■ وصف عملية اللواء خليفة حفتر بالانقلاب العسكري، أو حتى بمحاولة الانقلاب، عبث عقلى ووجداني، فليس من سلطة في ليبيا حتى يجري الانقلاب عليها، و»المؤتمر الوطني العام» كسلطة افتراضية انتهت مدته القانونية منذ شهور، ولا أحد يعرف ـ بالضبط ـ اسم الحكومة في ليبيا، وهل هي حكومة علي زيدان الذي ترك البلد؟ أم حكومة عبد الله الثني المكلف بتصريف الأعمال بوزراء علي زيدان، أم حكومة السيد معيتيق التي لم تتشكل بعد، ولا يعرف أحد إن كان سيشكل حكومة أم لا، خاصة أن اختياره والتصويت على اسمه لايزال موضع خلاف سياسي وقانوني لم ينته بعد؟
وفوق فوضى السياسة، فثمة فوضى سلاح بلا مثيل في الدنيا كلها، مئات من جماعات الميلشيات وبأسماء عقائدية أو جهوية، وكلها تدعي «الشرعية» دون غيرها، وتدعي وصلا بثورة 17 فبراير/شباط التي أسقطت وقبرت معمر القذافي، وتطلعت إلى دولة ديمقراطية دستورية حديثة في ليبيا، ومع ذلك تجد من ينسب نفسه، بجرأة بالغة، إلى ثورة 17 فبراير، ويتنكر للديمقراطية والدستور في الوقت نفسه، ولا يجد حرجا في الجمع بين نقيضين، وعلى طريقة بيان جماعة إرهاب تنتحل لنفسها صفة «أنصار الشريعة»، وتقول ببساطة «انها تطلب الأمن والاستقرار في ليبيا، ولكن ليس تحت حكم الديمقراطية ولا الدساتير» (!)، فالديمقراطية والدستور عندها كفر بواح، ودعك من التناقض والفجاجة في مثل هذا البيان، فالجماعة ـ إياها ـ ليست وحيدة من نوعها، وثمة جماعات غيرها تشبهها في مدن وجهات الشرق والوسط والغرب الليبي، وتقيم معسكراتها جهارا نهارا، وتستضيف أمراء الإرهابيين من الدنيا كلها، وعلى طريقة جماعات القاعدة وأخواتها، وتنفذ عمليات القتل والاغتيال وقطع الرؤوس بصورة روتينية، وبدون أن نجد إجماعا سياسيا ليبيا على نعتها بالإرهاب، ولا قرارا رسميا ولا شبه رسمي بمطاردتها، رغم أنها موضوعة على قوائم الإرهاب الدولي، ورغم أن ثلاث دول عربية مجاورة لليبيا تنعتها بالصفة الإرهابية، وتحتاط لحراسة حدودها بعشرات الآلاف من جنودها، وبدون فارق محسوس على اختلاف الرؤى السياسية لحكوماتها، فحكومة تونس التي تتعاطف مع جماعات اليمين الديني في ليبيا، تعتبر جماعة «أنصار الشريعة» ـ وأخواتها ـ عدوا رئيسيا لها، ولحركة النهضة ذات الجذور الإخوانية.
وربما يفسر ذلك هذا التعاطف المرئي داخل ليبيا مع عملية اللواء حفتر، التي حملت اسم «كرامة ليبيا»، وقد سبق للواء حفتر أن أعلن عصيانه قبل اشهر، وقيل وقتها ان أوامر صدرت باعتقاله، لكن أحدا لا يملك تنفيذ أي أوامر في ليبيا، فقد تعرض رئيس الوزراء وقتها علي زيدان إلى عملية اختطاف مهينة، كما تعرض نوري أبو سهمين ـ رئيس المؤتمر الوطني العام ـ إلى عملية إذلال في فيديو جرى تسريبه عن عمد، وصار غالبية أعضاء المؤتمر العام ـ المنتهية ولايته ـ مجرد رهائن لعصابات مسلحة، ولم يعد أحد يعرف ـ بالضبط ـ من يحكم ليبيا؟ ولا من يتحكم في ثرواتها؟ فليبيا بلد غني جدا بموارده البترولية المميزة، لكن تصدير البترول توقف إلا من قليل، وصار أغنى بلد موطنا لأفقر شعب، وبدت ليبيا الهائلة المساحة كفراغ بلا حدود، وبلا دولة تضبط وتسأل، فلا كلمة تعلو فوق كلمة الميليشيات والعصابات، ولا حرج في تعليق كلمة «ثورة 17 فبراير» فوق رأس كل عصابة، وعشرات الملايين من قطع السلاح المتطور في كل الأيادي.. وبلا سلطة فعلية مؤثرة لجيش ولا لأجهزة أمن، وبلا قيادات موثوقة لتشكيلات عسكرية وأمنية رسمية على الورق، وهو ما أغرى اللواء حفتر بتنصيب نفسه قائدا عاما لما سماه «الجيش الوطني الليبي»، الذي انضمت إليه تشكيلات مؤثرة من القوات البرية والجوية والبحرية وحرس الحدود والاستخبارات والشرطة العسكرية ومديريات الأمن، بينما تكتلت ميليشيات أخرى من نوع ما يسمى «غرفة ثوار ليبيا» على الجانب المقابل، وفي ما بدا كأنه صدام عسكري أهلي نرجو الله أن يحفظ ليبيا من ويلاته.
واللواء حفتر ـ كما هو معلوم ـ ضابط ليبي قديم، ولعب دورا بارزا في حرب تشاد أيام القذافي، وجرى أسره هناك، ثم انتقل بعدها إلى أمريكا، وأقام هناك على مدى عشرين سنة معارضا لحكم القذافي، وعاد إلى ليبيا مع ثورة 17 فبراير، التي شهدت تدخلا من حلف الناتو بضربات جوية مؤثرة، وبغطاء عربي سياسي وقت قيادة عمرو موسى لأمانة جامعة الدول العربية، ولم يكن ممكنا أن يسقط القذافي سريعا بدون تدخل الناتو، وبدون فرض مناطق الحظر الجوي، وكان هذا التشوه الذي لحق بثورة ليبيا هو السبب في المعاناة المتصلة إلى الآن، فلا أحد في ليبيا ـ ولا في غيرها ـ يتذكر القذافي وحكمه بخير، وكاتب السطور كان مع ثورة سلمية تخلع ديكتاتورية القذافي بقوة الشعب الليبي دون غيره، فلم يحدث أن جلب التدخل الأجنبي خيرا لأي بلد عربي أو إسلامي، والكل يذكر ما جرى في العراق الذي تحطم بالكامل، وهو ما خشينا أن يتكرر في ليبيا العزيزة، خاصة أن القذافي نفسه كان قد حطم كيان الجيش الليبي، وخشي أن ينقلب عليه الجيش، وفتت الوجود العسكري إلى كتائب وضع أولاده وأزلامه في رئاساتها، وحين ذهب القذافي، بانت حقيقة الانكشاف المريع في الوضع الليبي، فالدولة تحلل وجودها أيام القذافي نفسه، ولا جيش بهيكلية متماسكة، والقادة العسكريون الكبار كانوا قد اختفوا، أو جرى اغتيالهم من قبل عصابات همجية على طريقة ما جرى لعبد الفتاح يونس، ثم تداعت وقائع واحدة من أبأس المراحل الانتقالية بعد مقتل القذافي، فلم يتوافر لليبيا زعيم وطني ديمقراطي قادر، لا من أصول عسكرية ولا من أصول مدنية، ولم تحقق جماعات اليمين الديني ـ وعلى رأسها حزب الإخوان ـ فوزا ذا قيمة في انتخابات المؤتمر الوطني العام، وظهر «تحالف القوى الوطنية» بزعامة محمود جبريل كقوة أكثر التصاقا بأجواء المجتمع المدني الليبي، وكان اختيار علي زيدان ـ الأقرب لجبريل ـ رئيسا للحكومة علامة على ضعف النفوذ الانتخابي للإخوان، وبلغ التناقض ذروته بالمظاهرات الشعبية الرافضة لتمديد سلطة المؤتمر الوطني العام، بعد أن انتهت مدته القانونية أوائل 2014، وبعد أن بدت قراراته واقعة تحت ضغط إرهاب الميليشيات، وكان يفترض أن تجرى انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة، حتى يمكن بناء شرعية انتقال حقيقي للديمقراطية، لكن حزب الإخوان ـ المسمى بالعدالة والبناء ـ يخشى على ما يبدو من ضعف حظوظه الانتخابية، خاصة بعد تراجع وزن التيار الإخواني شعبيا في تطورات مصر وتونس، ثم انهم ـ أي إخوان ليبيا ـ يعارضون من حيث المبدأ إجراء انتخابات رئاسية مباشرة، ويخشون انتخاب رئيس قوى لليبيا الجديدة، يعيد بناء الدولة الليبية على أسس منضبطة، ويفضلون العشوائية القائمة الآن، التي تتدفق فيها مليارات الخارج لنصرة وتقوية ميليشيات السلاح، وربما يفسر ذلك ضيق الإخوان بالذات من عملية اللواء حفتر، الذي يهاجم الإخوان بشدة، ويحملهم مسؤولية الخراب الجاري في ليبيا، وقد كان لافتا أن ردود فعل «إخوان ليبيا» بدت مرتبكة، فهم يصفون عملية حفتر بأنها انقلاب عسكري، رغم أنه لا انقلابا ولا يحزنون، فليس من سلطة مجمع عليها في ليبيا حتى يجرى الانقلاب ضدها، بل القصة كلها مخاض عسير في بلد تعثرت خطاه وتاهت أقدامه، وفي ردود فعل الإخوان محاولة لإنكار الصلة مع جماعات الإرهاب المتفشية على الأراضي الليبية، ولكن بدون وصف هذه الجماعات بصفاتها الإرهابية الحقيقية، وبدون إبداء استعداد الإخوان للدخول في حرب تصفية الإرهاب، وهو ما قد يدعم الظنون بوحدة عمل الإخوان مع جماعات الإرهاب، وخشية الإخوان من الاحتكام لأصوات الشعب الليبي في انتخابات حرة.
نعرف أن هناك من يتحدث عن تدخلات إقليمية من هنا أو من هناك، وليبيا ـ على أي حال ـ ليست في خريطة منفصلة، ولا في جزيرة معزولة، ولا أحد مسؤولا يمكنه الصمت على تحول ليبيا إلى مصدر شرور أو مخاطر إرهاب تؤذى الجيران، وصبر القادرين له حدود، لكن المطلوب أن يجري إنقاذ ليبيا من داخلها أولا، وأن ترفع عنها كل الأيادي الشريرة، وما من سبيل ـ في ما نظن ـ إلا أن تجري انتخابات برلمانية ورئاسية على نحو عاجل، وأن يجرى اتفاق على إنهاء ظاهرة الميليشيات المتفاقمة، وأن تعود ليبيا لأهلها، لا أن يظل الليبيون غرباء في بلادهم، وأن يصبح لجوء النخب الليبية إلى المنافي هو الحل المتاح للهروب من جحيم القتل.
٭كاتب مصري
عبد الحليم قنديل