إرادة الزهد الفلسفي

فن الذات في إنجاز أثر جميل، من خلال جماليات الوجود، وفن العيش، ولعل هذا ما يقتضي تمارين فلسفية حرة، لا تخضع لقواعد المنع، بقدر ما تخضع لفن الحياة، فحرية الفيلسوف تهدف إلى تحويل الحياة إلى أثر فني: «والأثر الفني، في نظر فوكو، هو ذلك الأثر الذي يخضع إلى شكل ما، وإلى أسلوب ما في الحياة»، ولكن كيف يكون ذلك ممكنا؟
الزهد الفلسفي مهمة صعبة، تتجه نحو إعداد النفس لمختلف أحداث الحياة، وتهيئة الإنسان للمستقبل، باعتباره مجموعة من الأحداث الغامضة، ولا يمكن التنبؤ بها، من الممكن معرفة طبيعتها، ولكن ليس من الممكن معرفة متى ستحدث، وما إذا كانت ستحدث أم لا، لأنه عندما يتم التحضير، أو الاستعداد تكون النفس مهيأة لمواجهة عالم الغموض، والغاية من وراء ذلك هو الهدف الروحي، الذي يحدث تحولات في النفس ويدفعها نحو معرفة الحقيقة، وبلغة فوكو امتلاك فن قول الحق.
ولذلك فإن قول الحق بالنسبة لفوكو هو: «بمثابة طريقة لوجود الذات، والزهد الفلسفي يجعل من قول الحق نمطا لوجود الذات، وبذلك يختلف عن الزهد المسيحي الذي يرتبط بالإيمان والنص المقدس ونكران النفس».
كم هو مدهش هذا الزهد الفلسفي حين يربي النفس على قول الحقيقة، ولعل هذا الأسلوب في الحياة، هو ما يرفع النفس إلى مقام الفضيلة، باعتبارها موضوعا للأخلاق. وأهم ما يتميز به الزهد الفلسفي هو الحرية في ممارسة تمارين النفس، من أجل تحقيق غاية جماليات الوجود، التي تتجلى في فن العيش، هو نفسه توجيهها إلى قول الحقيقة، وربما يكون هذا هو السبب الحقيقي الذي أدى إلى قمع الفلاسفة ونفي الفلسفة في المجتمعات التي تخشى قول الحق وتهاب الحقيقة، ولذلك فإن أغلب من يتوجهون إلى العبادة، يكذبون ويمارسون المعصية ثم يطلبون المغفرة، بالابتهالات والذبائح وزيارة الأماكن المقدسة. الإنسان سيفقد الحق في الحقيقة إذا فقد إرادة الزهد الفلسفي، الذي يقوم بابتكار النفس من جديد، لأنه يمس ماهية الإنسان ليطهرها من العدم: «فالعدم لا يجذب شيئا إليه، وإنما على العكس من ذلك هو في جوهره نبذ، ولكن حين ينبذ، فإن نبذه هو الطرد الذي يطلق الانزلاق، وهذا الانزلاق هو الذي يحيل إلى الموجود الذي يبتلعه في جملته». فالعدم يبتلع الموجود، وينبذ الكينونة ليضع نفسه أمام الإنسان كبديل. لكن الفلسفة بعد أن تكون مرآة لبيتها، أي للحقيقة، تسعى إلى تحرير الإنسان من سلطة العدم، وتلقي به في النزعة الإنسانية: «فالنزعة الإنسانية الحقة هي تلك التي تفهم إنسانية الإنسان فهما يقوم على أساس من قربه إلى الوجود». وإذا كان يقينا ألا نستطيع أن ندافع عن الإنسان الخائف من العدم بواسطة الفلسفة، فإننا لا نملك القدرة على تنبيهه إلى أن الخوف سيجعله فريسة سهلة للعدم.
ويعرف هيدغر الإنسان الخائف قائلا: «الإنسان الخائف يكون دائما مقيدا بما يخاف منه، وفي الجهد الذي يبذل لإنقاذ نفسه، يفتقر إلى الأمن في علاقته بـ»الآخر»، أي أن يصاب بنوع من فقدان الصواب بوجه عام»، أما الفيلسوف فإنه يقضي على الخوف بواسطة الزهد الفلسفي الذي يميط اللثام عن العدم، ويكتشف أن: «هذا الذي قلنا عنه ومن أجله لم يكن في الحقيقة شيئا بل مجرد عدم»، لكن من أين يأتي العدم؟ وكيف يستوطن في النفس؟ بل كيف يتم تطهير النفس من العدم؟
أصل العدم هو سلب الموجود في جملته، كما تكشف عنه العاطفة الإنسانية، ففي حضرة العدم لا نستطيع أن نفكر أو أن نحب بدهشة، لأن العدم هو سلب للإرادة أيضا، ولذلك يجد سلاحه في الخوف من الموت، ويقِد القلق في الروح، ويحكم عليها بالرعب، ولم يكن نيتشه مطمئنا للعدم في عزلته حين قال في «هكذا تكلم زرادشت: «أنا المنفرد المتشوق في الصقيع حتى إلى أعدائه، أطلب إليك أن تستلم وأنت أقسى ما يعاديني أيها الكائن المجهول».

٭ كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية