إخفاق جديد للدبلوماسية العراقية في مؤتمر القمة العربية

مصطفى العبيدي
حجم الخط
2

بغداد ـ «القدس العربي»: كشفت مقررات القمة العربية الأخيرة في تونس عن إخفاق جديد للدبلوماسية العراقية، من خلال فشلها في فرض رؤيتها أو انتزاع ثقة الدول العربية وسط انتقادات محلية للعقلية التي تقود العملية السياسية وتدير ملف العلاقات العراقية العربية.
فقد أظهر بيان القمة العربية، اهتماما بالعملية السياسية الجارية في العراق وملف المصالحة الوطنية، رغم انهما شأن سياسي داخلي، ورغم ادعاء الحكومة العراقية حصول تغييرات إيجابية في هذا الصدد، مما يؤشر إلى استمرار القلق العربي من الأوضاع المضطربة في العراق منذ الاحتلال الأمريكي.
وتابع معظم الباحثين ووسائل الإعلام العراقية، كلمات المشاركين في مؤتمر قمة تونس والمقررات الناجمة عنها بالقلق وعدم الارتياح، جراء استمرار النظرة الرسمية العربية للعملية السياسية في العراق وما تحمله من ثغرات في إطار العلاقة بين مكونات البلد وغياب العدالة في إدارة السلطة وتوزيع الموارد، إضافة إلى النظرة العربية المفعمة بالقلق تجاه طبيعة علاقة القوى السياسية العراقية مع إيران.
وعدا بعض المواقف المحدودة خلال القمة، المؤيدة للعراق مثل إظهار الدعم والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب ورعاية النازحين والرغبة في المساهمة في إعادة الإعمار في المدن المدمرة والاستثمار وإعادة جدولة الديون العربية على العراق، اعتبر أغلب المراقبين أن الدبلوماسية العراقية فشلت في العديد من الملفات في القمة، أبرزها الفشل في منع تضمين بيانها، القلق من العملية السياسية والمصالحة الوطنية في العراق، وعدم تمكن الوفد العراقي من إقناع القادة العرب بتغيير موقفهم من عزل النظام السوري عن الجامعة العربية واستمرار حرمانه من المساعدات ما لم يلتزم بخطط السلام العربية والدولية ومراعاته مطالب المعارضة السورية، إضافة إلى عجز الوفد العراقي، عن منع أكبر محفل رسمي عربي من توجيه الانتقادات القوية للتدخلات الإيرانية في شؤون العديد من الدول العربية وتحميل طهران مسؤولية تعميق الأزمات العربية وزرع الطائفية ودعم الميليشيات المسلحة، والتي عدها المؤتمر «انتهاكا لقواعد القانون الدولي ولمبدأ حسن الجوار وسيادة الدول».
ولم تفلح محاولات حكومة بغداد زج الإغراءات الاقتصادية في العلاقات العراقية العربية، وهو ما حصل مع الأردن ومصر، كما أخفقت الإشارات التي أرسلها مسؤولون عراقيون في تطمين القادة العرب ومنها تأكد رئيس الجمهورية برهم صالح في كلمته أمام القادة العرب، ان «العراق يطمح إلى دور واعد ليكون نقطة لقاء لا نزاع» مشدداً على «اننا لن نكون طرفاً في أي محور، ولن نكون منطلقاً لإيذاء جيراننا».
وضمن السياق جاء سكوت الوفد العراقي على انتقادات القمة للدور الإيراني في أزمات المنطقة العربية. ولنا أن نتخيل حجم الإحراج الذي كان عليه الوفد العراقي المشارك في القمة وهو يستمع إلى كلمات القادة العرب التي وجهت انتقادات لاذعة للتدخلات الإيرانية في شؤون الدول العربية، دون أن يتمكن من الدفاع عن حليفه الأقرب.
وفي المقابل، أقر مسؤولون عراقيون بالقلق العربي من عمق العلاقة بين حكومة بغداد وطهران وتأثير ذلك على مستوى العلاقات العراقية العربية، ومن ذلك تحذير زعيم ائتلاف الوطنية، اياد علاوي، في لقاء تلفزيوني، من أن الاتفاقات التي توصل إليها الرئيس الإيراني حسن روحاني خلال زيارته الأخيرة إلى بغداد، ستضر بمصالح العراق وتضعه في مواجهة عقوبات أمريكا وحلفائها من دول المنطقة، مؤكدا ان إيران «تتدخل في لبنان وسوريا والعراق وحتى فلسطين ولن تستطيع الاستمرار بهذا السلوك». بينما أقر نائب رئيس الوزراء السابق بهاء الأعرجي أننا «لا نملك موقفاً وطنياً عراقياً، وأصبح التصريح والتعبير عن مواقفنا جغرافياً، فهو مختلف عما لو كنا في العراق أو زرنا الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو كنا في الولايات المتحدة الأمريكية».
وليست مصادفة أن تجتمع اللجنة العربية المعنية بالتدخلات الإيرانية (على مستوى الوزراء) قبل بدء أعمال القمة العربية، لتعبر في بيانها عن «القلق البالغ إزاء ما تقوم به إيران من تأجيج مذهبي وطائفي في الدول العربية، بما في ذلك دعمها وتسليحها للميليشيات الإرهابية في بعض الدول العربية، وما ينتج عن ذلك من فوضى وعدم استقرار في المنطقة يهدد الأمن القومي العربي» ولتؤكد بذلك ثبات الموقف العربي إزاء التجاوزات الإيرانية.
ويقينا أن محاولات بغداد، الانفتاح على المحيط العربي والزج بالقضايا الاقتصادية في العلاقات العراقية العربية، لم تفلح في التأثير على مواقف الشك والريبة وعدم الارتياح لدى الدول العربية من العملية السياسية والمصالحة الوطنية، لأن مخاوف العرب من نتائج العملية السياسية في العراق وتحالفات بغداد، لم تأتِ من فراغ بل لها ما يبررها على أرض الواقع.
وليس بخاف على الدول العربية، أن عقلية أغلب القيادات السياسية العراقية، وخاصة الشيعية منها التي تنحصر السلطات الحقيقية في يدها، روجت لسنوات عديدة في الشارع العراقي، بأن إيران تدعم العراق بينما الدول العربية تدعم الإرهاب، كما أن تلك القوى تسعى لانفتاح العراق بشكل كامل على إيران في كل المجالات وفي المقابل ترغب في جعل علاقات العراق العربية محدودة ومرحلية، وهذا الوضع بالتأكيد سيلقي بظلاله على العلاقات العراقية العربية لحين حصول تغيير ملموس على الواقع العراقي الحالي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية