إرادة الفعل الحرة.. ومعنى الخوف

حجم الخط
0

لا يراود أي عاقل شك أن الواقع اليومي للإنسان العربي والفلسطيني يكتظ بالتناقضات التي تربك عقله وتجعله ينظر لفوضى التناقض على أنها تكامل مقنع، فنرى هذه الحالة المتباينة شكلا ومضمونا في كافة الاتجاهات، اجتماعية كانت أم سياسية، فالكذب طريق الصدق، والصدق مقدمة عذبة لكذب جارف، وكلمات الحق يراد بها باطل، فلا غرابة صادمة إذا وجدت صديقا يقنعك انه يقوم بعمل إنساني مع عزيز أصابه المرض، لتكتشف وعبر صدفة مناقضة لخدعته أنه يقضي يوما استجماميا في حديقة الحيوان، ولا استهجان إذا قابلت سياسيا ينعق بالصوت الرخيم انه مستعد لان يجوع لأجل شعبه، وتعلم عبر صدفة أخرى أنه مصاب بالتخمة من كثرة الأصناف الغذائية التي تناولها. لا استهجان حتى في الفصول والشهور فآذار أصبح صيفا قاحلا وتخلى عن عادته الأزلية، والمواقف أصبحت انزلاقية تتدحرج نحو مصالحها الميكافيلية، وفي غمرة التسارع الفلسطيني البسيط مشغول بأسعار البندورة الخيالية، ولقمة العيش المغموسة بألم الانتظار.

مع هذا السيل العارم من خلطات التناقضات يأتي الخوف الحقيقي، وهو أن تسلب الإرادة، إرادة الفعل الايجابي، التي تحرك دفة التغيير وتخلق منظومة المراجعات الدائمة لأداء الفرد ومن حوله، الرعب الذي نحذر منه هو أن تصبح إرادة الفلسطيني مشلولة، وذلك بان يتساوى القبول والرفض في ذات الكفة من ميزان الاختيارات، وان لا يلاحظ الفرق بينهما، فكم شخصا في يومياتنا يقبل ما يرفض، ويرفض ما يقبل ولا يجد في رأسه أي فوارق حاسمة للفعل كأساس مهم للإرادة، فلا يمكن اعتبار أن هناك تشكلا واعدا للوعي السياسي والاجتماعي إذا لم تحكمه إرادة ذاتية خالصة من التجاذبات والمضبوطة ضمن النظم الاجتماعية والسياسية، التي تؤكد على حرية الفرد وأهميته، إن ما نود قوله ان هذا التناقض الغريب بالأحداث والمفاهيم يحتاج الى حركة موازية متنامية من الوعي والفكر الدافع للحرية، فنحن نريد موقف حرا وكلمة حرة، وتصميما على التغيير، ذلك لأننا الآن نمر في اخطر مرحلة من التلاطمات الفكرية، مرحلة قبول المرفوض ورفض المقبول (مرحلة قبورفض) ولهذا لا بد أن يتسع الأفق لنكتشف الحقائق فرديا وجماعيا، وان لا نساق في طرقات الصمت بسبب قلة وعينا وضعفه أو بسبب الحالة السلبية الناجمة عن الاستسلام لإرادة الغير، إن شعبنا مطالب في مرحلة تاريخية على محاكمة مشواره النضالي التاريخي ومحاكمة كل من يتحدثون باسمه على اختلاف مسمياتهم وراياتهم، لان هذا هو معنى مشاركته في تقرير مصيره، ومن خلال إرادته سوف يصنع حريته، والحرية لا تكون بدحر الاحتلال، بل تكون بدحره من دواخلنا وأنفسنا، وتكون باجتثاث الخوف من أعماقنا.

من حيث انتهيت تنطلق الإرادة الحرة، والفعل المحصن بالوعي الذي يشكل الضمانة الحقيقية لتاريخ قضيتنا ومصيرها، فالكل من هذا المنطلق مسؤول ولا احد خارج دائرة المسؤولية ولا يحق لأحد أن يعفي نفسه من المسؤولية نحو ذاته أولا ومحيطه ثانيا، لهذا يجب أن لا تصعقنا الأحداث، وان لا تقبل بصدمتها، علينا رفض الشلل الدماغي الفكري وشلل الفعل، فكلمة واحدة وموقف واحد قد يصنع بركانا من التغير ويوجه بوصلتنا نحو رغبات المجموع، إن الضمان الوحيد لنا جميعا إرادتنا وفكرنا الحر، ولا سلطة لأحد عليه، هذا طريقنا الذي لا يتأثر إلا بعقلانية وعينا وسلامة الحكم على الأحداث. د. حسن نبيل رمضان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية