(لقد كان في يوسف وإخوته آياتٌ للسائلين) يوسف 7
يعقوب أبو يوسف لكنه في نفس الوقت (إسرائيل) الذي حظي ببركة أبيه إسحاق ابن ابراهيم، بدلاً من أخيه التوأم الأكبر عيسو (لقراءة عميقة عن يعقوب وشخصيته أدعوا لقراءة كتاب إبراهيم وأبناء عهده مع الله، رينهارد لاوت، ترجمة غانم هنا، خطوات للنشر) يعقوب هو إسرائيل (ومعناه جاهد مع الله) تكوين 32/28، وخشية الإخوة من عاطفة الأبوة التي يبديها اسرائيل تجاه يوسف ليست مجرد خشية من ميل عاطفة أبوية وحب، بل من فقدان ما ورائها من ميراث وسلطة وحكم ونسل، خشية من ذهابها إلى يوسف ابن راحيل (وَدَعَتهُ يوسف (ومعناه يزيد) قائلة: ليزدني الرب ابناً آخر) تكوين 31/24، ولأن الإخوة يشعرون أنهم لا يستطيعون استخدامه أو منافسته يدبّرون لهُ المكيدة: الذئب والبئر والعبودية.
القارئ لقصة يوسف حيثما وردت في الكتب المقدسة، يعرف سلفاً أين سيصل يوسف في نهايتها، لكن لنجرب تحويل الأشخاص لرموز وأمثال؛ يوسف/ مفتاح سلطة مستقبلية، ليس لعائلة يعقوب الكبيرة التي تعيش في ارض كنعان، بل لمصر وخزائنها، بينما يظن الأخوة أنهُ عقبة/ صخرة في طريق سلطتهم المستقبلية.
يوسف/ الصدّيق لمزاياه ومؤهلاته الذاتية يكون عرضة للسجن والحجز، خوف الأخوة منه على مكاسبهم في الميراث والسلطة تجعلهم يحبسونه في البئر، خوف زليخة على سلامتها وسمعتها من الفضيحة التي أذاعتها النساء، رغم محاولتها إسكاتهن بجماله، ومن خسرانه، تجعلها تدّعي أن يوسف حاول اغتصابها، فيسجن بسببها.
يوسف صادق المزايا، واضح القدرات، ومن لديه أدنى فراسة يراها فيه: القافلة استبشرت به كاللؤلؤة ولم تبعه إلا لعزيز مصر، العزيز ائتمنه وقرّبه، زليخة وقعت في غرامه، النسوة قطّعن أيديهن من جماله: ليس بالضرورة أن يكون الجمال الشكلي وحده، ولكن لّب ذلك الجمال، الجاذبية الجمالية ومغناطيس الجوهرة التي يحملها يوسف داخله، ويصل تأثيرها حتى شكله الخارجي؛ ساقي الملك الناجي من القتل يُحبه، المعاملة الحسنة في السجن؛ ثم يتحول من سجين إلى ثاني أهم شخصية في مصر بمجرد تعبيره لرؤيا الملك، ما يكاد الملك يقابله ويعلم عنه حتى ينفذ له طلبه (قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظٌ عليم) يوسف 55، هل كان فرعون/ الملك يعطي خزائن مصر وسلطتها كاملة لأي مفسّر أحلام؟ أم الحقيقة أن يوسف بمزاياه الصادقة يزرع الثقة فيمن يراه وذلك ما عزّز ثقة الملك ليجعله: خازن الأرض: سلطة في مصر.
حلم يوسف القديم الذي يتضمن سجود الشمس والقمر والنجوم له كان إِشارةً ورمزا، حلمٌ يدل على القدرة والسلطة التي سيمتلكها لاحقاً، بالإشارة والرمز يعرف يوسف قوته وقدراته، ومعنى اسمه، تلك القدرة على الزيادة، وإن لم يكن قد جربها بعد (يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا) يوسف 12.
بمقدورنا تطويع القصة لتصبح أمثولة متعددة الوجوه، نستعيدها بشكل متكرر في الزمن، اخوة يوسف يرمونه في البئر ويدّعون على الوحش (الذئب) بقتله، لكن أولئك الأخوة ينتسبون إلى يوسف وهو ينتسب إليهم، بالتالي هم يُلقون بجزء من دمهم في البئر، أو إلى الوحش، ولماذا؟ خوفاً وطمعاً في القوة والسلطة.
الأخوة أمثلة حية توجد في كل الأمكنة والأزمنة، ممن يتوسل الوسائل للقوة والسلطة بالقرابين، حتى لو كان ذلك القربان جزءاً منه؟ ومن يتهم الوحش (الذئب العالمي) بافتراسه لأخيه: يوسف اليهودي، الديني، الإنساني، يوسف الحقيقي؛ محاولاً أن يستخدم مزايا يوسف جسراً وأداةً ووسيلة لغرضه الصغير، هؤلاء الأخوة الذين يفترون على يوسف ويسفكون دمه باسم الوحش (افتراضياً) لكن يوسف ينجو، ويذهب مباشرة نحو قدره، لتحقيق رؤياه، ويكون فعلاً مالكاً للسلطة، حتى وإن كانت سلطة خاضعة لخدمة فرعون مصر، يستفيد منها أهله وإخوته وعشيرته الذين التحقوا به، ولاحقاً قد يتبادر لانتهازية الإخوة أن يجعلوا حتى من جريمتهم في يوسف نعمةً أنعموها عليه: (فلستم أنتم الذين أرسلتموني إلى هنا بل الله، الذي جعلني مستشاراً لفرعون وسيداً لكل بيته، ومتسلطاً على جميع أرض مصر) تكوين 45/8
السُلطة تُعمي من يحدّق فيها على الدوام، تجعلهُ يتلوّن بلونها هي، ويبرر تناقضاته، يستغل أدنى سبب ليدعي أحقيته بالمكاسب، القوة تجعل من عبدها غافلاً عن الدماء التي عليه سفكها كي يصل لامتلاكها، يغرق في الأخطاء التي تفضحه، يبقى على استعداد مستمر ليضحي بيوسف الجميل كل مرة من أجل أن يصل، ولا يهم إن تأذى يوسف نفسه، أو أكله الذئب حقاً، أو تكسرت أضلاعه في البئر، أو بيع عبداً في سوق النخاسة، أو سُجن، فركاب السفينة أو الطائرة لا يهتمون بعد وصولهم لوجهتهم المطلوبة بمصير وسيلة النقل.
لا يهم لمن عينه على السلطة والقوة، إن كان الناس يرمون يوسف بمغازلة المرأة التي آوته في بيتها، وبخيانة الرجل الذي أكرمه، لا يهم إن كان الناس يكرهون يوسف بسبب الإشاعات الكاذبة لكونه (إرهابيا، مجرماً، خائناً، سارقاً، سفّاحاً، يموت ميتة شنيعة في فم ذئب، يساق كعبد، يُضطهد، حالته ضعيفة وهزيلة) لا يهم إن تم سجن يوسف في سجن: إطار، نمط، قالب، صنم؛ المهم أن يصل إخوة يوسف إلى (النصر)، وهو هنا السلطة والقوة على ميراث يعقوب/ إسرائيل: الشعب، أن تحافظ امرأة العزيز على قوة الإغواء والإغراء الذهبي: المادي والمحسوس، حتى يحصحص الحق فتؤوب إلى ربها: (قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنهُ لمن الصادقين، ذلك ليعلم أني لم أخنهُ بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين، وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفورٌ رحيم) يوسف 51-53
يوسف في أعين عميان الرغبة مجرد أداة قادرة وجميلة، وما أصاب الأداة من ألم ومعرفة كي يبلغ الأمثولة القوية فليس في أذهان الراغبين، يعقوب/ اسرائيل الشعب أعمى من خسران يوسف، الرغبة الحسية/ زليخة تريد تحريف وإفساد مزاياه الصادقة (ولقد همّت بهِ وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربّه) يوسف 24.
يوسف رمزٌ عارف تتعدد به الرمزية وتزيد، كما هو معنى اسمه، وبسبب تلك اليوسفية ليس ثابتاً وجامداً بل متغيّراً تتجدد به قوة الرمزية وتغدو جميلة: شديدة الخصوبة، وهو نفسه ليس مجرد قارئ رموز الرؤى مفسر اشارات الأحلام، بل بالعكس: المتنبئ بمستقبل الأحداث وفاضح قبح الأفعال: يوسف الجمال.
(وأنا مصر موطن السكر ما دمت أعانق يوسف، فمالي وللبحث عن ملك كنعان؟) مولانا جلال الدين الرومي
‘ كاتب من عُمان