رام الله ـ «القدس العربي»: أحد أبرز الشعارات الفلسطينية التي علقت على الميادين الرئيسية في مدينتي رام والله والبيرة كان نصها يقول: «الاعتراف بالنكبة واجب دولي لتحقيق العدالة الدولية».
ولوهلة أولى يبدو أن هذا الشعار السياسي الذي يتضمن مطالب فلسطينية معقولا ومنطقيا، وذلك في حال تم تناوله بمعزل عما يخفيه. فيما التعمق في ذلك يشير ويدلل على خلل كبير في شعار مركزي يستبطن مأزقا فلسطينيا في التعاطي مع النكبة الفلسطينية، فأحد أبرز التأويلات فيما يخفيه هذا الشعار الرسمي هو أننا بحاجة للغرب من أجل الاعتراف بوقوع النكبة التي يفترض أننا ما زلنا نعاني ليس من تبعاتها إنما من استمرارها كحدث مفصلي في تاريخ الشعب الفلسطيني.
أما النقطة الثانية التي يثيرها الشعار فهي ترتبط بمفهوم العدالة الدولية، وهو مطلب يفترض فعليا وجود هذا النوع من العدالة بعد مرور 75 عاما على تجربة اللجوء الأولى، فعن أي عدالة دولية نتحدث؟ فيما هناك دول كبرى في العالم مثل: أمريكا، وكندا، وبريطانيا، ما زالت حتى اللحظة تحارب هذه الذكرى؟
وبالخلاصة فإن أكثر الشعارات والخطابات الفلسطينية عكست حالة من الانتظار مطالبة بالاعتراف بما تعرضنا له، وهو ما يشي إلى أنه ليس لدينا وكالة على ذاتنا وبحاجة للعالم من أجل الاعتراف بالنكبة، وهو ما يجعل الاحتفال بإحياء ذكرى النكبة 75 أكبر تجسيد لمعنى النكبة الحقيقي وتحديدا في كيف ينظر الفلسطيني لنكبته.
وحسب دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية فإن فعاليات هذا العام لإحياء النكبة انطلقت قبل أسبوعين من الذكرى، من خلال مجموعة من المعارض المصورة والصور الفوتوغرافية إلى حملة التدوين الإلكتروني. فيما انطلق المهرجان المركزي من ضريح الشهيد ياسر عرفات حيث وضعت عليه الأكاليل، ومن ثم سارت الوفود إلى المهرجان المركزي وسط المدينة.
وبوضوح كان يمكن رؤية أن فعالية الإحياء هذا العام رغم حشدها لجماهير محسوبة على منظمة التحرير الفلسطينية وعبر تجميع موظفي المؤسسات الفلسطينية والوزارات الرسمية وحشدهم في مدينة رام الله إلا أنها بقيت قاصرة وتقليدية وغير قادرة على تحشيد قطاعات عريضة من الجماهير الفلسطينية.
من جانبه يرى الدكتور والباحث خالد عودة الله بالمظاهر الرسمية لإحياء ذكرى النكبة بإنها أصبحت مستهلكة وأفرغت النكبة من معناها كمعنى نضالي، وليس فقط كمعنى تأبيني أو كمعنى إحياء الذاكرة.
وقال عودة الله في حديث صحافي أنه من الضروري دائمًا ربط النكبة بما يجري من أحداث، فلا يمكن الحديث عن النكبة من دون ربط ذلك بما شهده قطاع غزة خلال المواجهة الأخيرة.
ويشدد على ضرورة أن تكون النكبة جزءا من الحاضر وليس حدثًا في الماضي نعود إليه لإحيائه بطريقة كرنفالية أفرغته من معناه النضالي.
وأكد على ضرورة الحفاظ على بُعد جماهيري حقيقي لهذه الفعاليات، بحيث لا تتم بطريقة مفصولة عن الناس وآلامها وقضاياها.
واعتبر أن كل القضايا الفلسطينية يمكن وضعها تحت مفهوم إحياء النكبة، والاستفادة من الدرس التاريخي للنكبة والذي كانت فيه الكثير من الدروس التي لا يتم التطرق إليها في عملية الإحياء، حيث يقابل ذلك المطلب من يريد أن يحول المسألة إلى بكائية ومجموعة من الشعارات الفارغة التي لا معنى لها.
والحديث السابق للباحث المقدسي عودة الله يشير إلى أنه أضحت هناك حاجة لإعادة إحياء مفهوم النكبة بشكل حقيقي وسياسي، من خلال ربط الاحتفال بالممارسة السياسية الحاضرة، وليس تحويل النكبة إلى مفهوم وفعالية أو مناسبة وكأنها منزوعة عن الحاضر أو عما يجري في الساحة الفلسطينية من أحداث.
فعل النكبة المتجدد أصبح ماثلا للعيان
ويشير الحديث السابق إلى إشكالية ماثلة أمام النكبة من ناحية كونها حدثا مستمرا، فهي حسب المؤرخ الفلسطيني صالح عبد الجواد تتجاوز مصطلحي «التطهير العرقي» و«الهجرة القسرية» فهما لفظان لا يكفيان للتعبير عن فظاعة وهول ما جرى. كما أنّ النكبة لم تتوقف منذ وقعت يوماً واحداً، فهي ليست حدثاً انقضى، بل عملية تاريخية مُستمرة ومُمنهجة في محاولة تدمير مجتمع كامل، وإلغائه بشكلٍ شامل. والغاية تحويل الشعب الفلسطيني، كما قال ديفيد بن غوريون، إلى «غبار تحت أقدام الأمم». وبهذا المعنى، فإنّ النكبة تعبيرٌ عن خللٍ بُنيويّ قائم على صعيد المجتمع العربي والمنطقة والنظام العالمي.
ورغم أن الرؤية ليست جديدة على مستوى الرؤية الفلسطينية العميقة للحدث التكويني والفارق في تاريخ الشعب الفلسطيني، إلا أنها هذه العام اكتسبت خصوصية وفرادة لا على مستوى إحياء الذكرى في الأمم المتحدة رغم أهمية ذلك وتأخره، إنما على مستوى أن فعل النكبة المتجدد أصبح ماثلا للعيان بفعل سياسات الاحتلال وحكومته اليمينية المتطرفة التي يبدو أنها أقرب إلى ذات الممارسات التي دفعت لتهجير الفلسطينيين.
وكانت صحيفة «هآرتس» العبرية قد كشفت أنّ وزير المالية الإسرائيلي والوزير المسؤول عن ملف تطوير الاستيطان في وزارة جيش الاحتلال، بتسلئيل سموتريتش، أصدر تعليمات إلى ممثلي الوزارات في حكومة الاحتلال بالاستعداد لاستقبال نصف مليون مستوطن إضافي في الضفة الغربية من دون القدس المحتلة.
ولا يعني هذا الإجراء الاحتلالي الاستيطاني إلا المزيد من ممارسات النكبة بحق الفلسطينيين في عموم الضفة الغربية، وهي ممارسات لا يمكن النظر إليها بمعزل عن استمرار الاستيطان وفشل أو غياب للفعل الفلسطيني المقاوم للوقوف أمام ذلك.
كما لا يمكن الفصل بين إحياء النكبة بصفتها حدثا مستمرا وبين مسيرة الأعلام يوم الخميس الماضي حيث تمت إعادة احتلال مدينة القدس في مظهر جديد من مظاهر السيادة على المدينة.
والمسيرة التي تعتبر أكبر تظاهرة عنصرية، أطلقت خلالها هتافات تنادي بالموت للعرب بكل ما تعنيه من تنفيذ نكبة ثانية بحقنا، وتتغنى بتفوق وحصرية الحقوق السياسية والدينية بجماعة عرقية ودينية واحدة على حساب سكان البلاد الأصليين.
وقائع الميدان في الضفة الغربية تحمل رسالة مفادها أن كل أسباب النكبة ما زالت قائمة، فيما المؤكد أن الخطاب السياسي الفلسطيني القائم على مفردة «احمونا» سيبقى عاجزا عن مواجهة المخاطر التي يعيشها الفلسطيني في ظل أنه لا يمتلك مقومات ترجمته، فأي خطاب سياسي أو فعالية احتفالية تستمد قوتها مما يحدث على الأرض.