بسام البدارينليس من حقي أو من حق غيري وتحت أي عنوان الكشف عن مضمون اي حديث من أي نوع جمعني برجل توفي للتو لأغراض سياسية بدائية أو وطنية مزعومة تجاوزها الموت كحقيقة أقوى من الجميع.وليس من حقي إستعمال أو إستخدام أو توظيف أو حتى {تسييس} كلمات أو مواقف هنا وهناك سمعتها أو حصلت أمامي مع شاعر كبير ومرهف بحجم الراحل حبيب الزيودي تحت أي ذريعة من أي نوع. الموت الحقيقة المطلقة الأولى في حياتنا وعلينا كبشر إحترامه والتعامل معه بالتقدير الذي يليق به فتلك أول مبادىء القيم الأخلاقية وأول لافتة تذكرنا شخصيا بأننا بشر أكرمهم الخالق وميزهم عن الضباع والحيوانات. يمكنني ويمكن لغيري من أصدقاء الراحل الذي فجعنا به وخطفه الموت شابا عذبا أن نتذكر فقط {محاسن موتانا} بدون رتوش وإضافات وحتى بدون صحافة وتقولات وتكهنات وأفلام وتحت العنوان الإنساني فقط…هذه المحاسن وخصوصا في حالة شاعرنا الراحل كثيرة ومن الصعب إحصائها أما نحن فبعد موته لسنا مؤهلين إلا لمناقشة النص وليس الحكم على الإنطباعات والمواقف وممارسة العبث الرخيص بضمير رجل توفاه ألله وترك في مساحتنا الأردنية فراغا كبيرا قد نفشل في معالجته لعقود.ما لم يوثقه الراحل شخصيا بخط يده أو بأي من وسائل التوثيق ينبغي أن يدفن معه والإيمان الحقيقي بالعبارة الشعرية المرهفة لراحل من حجم الزيودي ينبغي أن توقفنا جميعا نحن معشر من ندعي أننا أصدقاء له عند محطة واحدة وحصريا هي قراءة قصائده الجميلة بين اولادنا وتكريمه بأختيار أنبل وأجمل ما في شعره وتداول المعاني والدلالات العميقة بدلا من الغرق البائس المخجل في {تقويل } رجل لم يعد الان يستطيع التعليق ما لم ينقل أو يقال عنه.الزيودي شاعر حساس للغاية وكغيره من عمالقة النص والقصيدة يمكن إستنباط عشرات الشخصيات منه، وهو مثلنا تماما عبارة عن مجموعة قطع متزاحمة تتناثر أحيانا وتتجاذب احيانا أخرى.له نزوات مكنتنا من قراءة أرشق وأجمل النصوص وعنده إنفعالات لا نستطيع فهمها ولكن تعاملنا مع نتائجها عبر نصوص شعرية يقرأها أولادنا في مناهجهم الدراسية.وليس من الإنصاف إطلاقا ترك كل نصوصه الجميلة التي يغنيها أولادنا في المدارس والتمسك بمقوله هنا او عبارة هناك قالها الرجل لنا حصريا في جلسة ما أو ظرف ما حتى نحاول تضليل الناس وإيهامهم بأننا كنا في الحلقة الأقرب لسر الراحل الفقيد. ما يحق لنا أن نكتبه هو فقط ما ورد في نصوص الرجل الموثقة وليس ما قاله لنا بصفة شخصية ..ذلك أنفع للوطن وأنبل في إحترام حقيقة الغياب والموت خصوصا إذا تعلق الأمر بمواقف فكرية او سياسية من قضايا جدلية. وما يتوجب علينا إبلاغه للناس بعد رحيل الرجل وغيابه هو حصريا مظاهر ومؤشرات النبل الشديد في روحه وشخصيته وعبارته رحمه ألله دون تسييس أو إختطاف يصلح للعصابات وليس لمن يحبون حبيب أو يفتقدونه فعلا. الزيودي شاعر جدلي ومثقف متنوع ومتعدد ومن المعيب تماما تحويل عبارات قالها الرجل يوما أو مواقف صدرت عنه خلف الكواليس إلى حقائق تنشر للناس على شكل مقالات تدعي الحقيقة.رمزية الشاعر الراحل تتجاوز جغرافيا الأردن وفلسطين وحتى المنطقة وهي رمزية لا يمكن تسجيلها لصالح أي حركة أو حزب او مجموعة أو منطقة أو منطق.ومن غير اللائق إطلاقا التجسس على نصوص الراحل وأن نعيد إنتاج مجاملاته لنا وننتقي منها ما يصلح فقط لأفكارنا السامة وبطريقة تثير الشفقة ولا تنطوي على أي معنى أو نبل ولا يمكنها أن تكون منتجة او مفيدة لأحد.لعله القدر ساق لي شخصيا فرصة التواصل الكثيف مع حبيب الزيودي خلال الأشهر الثلاثة التي سبقت رحيله فقد قابلته عشرات المرات وأختيلت به كثيرا في قريته الوادعة {العالوك} مرة بوجود أصدقاء أخرين وشهود ومرة بدونهم .قرأنا الشعر معا وسمعت منه عشرات الحكايات والأسرار والتحولات والمواقف وكتبنا معا عدة نصوص لا زلت أحتفظ بأوراق بعضها وخلال هذه الأشهر تحاثدنا هاتفيا عشرات المرات وبصفة يومية فالرجل أحاطه سؤال محدد قرر ان يسعى للإجابة معه بمعيتي كما كان يقول…إتفقنا وإختلفنا وظهر إسمه بتقريري ومقالاتي عدة مرات مؤخرا ..يحق لي فقط الكتابة عن نبل الزيودي وأخلاقه وكرمه كما عايشته ولا يحق لي إطلاقا إختطاف الرجل لإتجاهي في التفكير والسياسة إحتراما لذاتي وللموت وللرحيل فالزيودي عاش للجميع ولا يمثل قبيلة ولا عشيرة ولا قطعة من الجغرافيا ..كان كذلك وينبغي أن نسمح له بالرحيل بنفس الهيئة بعيدا عن حساباتنا الضيفة السقيمة.طلب مني عشرات المرات إحضار أصدقائي إلى منزله الجبلي في قرية العالوك وأصر على مصالحتي مع شخصية سياسية مهمة دعاها للعشاء وجلس بيننا وبين المدعوين صامتا يرحب بالضيوف كما يفعل أكرم البشر وأرفعهم خلقا علما بأنه سيد الكلمة والعبارة في الأردن. تحدثنا قبل ساعات فقط من رحيله وتعانقنا قبل ثلاثة أيام من الرحيل في مناسبة عامة وطلب مني الجلوس إلى جانبه مع هاني البدري في مأدبة ملكية عملاقة لكن الحشود بلعتني وبلعته ..كان يلح على شيء ما ليس من حقي الأن كشفه ما دام لم يفعل قبل الفراق. سمعت منه مباشرة وعلى مدار ثلاثة أشهر فقط عشرات القصص والحكايات وقدم لي بعض الأسرار فهو خبير في الحالة الأردنية وفي النخب والدولة وأجهزتها وإئتمني على مشروع شخصي بحت والرجل لم يكن أكثر من مواطن بسيط يبحث عن الحقيقة.. توفي وهو يفعل ذلك. بصراحة خسرت سنوات من عمري بدون حبيب الزيودي وفاتت سنوات وهو يلح علي للتلاقي وفعلنا قبل اسابيع فقط فزودني بنصه الجميل المدهش المليء بالوطنية الذي نشرته ‘القدس العربي’. القصيدة جزء من الشاعر ولها سياق وظرف ولادة وليس من حق أحد أن يلوكها أو يسجلها دون علم صاحبها ويخطفها ويسرقها ثم يعود بمنتهى الخفة للحكم على صاحبها الراحل وعلى شعره ومواقفه بناء على قصيدة واحدة فحبيب سياق كامل بحد ذاته. رحل حبيب فلترحل أسرارنا الشخصية معه ولتبق فينا نصوصه فقط.’ مدير مكتب ‘القدس العربي’ في الاردن