارة وغيرها.
وفي السياق شهد العراق ارتفاعاً غير مسبوق بمعدلات الجرائم الإلكترونية، لاسيما الابتزاز. وجاء في بيان الشرطة المجتمعية، أنها «أوقفت 45 حالة ابتزاز إلكتروني وعنف أسري، وأعادت 9 أشخاص هاربين إلى ذويهم خلال العشرة أيام المنصرمة». وأضاف: «بلغت مجموع حالات الابتزاز التي تم إيقافها خلال العشرة أيام المنصرمة 14 حالة، فيما بلغت حالات التعنيف الأسري لنفس الفترة 31 حالة».
ونظرا لعزوف الضحايا عن التبليغ عن حالات الابتزاز فقد أوصت وزارة الداخلية، بضرورة التبليغ عن عصابات الابتزاز الإلكتروني، مشددة على «عدم الرضوخ إلى المبتزين ومساعدة القوات الأمنية في إلقاء القبض عليهم وإحالتهم للقضاء». وأشارت الإحصائيات الرسمية إلى ان عام 2022 شهد وقوع 1950 حالة ابتزاز إلكتروني معظم ضحاياه من النساء والفتيات.
ويؤكد المختصون الاجتماعيون أن التدهور الواسع الذي شمل كل مناحي الحياة في العراق منذ 2003 امتد إلى الأسرة، حيث تركت الأزمات والمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة، أثرا واضحا على المجتمع لأسباب أبرزها تزايد الفقر والبطالة وانعدام الأمل بوجود تغيير إيجابي، وانتشار المخدرات مع وجود الأزمات السياسية المزمنة في البلاد وصراع القوى السياسية على السلطة ومغرياتها بعيدا عن حاجات المجتمع، بل واستخدام العنف والملاحقة ضد الناشطين والجمهور المطالب بتحسين الأوضاع ومحاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية وحرية الرأي، إضافة إلى معالجة النقص الحاد في الخدمات الأساسية، ووقوف الحكومة بموقف العاجز عن معالجة مشاكل المجتمع.