القاهرة ـ «القدس العربي»: يتمتم الكثيرون من رموز التيارات المدنية والحزبية في جلساتهم الخاصة وعلى هامش ما تيسر من ندوات وفعاليات متسائلين عن أسباب استمرار شعبية الإسلاميين رغم ما لاقوه من ملاحقات وتضييق طيلة السنوات الماضية. وحدهم رموز السلفيين من دون سواهم ما زالوا يمتلكون القدرة على إقناع الجماهير بالصبر على الفقر الذي يلازمهم في السنوات الأخيرة ما يضمن عدم التفكير في العودة للميادين، لأجل ذلك تدخرهم السلطة للحظات الحرجة. خصومهم من سائر التيارات والنحل يدفعون قوى الحكم للقضاء على رموز السلفيين وأتباعهم، غير ان السلطة تعلم عن يقين بأنهم يمتلكون أدوات التأثير التي لم يبطل مفعولها بمرور الوقت ورغم ما مرت به التيارات الأصولية من محن إلا أنهم الأكثر تأثيراً في أوساط الأغلبية الكادحة، حتى اولئك الذين اشتهروا بالعداء للإسلاميين كالإعلامي ابراهيم عيسى والدكتور خالد منتصر يعترفون بمرارة لا يخفونها بأن رموز السلفيين ما زالوا قادرين على توجيه الجماهير في أي لحظة إذا ما جد جديد.
لم يذرف السلفيون الدمع لأنهم لم يدعوا لمائدة الحوار الوطني باستثناء حزب النور الذي يواجه عزلة واسعة بين الإسلاميين أنفسهم لاعتقادهم بأنه أبعد ما يكون عن السلفية الحقة. أما بالنسبة لأحفاد حسن البنا فالشواهد تؤكد انهم اقتنصوا أهم ثمرات الحوار الذي حرموا منه حيث حصدوا مزيدا من التعاطف الدولي بعد ان اغلقت الأبواب دونهم إثر رفض السلطة بمراتبها العليا السماح لهم بالمشاركة وعلى هديها سار المشرفون على الحوار الذين غير كثير منهم رأيه بين عشية وضحاها بشأن حق الجميع المشاركة. يدرك بعض المراقبين بأن فرصة ذهبية تلوح في الأفق الآن بالنسبة للجماعة بعيداً عن جنة الحوار متمثلة في الأزمة الاقتصادية المتصاعدة والتي يملكون جنباً إلى جنب السلفيين أدوات التعامل معها من خلال بسط شبكاتهم التي باتت مشلولة بعد أن كانت ممتدة بطول البلاد وعرضها في مجال العمل الخيري، لأجل ذلك يتمادى عدد غير قليل من الخبراء متقلبين بين خوف ورجاء مفادهما أن الصلح بين السلطة والجماعة قادم لا محالة وإن تأخر فلن يطول حسب التوقعات.
حينما باتت الجماعة مشردة في مشارق الأرض ومغاربها، وحينما تصل الخلافات بين قياداتها إلى حد اللاعودة بينما يعلن رئيس الدولة انه لا موضع لقدم من الممكن ان تشغله الجماعة تحت سماء الوطن، يصبح الحديث عن موقعها من الحوار الوطني ضربا من الجنون. لكن لأن المشهد السياسي يكسوه الجماد والمحظورات يصبح العثور على نقطة ضوء وسط ظلام دامس جديرا بالمحاولة.
منذ إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي تكليف إدارة مؤتمر الشباب بالدعوة إلى حوار سياسي يضم كل من وضعتهم السلطة على يسارها ضمن قائمة الأعداء بعد عام 2014 دبت سحابة الأمل بين سائر قوى المعارضة بمن فيها الجماعة التي باتت محاصرة أينما حلت.
بين عشية وضحاها وجد المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي نفسه في مواجهة حرب ضروس بمجرد تأكيده ان من حق الإخوان المشاركة في الحوار الوطني، إذ وجد نفسه في مواجهة مع مختلف رموز التيارات المدنية بمن فيهم الأصدقاء القدامى الذين بدأ معهم مشوار النضال الوطني ومؤخراً قال صباحي، إن الفقراء يدفعون فواتير المأزق الاقتصادي الراهن، مؤكداً أنه يجب إتمام المصالحة الوطنية والخروج من المأزق الحالي بدون تحميل الفقراء المزيد من الأعباء.
واعترف في تصريحات سابقة أن الورطة الكبيرة التي تهدد البلاد، الغلاء والفقر وتدني الأوضاع المعيشية، وبالتالي اقترح أن يكون الهدف الأول من الحوار الوطني هو الخروج من المأزق الاقتصادي، وهو مأزق ليس مرتبطا بعوامل دولية فقط أو سياسات داخلية خاطئة تراكمت إنما للسببين معًا. تابع صباحي: «طرفا الحوار ليسا متوافقين على دوافع الحوار لكنهما متوافقين على ضرورة إتمامه ويجب أن يتفقا على أهدافه» معتبرًا أن المعارضة أمام اختبار حقيقي مضيفًا: «مصر بحاجة إلى اجتهادات لا أيديولوجيات وأن الانتصار للفقراء والطبقة الوسطى أمر ملزم لأهداف ثورتي 25 يناير و30 يونيو». واقترح المرشح الرئاسي السابق ما يلي: «نريد أن نحل وجع الفقر دون تحميل الفقراء المزيد من الأعباء، إذا كان هذا الحوار سيخرج البيوت المصرية من الغلاء أو يُخرج سجين رأي من السجن أو يعطي أملا لأي مصري أو مصرية، إذا واجب الجميع بذل كل ما في وسعهم لإنجاح الحوار».
استثمر حمدين رفع الحظر الذي كان يواجهه في محاولة إعادة إنتاج أفكاره القديمة التي تنتصر للأغلبية الفقيرة وتعادي ثراء الأقلية على حساب السواد الأعظم من المصريين.
محاولة لسد الفراغ
لا وجود لأي تيار أو فصيل إسلامي في الحوار الوطني. وحده حزب النور السلفي الذي بينه وبين سائر جماعات الإسلام السياسي ما صنع الحداد يتولى المهمة. وبدوره رحب الدكتور يونس مخيون، رئيس مجلس شيوخ حزب النور، بدعوة الرئيس السيسي للحوار الوطني، قائلا «نريد أن يتم الحوار بصورة جدية، ونتمنى أن تكون هناك مسارات لتفعيل مخرجات هذا الحوار كي يستشعر الناس أنه حوار جاد، ويكون هناك نوع من المشاركة الإيجابية بعد ذلك، ولدينا أمل أن يأخذ الحوار هذا الشكل». وأضاف أن تقييم المراحل السابقة نقطة إيجابية، خاصة أنه كانت هناك حالة من الاضطراب ما زالت موجودة، غير ان الدولة وصلت إلى حالة من الاستقرار الأمني الملحوظ، لذا يجب إعادة الصياغة بما يتوافق مع العهد الجديد. وشدد على أهمية توسيع دائرة المشاركة في الحوار الوطني وعدم استبعاد شخص أو فصيل، إلا إذا كان متورطًا في جرائم أو أعمال إرهابية وتكفيرية. وفيما يتعلق بالقضايا التي يرغب الحزب في التحاور بشأنها، ذكر القضايا السياسية والاقتصادية والأخلاقية والتشريعية، واعترف بأنه لا يمكن التوصل لإصلاح اقتصادي بدون غطاء سياسي وقيمي تقره الأخلاق. وعن رؤية حزب النور للإصلاح السياسي، أوضح أن النظر في تغيير قانون الانتخابات يأتي أولا، ليسمح بالمشاركة الفعلية للأحزاب لأن القانون الموجود حاليًا فضلاً عن المناخ السياسي السائد يضعف الأحزاب التي وصفها بأنها: «في حالة موت إكلينيكي، بسبب نظام القائمة المغلقة المطلقة والتي تمنع المشاركة الحقيقية» كما دعا مخيون لضرورة تفعيل القائمة النسبية، التي تتيح أن يأخذ كل شخص حقه في التصويت، مضيفًا أن الدولة يجب أن تكون على مسافة واحدة من جميع الأحزاب، فالمشكلة منذ 1952 في فكرة الحزب والرأي الواحد. وانتهى رئيس الحزب ذو الميول السلفية بأن مصر تعيش حاليًا عصر الحزب الواحد، بناء على أن هناك حزبًا تقوم الدولة بدعمه كاملا، في حين لا يلقى حزب النور أي دعم إطلاقًا، وكشف عن معاناة «النور» بقوله: «إحنا حزب فقير، بننجح بمجهودنا الخالص». وشدد على ضرورة الحوار حول المال السياسي الذي ما زال مؤثراً وتضاعف تأثيره في الفترة الأخيرة بطريقة غير مسبوقة في أي عهد من العهود، بحيث أصبح الكرسي بمجلس الشيوخ والشعب له ثمن بالملايين، وشدد عكس الكثيرين من رموز السلفيين على أهمية عدم الخلط بين السياسة والمال.
حذار من عودتهم
من بين المتوجسين من عودة الإخوان للمشهد بل ويؤكد ان عودتهم مسألة وقت، الإعلامي المثير للجدل ابراهيم عيسى والذي خرج مؤخراً غاضباً حيث قال: اسمع أقاويل ودعوات مبطنة وتصريحات ملتفة مفادها ضرورة أن يشمل الحوار الوطني الداخل والخارج وكلها تحوم ما بين الرغبة في الانفتاح والتسامح والمناورة لحد التمييع السياسي وتلمح لدعوة جماعة الإخوان للعودة للعمل. وأضاف غاضباً: «ليذهب الحوار الوطني إلى الجحيم لو شارك أو نتج عنه أي مصالحة أو مهادنة مع الإخوان». وأضاف: «جماعة الإخوان النازية والعصابة الخائنة المأجورة غير الوطنية لا يمكن تصور إدارة حوار معها أو استعادتها مرة أخرى للمشهد أو تترك لها منافذ أو فجوات للعبور ولو حدث هذا يبقى اسمه العبط». وفي موضع آخر قال عيسى: إن التيارات الإسلامية على درجة كبيرة من التربص والترصد للمجتمع المصري وتشويه ما يحدث في مصر. وتابع: «معتقدات التيارات السلفية ضد الوطنية تماما والمشكلة أن هؤلاء يقدمون أنفسهم على أنهم معارضة في الحوار الوطني وعندهم رغبة في بناء البلد وتطوير الوطن».
شروط العودة
الإعلامي ياسر عبد العزيز وضع مجموعة من الشروط قبل ان يسمح بعودة تيار الإسلام السياسي للمشهد: «لكي يعود الإسلاميون إلى لعب دور في الحياة العامة عليهم أن يقروا بالدساتير والقوانين التي ارتضتها الشعوب، وأن يتوقفوا عن الخلط بين السياسي والديني». من بين المتفائلين بوجود حاضنة لمختلف التيارات الوطنية في الحوار الوطني الدكتور خالد قنديل الذي أكد في السابق «أن القيادة السياسية وعت الدرس جيدًا، لذا تدعم بكل السبل أسباب استمرار الحوار والتقارب بين طوائف الشعب المختلفة والذي كانت نتيجته تلك الدعوة المهمة لتبادل الرأي وإثراء الحياة السياسية، وإتاحة الفرصة للأحزاب في التعبير عن تطلعاتها تجاه البلد طالما أن الأهداف العامة واحدة وهي المصلحة العليا للوطن. وكان فارقًا ودالًا أن يأتي الحوار الوطني بعد أن تمكنت مصر من دفع دوامة الفوضى التي أثرت على المنطقة، والحد من مخاطر الإرهاب، ودحرت نواياه الدنيئة، فضلًا عن تحقيق معدلات نمو جيدة، رغم جائحة كورونا التي أثرت على كل العالم بتداعياتها الممتدة للآن، وبعد أن شهدت مصر طفرة على مستوى البنية الأساسية والإصلاحات وتنظيم التعاملات بين المواطنين والحكومة وإتاحة الفرصة للشباب في التعبير عن أنفسهم وتقديم تجاربهم وأحلامهم ومشاركاتهم السياسية والاجتماعية وإعطائهم الثقة، وكذا دعم جميع الفئات المختلفة من الشعب بعد أن عانت من إهمال كبير خلال عقود مضت، وصولًا لتوفير مأوى ومسكن مناسب للمصريين في شتى أرجاء البلاد وتدشين والدفع بالمشروع العظيم حياة كريمة وغيرها الكثير من الإنجازات التي يأتي الحوار الوطني بمثابة تتويج لها» وأضاف الكاتب: سوف ينجح بالتأكيد الحوار الوطني حين يشارك فيه الجميع بصورة عادلة من دون تمييز حزب على آخر أو أي كيان على آخر، وأن تكون نتائجه وتوصياته ملزمة، وتُنفذ بشكل سريع لأنها نتاج لتوافق مجامعي، كما يُرجى أن يترتب على هذا الحوار الجاد إحياء أجهزة الحكم المحلي، التي تمثل جدارا أساسيا في البناء السياسي، بحيث تُعاد على أسس وقواعد ديمقراطية تمكنها من تفعيل دورها في الحياة السياسية، وأن تدعو لها المتحمسين للتنمية والتطوير والإسهام في حل مشكلات المواطنين بإخلاص، الأمر الذي سيكون فارقًا في علاج المشكلات المختلفة، فالحوار الوطني من شأنه تحقيق الاستقرار المأمول، وزيادة فرص توفير مناخ مناسب للتنمية وجذب الاستثمارات». انتهى كلام خالد قنديل بينما تظل مخاوف رجل الشارع من ان يتحول الحوار المرتقب «لمكلمة» بسبب امتلاك الكثيرين من المشاركين والمختارين بعناية، موهبة الكلام والبلاغة. مخاوف مشروعة لابد النظر لها بعناية والتعامل معها بتركيز شديد.