من الملاحظات المهمة حول السرد والساردين، يتجلّى نوعان من الساردين لنا، الأول ينهض عنده الفعل السردي من أجل السرد، وفي هذا النوع من الكتابة، يسرح الكاتب بعيدًا عن موضوعه، ويُغرِق في الوصف ويُسهِب في التفاصيل، كما لو أنها هي الهدف وهي النص، فلا يتم التعاطي معها على أنها مجرد جزء من النص، أو وسيلة من وسائل السرد لإتمام القصة. وبذلك غالبًا ما يكون النصُ مترهّلا، مصطنعًا، يشتغل على ألاعيب اللغة وفذلكاتها، وينتج ذلك عادةً، أما عن فهم خاطئ لطريقة الكتابة، أو تهربًا وتبريرًا لغياب الفكرة. الثاني وهو الأصوب والذي ينتمي إليه القاص أنمار رحمة الله، إذ تنماز سردياته، رغم موضوعاته الغرائبية والحلمية ذات الحمولات الواقعية الثقيلة في مقاصدها، بكونها راكزة ورشيقة في الوقت ذاته، تطيل حين يتطلب الأمر، وتقتصد قدر الإمكان، بدون إضرارٍ بدينامية الحدث حين تشاء. ولكي يستطيع السارد فعل ذلك، عليه أن يكون صاحب خبرة في الفن السردي عمومًا والقصصي خصوصًا، وأن يمتلك قدرةً مضاعفةً على التعبير، وبثه من خلال الجُمل القصيرة بطريقة ذكية، يمكن معها تلافي الفائض من التفاصيل والمفردات. والقول بطريقة ذكية هو ما نعني به، أن الكاتب الماهر، لا يترك للنص فرصةَ الانزلاق من يديه إلى فخ التشذيب والترشيق المبالغ فيه، إلى حد أن يظهر النص بعد ذاك متشنجًا، صلبًا، وغير مريح لقارئه. وبقدر ما يبدو النص متسقًا وسلسًا لا يكشف عن صنعته بسهولة، ولا تظهر عمليات التركيب والانتقال خشنةً وعرةً في البناء الجُملي، بقدر ما يمنحه ذلك درجة في الاحترافية، والاحترافية حيث يمتزج الصدق بالصنعة، فلا يغلب أحدهما على الآخر، فإذا غلب الصدق على حساب الصنعة، تبدّى النص لقارئه مباشرًا وبسيطًا وغير جذاب، أما إذا غلبت الصنعة على كامل النص، فإنه سيخلو من الحِس والعاطفة والروح، وسيشعر القارئ أنه أمام عظَمةٍ ناقصة. والاحترافية هذه لا تقتصر على فن دون غيره .
إذا عدنا إلى الحكاية في أبسط شكل لها، وهو الشكل الشفاهي/ الحكواتي، وقبل أن يأخذ الحكواتي دور السارد العليم والمؤلف الشفاهي، فإن ما تنعيه الحكاية، وما تنطوي عليه من معانٍ ولذائد ومُتع وحِكَمٍ هي المغزى الأول والأساس، ومهما كان ظهور الشخصيات مؤثرًا، فإن الناس تسمع الحكايا أو القصص لا لأجل الشخوص، بل لأجل الأحداث ومجرياتها. وهو ما سنلاحظه غالبًا في قصص أنمار رحمة الله، وهو ما قصدناه بالإخلاص للثيمة في العنونة، حيث ينحو في سرده منحى واضحًا، جاعلا من آلياته السردية ومن شخوصه وسائل لتشكيل الحدث لا العكس. بمعنى أنه يجعل هذه الوسائل جزءًا من عمليتي البناء والحكي، تهدف إلى الالتزام بمبدأ الحكاية الراسخ، بأن يكون الحدث / الموضوع هو المحور وهو البطل، والشخصيات أوعية أو جزء من المكان الذي يحدث فيه الفعل السردي. وهذا ما نقصده عندما نقول «قصة فلان» أو «ما قصة فلان»، متسائلين عنها في حياتنا اليومية، فإننا نسأل ببساطة عما حدث بالضبط وما تفاصيل الحادثة، ولن تهمنا التوصيفات الأخرى، إلا بالقدر الذي تستدعيه حاجة الحكي، عدا ذلك يعتبر فائضًا، فهذا ـ الفائض ـ لا يقدم دفعة لعربة السرد إلى الأمام، ولا يتيح لنفسه أن يكون قاعدة لانطلاقة غيره، فالموضوعات والأحداث تختار ما تحتاجه بحذر ودقة، بدون مبالغة أو إسراف أمام إغراءات اللامحدودية اللغوية، والمديات التعبيرية المفتوحة.
إلتفاف القاص أنمار رحمة الله حول موضوعه بهذه الكيفية، مع الدور الدرامي الفاعل، جعل أغلب قصصه تبدو وكأنها أفلامٌ قصيرةٌ، أو حلقاتٌ متنوعةٌ في مسلسل، ولا يخفى على القارئ لقصصه أنه متأثر بالسينما، خصوصًا في إخراجه السينمائي لأغلب قصصه، في طريقةِ تصوِر الحدث وتحريك الشخصيات، وعلى هذا الأساس تم استخدام بعض أعماله كأفلام قصيرة، غير أن أغلب أعماله تصلح للتصوير، إذ تتميز بوحدة موضوعية عالية.
الكتّاب الإنسانيون، أو الذين يحملون همًّا إنسانيًا حقيقيًا يدركون جيدًا أن الفنون تتلازم مع القضايا الإنسانية الصغيرة والكبيرة، وتبحث في أدق تفصيلاتها، فهي ممتعة بالقدر الذي تقدم فيه تنبيهًا لهذه الظاهرة
وفي إطار عمله على الثيمات، يميل أنمار إلى العمل كضوء كاشف للخبايا والظواهر معًا، يؤشر ملاحظاته الاجتماعية والثقافية والفكرية والسياسية والدينية، من خلال رؤية أو فكرة معينة، يعالج معها ذلك الموضوع. وهو في الحقيقة ما ينبغي على الفنون أن تؤديه، فليس هناك عملٌ فني يمكن له التأثير أو مقاومة النسيان، ما لم يكن يعالج قضية ما، بالإضافة إلى المهارة في علاجها، وهو ما يبدو محور اهتمام القاص وشغله الشاغل، رغم اهتمامه الكبير بالغرائبيات. وعالم الغرائبيات هذا لم ينوجد في عالم الكتابة لولا غرائبية الواقع الصادمة، تلك الواقعية الغرائبية التي منحت العوالم المتخيلة على اتساعها القدرة بأن تصبح معادلاتٍ موضوعية، ومساحات للتنافذ بأنواعه، والتبصر على ما يجري في حيواتنا. وفي الأساس تعتمد الغرائبيات على الأنسنة وتجسيد اللامرئي من المحسوس والذهني، ويمكننا استشعار ذلك عند قراءة قصص أنمار والإمعان فيها. سنجد مثلا في قصة «الشوكيّون» من المجموعة القصصية «بائع القلق» لبنان ـ 2018 كبداية، ذلك التماهي الجاذب بين العنونة والحدث، إذ هما وجهان لموضوع واحد، وفيما يتحدث هذا الموضوع بطريقة خيالية وغرائبية قائمة على تجسيد المحسوس، نجد أن اللغة المستخدمة هي لغة واقعية ومتزنة، غير متأثرة كثيرا بالفضاءات الحلمية والفانتازية المُشتَغل عليها داخل القصة هذه، وحتى في بقية القصص، وهو ما يمنح النص بعوالمه الغرائبية تمكينًا أو تفويضًا، بالإضافة إلى منطقية الاشتغال بجعلها مقبولةً ومستساغةً، بل حتى موجودة لكونها شديدة الإقناع. وفي هذه القصة «الشوكيّون»، يسلّط القاص رؤاه على ظاهرة متفشية في الأوساط كافة، خصوصًا الأوساط الإبداعية، حيث تتعرض الشخصية التي امتهنت العمل في السينما، إخراجًا وكتابةً، إلى وخزات كثيرة من شخصية صديقة مع كل منجز تقدمه، والمفاجأة حدثت حينما فازت الشخصية بجائزة أفضل إخراج، كانت الشخصية الصديقة غائبة، وتعذرت بداعي المرض عن الحضور، إذ تحولت شخصية الصديق بسبب غيرتها وحسدها إلى كائن شوكي يخجل من مواجهة العالم، بينما كان المخرجون، وهم يهنئون الفائز، يتركون وخزات شبيهة بتلك التي تركها الصديق. ثيمة القصة تتحدث عن الغيرة الإبداعية والحسد والأذية، وانتهاك ذكر الآخرين كلما سنحت فرصة، ومثل هذه الظواهر موجودة في كل مكان لكنها تزداد في المجتمعات الملأى بالنقص ومشاعر التهديد، والسعي نحو مواقع السلطة والكاريزما. وهذه القصة تحيلنا إلى فيلم شهير وهو فيلم أماديوس الذي تدور أحداثه حول هذا الموضوع، بين الموسيقار ساليري والموسيقار موتزارت، وبذكاء اشتق القاص تسميةً لتلك الظاهرة لكل الذين تغمرهم مشاعر الحسد والكراهية والغيرة سمّاها بـ«السالييرية» في مقالة له، نسبةً إلى ذلك الموسيقار ساليري الذي عذّب موتزارت نفسيًا وروحيًا، واستغل حاجته المادية، لكون موتزارت موهوبًا أكثر منه.
الكتّاب الإنسانيون، أو الذين يحملون همًّا إنسانيًا حقيقيًا يدركون جيدًا أن الفنون تتلازم مع القضايا الإنسانية الصغيرة والكبيرة، وتبحث في أدق تفصيلاتها، فهي ممتعة بالقدر الذي تقدم فيه تنبيهًا لهذه الظاهرة، أو تلك، فليست المتعة في القراءة متعة المواقف الظريفة والرومانسية المفرطة، بل المتعة في القراءة تكمن بالوجبة اللذيذة التي تنتظر تجربتها بين وقت وآخر، هذا التناقض العجيب بين ظلامية الثيمة وسوداويتها وانجذاب القارئ إليها وشعوره بالانتشاء، حيث يقع في منطقة التأثير على المشاعر الإنسانية، وإحداث صدمة ذهنية، تتلاقح مع ممكنات وخبرات المتلقي في لحظة شعورية واحدة، تقودها لحظة الختام كما يفعل المايسترو مع الفرقة. هذا النوع من الإبداع يريد أن يعيد إلى العالم إنسانيته، ويعمل فيه المبدع عمل المصلح الإنساني والأخلاقي بقصد أو بدون قصد، فهو ما تتطلبه الفنون حتى تندرج في مقامات الذاكرة طويلة الأمد وهو ما يفعله القاص أنمار في هذا الجانب.
وفي رؤية شاملة على ما يكتبه القاص، فإن قصصه تحمل همًّا إنسانيًا عاليًا، يكشف لنا مدى رهافة كاتبها وحساسيته تجاه ما يحصل في العالم اليوم، ولو اطلع القارئ على أغلب ما كتبه في مجاميعه الثلاث «عودة الكومينداتور» 2012، و«واسألهم عن القرية» 2016، و«بائع القلق» 2018، سيجد أنها قصص رؤيوية تعتمد على شعرية الحدث بشكل كبير، ولذلك هي مريحة لقارئها، كما أنها تعرف ما تريد قوله وتحمل في داخلها أهدافًا ومقاصد تؤكد عليها، لذا هي لا تترك المجال لتعدد التأويلات الفائض الذي من الممكن أن يلغي فاعلية الثيمة والغاية من الحكاية. ولابد من التأكيد على أن تجربة أنمار رحمة الله في القص، ينطبق عليها مفهوم التجربة وفق قناعتنا، حيث إننا نرى بأن التجربة يجب أن تطلق على من يتعدد نتاجه ويتنوع في موضوعاته وأسلوب كتابته، أو بتعريف آخر، التجربة هي تنوع الجودة. كما ويمكن ملاحظة ذلك في طرق السرد المختلفة قليلا بين مجاميع أنمار الثلاث القصصية، إذ لم يتغير مناخه وشغفه في سحب الثيمات إلى عوالمه الغرائبية، إلا أنه تعامل معها سرديًا بدرجات متفاوتة بين مجموعة وأخرى. وعلى هذا يمكننا القول إن أنمار في «عودة الكومينداتور» يختلف عنه في «واسألهم عن القرية»، وبلا شك يزيد فارق الإختلاف في «بائع القلق»، التي نرى فيها أنها الأسلوب الأكثر راحة واستقرارًا ورشاقةً لدى القاص. ويبدو أن القاص حتى في نتاجاته التي أعقبت «بائع القلق»، التزم الأسلوب نفسه في كتابة قصصه الجديدة التي تنتمي إلى كتاب جديد لم يصدر بعد، تحت عنوان «خياط الأرواح»، وهذا التمسّك لا يعني فقط الاعتياد، إنما يعني من وجهة نظرنا القرائية، أنها أنضج شكلٍ سرديٍ وصلت إليه تجربة أنمار، ويمكن ملاحظة بداية نشوء هذا التحول في نماذج قصصية كثيرة تخللت مجموعته القصصية الثانية واسألهم عن القرية، وتجلّت بكامل مجموعته الثالثة، وهي الآن تستقر على الشكل الذي تحدثنا عنه في أسلوبها السردي في كتابه المنتظر «خيّاط الأرواح». وما يميز هذا الأسلوب هو رشاقته الهائلة وإيقاعاته الجُملية المتزنة على طول النصوص وتخلصه من بعض الاشتغالات والانزياحات الشعرية التي كانت تتناثر هنا وهناك في بعض النصوص القديمة.
٭ كاتب عراقي