واشنطن ـ «القدس العربي»:تفيد اللغة السائدة في واشنطن بشأن اللغط حول تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة بان إدارة الرئيس باراك أوباما تحاول افهام الإدارة المقبلة بانه لا مصلحة لللأمن القومي الأمريكي في نقل السفارة، وان هناك أسسل منطقية وراء هذا الإجراء من بينها عدم التداخل مع الجهود الرامية للتوصل إلى اتفاقية سلام مع الإشارة إلى حرص رؤساء الولايات المتحدة على عدم نقل السفارة رغم تصويت مجلس النواب الأمريكي على هذه الخطوة في التسعينات بسبب رغبة واشنطن الحفاظ على دور الوسيط في النزاع العربي ـ الإسرائيلي.
ولا أحد يعلم بالتأكيد ما إذا كان ترامب سيستمع لمشورة إدارة أوباما والحفاظ على السياسة التي انتهجها بوش وكلينتون على حد تعبير مارك تونر، المتحدث بأسم وزارة الخارجية الأمريكية. ولكن نوايا وسلوكيات رجل الأعمال بشأن القضية الفلسطينية وفقا لاستنتاجات العديد من المحللين لا تبشر بالخير، إذ ردد مرارا بان المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة لا تشكل عقبة أمام السلام، ناهيك عن وعده بنقل سفارة دولته إلى القدس، حيث قال في الأسبوع الماضي، بانه سينقل السفارة بسرعة كبيرة في حين حاول وليد فارس، مستشار ترامب، التخفيف من حدة هذه التصريحات بالقول ان ترامب سيخلق حالة من الاجماع في واشنطن قبل اتخاذه قرار نقل السفارة.
وبغض النظر عن صدق التكهنات والتعهدات والإجراءات المتوقعة لترامب في شأن الصراع العربي ـ الإسرائيلي، فهناك اتفاق بين أوساط المستشارين والدبلوماسيين على ان ترامب سيناصر إسرائيل بطريقة لم يسبق لها مثيل وان عهد اللامودة بين أوباما ونتنياهو سيختفي تماما مع استبعاد تام للغة الدبلوماسية للبيت الأبيض ووزارة الخارجية بشأن اجراءات إسرئيلية تهدد عملية السلام والاستقرار، مثل شرعنة المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة أو منع صوت الأذان في مكبرات المساجد.
الإسرائيليون بدورهم سيستغلون الفرصة الثمينة في وجود شخص مثل ترامب في البيت الأبيض لدفن حل الدولتين والقضاء نهائيا على فكرة دولة فلسطينية مستقلة، ومن المرجح، ان تقوم دولة الاحتلال بتوسيع المستوطنات غير الشرعية بشكل غير مسبوق مع مصادرة واسعة للأراضي الفلسطينية، ولا يساور الخبراء أي شك في ان ترامب هو رئيس غير مؤهل على الاطلاق لعقد أهم صفقة سياسية في التاريخ المعاصر لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وهو على الأرجح سينسحب من دائرة المفاوضات إلى إشعار غير معلوم.
ومن جهتها، تصر إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما على ان عملية السلام بين دولة الاحتلال الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية لم تختف من «شاشة رادار» الاهتمامات السياسية للبيت الأبيض، وعلى حد تعبير السكرتير الصحافي لوزارة الخارجية جون كيربي، فان أوباما ووزير خارجيته جون كيري يواصلان بذل الكثير من الطاقة والجهد من أجل السلام في الشرق الأوسط، وان اقتراب نهاية فترة الإدارة الحالية لا يعنى بأي حال من الأحوال ان المركبة توقفت.
يدرك صناع السياسة والعامة في العالم والولايات المتحدة والشرق الأوسط بان أوباما لن يقدم حلا سحريا للنزاع في أيامه الأخيرة وان الدعوات المفاجئة التي ظهرت في الاسبوع الماضي بهدف تشجيع عمليات التسوية لا تتجاوز محاولة سياسية روتينية لاحتواء حالة من الغضب والسخط في المنطقة. وفي الواقع، لم تثمر الزيارات والجولات الطويلة التي أمضاها كيري في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة عن إنتاج خطوة واحدة إلى الأمام، وعلى النقيض من ذلك، قدم أوباما أكبر حزمة مساعدات عسكرية واقتصادية لدولة الاحتلال لم يسبق لها مثيل في التاريخ الأمريكي، الأمر الذي يعني قدرة المحتل على فرض واقع جديد كل يوم في الأراضي المحتلة بفضل توفر الموارد والأدوات التي قدمتها واشنطن وتصاعد مشاعر السخط واليأس في الجانب الفلسطيني.
ومن الامثلة على تخاذل إدارة أوباما في الشأن الفلسطيني، عدم الرد بشكل مناسب ضد توجهات دولة الاحتلال لاضفاء شرعية على المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة والتلويح باجراءات مقبلة من بينها منح صفة الوضع السكاني للمستوطنين والسماح لهم لمصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية، وقد جاء تعليق كيربي فاترا للغاية إذ قال، ان وزارة الخارجية شاهدت التقارير بهذا الشأن، مشيرا إلى ان سياسة واشنطن لم تتغير حول المستوطنات.
الموقف الرسمي لإدارة أوباما بشأن المستوطنات كما جاء في المؤتمرات الصحافية لوزارة الخارجية الأمريكية خلال الاسبوع الماضي يتمثل في ان «واشنطن تشعر بقلق بالغ من خلق تشريعات من شأنها السماح باضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية الإسرائيلية غير القانونية التى تقع على أراض فلسطينية خاصة وان المدعي العام الإسرائيلي نفسه قد أعرب عن مخاوف جدية حول دستورية هذا التشريع. كما ان واشنطن تعتقد ان ذلك قد يمهد الطريق لاضفاء الشرعية على عشرات المواقع الاستيطانية، وهي خطوة غير مثيرة للقلق لا تتفق مع الرأي القانوني الإسرائيلي»، والاستنتاج الوحيد الذي يمكن الخروج به من هذا التصريح هو ان واشنطن لن تتحرك قطعيا بشكل جدي ضد تشريعات من هذا النوع على الرغم من المعارضة الكلامية التي تبديها وادراكها ان اقرار تشريعات لتعزيز المستوطنات سيهدد آفاق حل الدولتين.
اجابات وتعليقات البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية ردا على التساؤلات المحرجة حول الدور الذي يمكن ان تضطلع به الولايات المتحدة باعتبارها القوة الاولى في العالم لانقاذ عملية السلام من حالة الغيبوبة وتحولها إلى حالة احتضار لا تبدو مشجعة أو تدعو للتفاؤل، ومن الواضح ان هناك محاولة صريحة للانسحاب من المشكلة الجديدة عبر شراء الوقت وتكرار حلول وهمية مثل التحدث مع قادة دولة الاحتلال وعدم نقل المشكلة إلى الأمم المتحدة.
وقد روجت الدوائر السياسية والإعلامية منذ فترة طويلة ان أوباما ينوي تفجير مفاجأة في أيامه الأخيرة في البيت الأبيض بشأن الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لدرجة ان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال أمام اجتماع للاتحاد اليهودي في أمريكا الشمالية انه حث أوباما على عدم تعويم أي أفكار بشأن حل الصراع في الأسابيع الأخيرة من ولايته. ومن غير الواضح، سبب الضجة الإسرائيلية المفتعلة بخصوص مفاجأة إدارة أوباما ولكن واشنطن أكدت مرارا ان سياستها الداعمة لإسرائيل لن تتوقف بما في ذلك مساندتها لدولة الاحتلال في الأمم المتحدة، وانها ستعارض بقوة أي قرارات تحاول نزع «الشرعية» من إسرائيل.
رائد صالحة