إذعــان

حجم الخط
0

سمير البرقاوي توقفت المُُدرسة عن الكتابة على اللوح، نظرت خلفها، صوب المقاعد، فشاهدت مقعده ما زال فارغاًً، سارت نحو النافذة، ثم حركت رأسها يأساًً، كانت متأكدة من ذلك، كالعادة يستأذن ليذهب إلى دورة المياه، ثم ينسل صوب المراجيح ليلعب وحيداًً وبسعادة بالغة.

حاولت ثنيه مراراًً عن ذلك، استنفدت جميع وسائلها ولم تفلح…. أنبته، صرخت في وجهه، هددته، وأخيراًً كان الضرب، ولكنه بقي على حاله، كما هو الآن مستعصياًً على كل محاولاتها الرادعة.

عادت نحو مكتبها، جلست على الكرسي، تناولت ورقة وقلماًً، وأخذت تكتب رسالتها إلى الجهات المعنية بمراقبة الإذعان القومي، وصفت الوقائع بدقة، كما دونت جميع محاولاتها لثنيه عن فعلته، عددتها بالتفصيل، ثم أنهت رسالتها بالنتيجة النهائية التي وصلت اليها، إذ كتبت ‘ان استمراره على هذا النهج رغم محاولاتي المذكورة لثنيه عنه و إصراره بعدم الإستجابة، بينما ما زال لم يتخط عامه السابع بعد، يجعلني واثقة بأنه سيمثل مشكلة لمبدأ الإذعان القومي مستقبلاًً إذا لم نقم باتخاذ الإجراءات الواجبة والكفيلة بتعديل سلوكه المنحرف في وقت مبكر’، ثم قامت بكتابة إسم المََدرسة وعنوانها ورقم الفصل واسم الطالب المعني، وذيلت الرسالة باسمها وتوقيعها، طوت الرسالة، وضعتها في مغلف مخصص لذلك، وسلمتها للحاجب ليستكمل إجراءات إرسالها.

في صباح اليوم التالي، وقفت سيارة حكومية أمام باب المََدرسة، ترجل منها رجلان يرتديان زياًً رسمياًً، ونظارات سوداء، دخلا المََدرسة وتوجها نحو الفصل المعني، وقفا عند الباب المفتوح فأغلقا بجسديهما الضخمين نور الشمس القادم من خلال الباب، حينها انتبهت المعلمة لهما، وبدون أن يتحادثا، أشارت لهما بعينيها نحو الطفل المعني، إتجها له وأمسكه كل واحد منهما من ذراع وأخذا بسحبه نحو الخارج، بدأ الطفل بالبكاء وهو يركل برجليه اللتبن تجرجران على الأرض، بينما علت ملامح الرعب على وجوه بقية الأطفال، نظرت لهما المعلمة وقالت مبتسمة:

ـــ هيا نتابع الدرس.

بعد غياب شهرين عاد الطفل إلى المََدرسة في صبيحة يوم ربيعي مشمس، إبتهج الأطفال لحضوره في الفصل، بينما لم يجرؤ أحد للتعبير عن سعادته، دخل الغرفة واتجه مباشرة إلى كرسيه وجلس عليها بصمت، لم يتحدث أحد معه ولم يوجهوا بصرهم نحوه، كأنه قد غادرهم قبل قليل، عائداًً من دورة المياه، حتى المُُدرسة نظرت له منذ دخوله وحتى جلوسه، ثم أشاحت بوجهها من جديد لتتابع تدوين كلماتها على لوح الكتابة.

قبل نهاية الدرس، نظرت المُُدرسة نحو الطلبة، فشاهدته ينظر باتجاه الشُُباك، كان يراقب عصفوراًً يقف هناك منتشياًً بشمس الصباح، عادت تنظر إليه وعندما بوغت بها وهي تراقبه إرتعدت فرائضه خوفاًً وهلعاًً وعاد ينظر إلى لوح الكتابة وقد اكتسى وجهه باللون الأصفر، إبتسمت المُُدرسة مطمئنة، وقالت وهي تشير إلى لوح الكتابة:

ـــ حسناًً، أريدكم أن تحفظوا هذا الدرس جيداًً، هل لديكم أسئلة؟

وكانت تضرب بالعصا ضربات رتيبة على ساقها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية