إرفع رأسك يا أخي : عنوان فيلم وشعار مرحلة

حجم الخط
0

إرفع رأسك يا أخي : عنوان فيلم وشعار مرحلة

السينما الوثائقية تعيد قراءة تاريخ جمال عبدالناصر إرفع رأسك يا أخي : عنوان فيلم وشعار مرحلةالقاهرة ـ القدس العربي ـ من كمال القاضي: علي خلفية الأحداث السياسية الجارية في المنطقة العربية وجذوة الحريق الذي أشعله إعدام الرئيس العراقي صدام حسين وبتزامن الاحتفال بيوم ميلاد الزعيم جمال عبدالناصر، عرضت نقابة الصحافيين الفيلم الوثائقي ارفع رأسك يا أخي للمخرج اللبناني سايد كعدو.ويأتي العنوان في سياقه الزمني وظرفه التاريخي الحرج بمثابة نداء موجه للأمة العربية والشعوب الحرة الأبية وهو استدعاء للمقولة الشهيرة التي رددها عبدالناصر للبرهنة علي دحض الاستعمار ودفع الجماهير إلي نسيان عذابات الماضي والمضي قدما علي طريق الحرية والاستقلال، وحيث أن المشاهد التي تضمنتها البانوراما المصورة الزاخرة احتشدت بالصور التسجيلية التي تؤكد المعني المقصود في العبارة التاريخية الآثرة فقد جاءت الحالة السينمائية مجانســة ومطابقــــة تماما للواقع الثـــــــوري ومتسقة مع الروح السائدة آنذاك، ولأن المخرج والسيناريست أحد المؤمنين بالفكر القومي صارت أحداث فيلمه علي وتيرة سياسية واحدة مستهدفة إبراز التفاصيل الدقيقة والعميقة في مسيرة الزعيم الخالد الذي لقبه سايد كعدو بصديق الفقراء كنيةً وانتماء وتوثيقا لجهده المضني في سبيل نهضتهم وضمان استقرارهم وأمنهم. لم يشأ المخرج أن يبدأ بنيانه السينمائي من حيث بدأت المسيرة التاريخية لبطله مع تاريخ قيام ثورة يوليو 1952 ولكنه علي العكس تماما فقد بدأ من نقطة فاصلة وفارقة يتصورها البعض نقطة الضعف في تاريخه السياسي، فالبداية كانت من خطاب التنحي الذي ألقاه عبدالناصر عقب وقوع نكسة 67 ورغم أن الاختيار كان صادما ودامعا إلا أن دلالته جاءت بليغة وموحية، لا سيما أن ما يتصوره المعارضون نقطة ضعف كان فرصة ثمينة لإعادة تصحيح الأوضاع ومحك اختبار حقيقي لشعبية جمال عبدالناصر، خاصة وأنه اعترف صراحة بمسؤوليته عن النكسة وأبدي استعداده لتحمل كافة النتائج، فيما كانت المفــارقة في ذلك الزحف المروع للجماهير التي جاءت من كل صوب تطالبه بالعدول عن قراره وتعـــــلن تمسكها به رئيسا للجمهورية العـــربية المتحدة، ولم يكن التصرف التلقائي من الجماهير غير استفتاء حقيقي علي نزاهة الرجل وجدارته بالموقع والمكانة، لذا فإن البدء في سرد الأحداث من خطاب التنحي كان رؤية موضوعية تم تقييم الحدث فيها وفق النتيجة النهائية التي وصل إليها الشعب مع القيادة علي ضوء السجال المفتوح حينئذ وقوة الإرادة الشعبية المواجهة لقرار عبدالناصر بالتنازل عن حكم البلاد. من هذه البداية انطلق كعدو في عرض انجازات الرئيس متكئا علي استشرافه للمستقبل للتدليل علي خاصية بُعد النظر التي كان يتمتع بها ناصر في رصد ما يدور حوله من أحداث تتصل بالصراع العربي الصهيوني تارة وبالمطامـــع الأمريكية في المنطقة العربية تارة أخري، وهو ما ورد بوضوح في خطبه وتضمنه الفيلم ليربط الحاضر بالماضي ويزيح الغشاوة عن عيون الداعين للسلام والمتعلقــــين بوهم المصالحة، ففي نص كامل لاحدي خطبه المهمة يكشف الرئيس جمال عبدالناصر النقــــاب عما جري بينه وبين مبعوث الرئيس الأمريكي جونسون موضحا المساومة التي تعرض لها مقابل التخلي عن مشــــروع الوحدة العربية، وكيف أنه تلقي وعودا لتسليح الجيش المصري إذا ما وافق علي هذا العرض، بيد أنه أشار أيضا في موضع آخر الي المؤامرات التي أحاطت به وشكلت معضلات حقيقية أمام العملية التنموية ووحدة الصف العربي، ذات الأشياء التي ضمنها المخرج في سياقات مهمة راعي فيها البعد القومي والتزم بخصوصية التجربة الناصرية بكافة جوانبها الاجتماعية والسياسية والدينية ولامس بها أطراف الفتنة التي أرادت قوي الامبريالية إيقاع مصر فيها حين ألمحت إلي وجود تفرقة عنصرية بين المسلمين والأقباط.وبدوره استطاع عبدالناصر أن يفسد علي المتآمرين خطتهم بإعلان مبدأ المساواة في الحقوق والمواطنة بين عنصري الأمة.وفي تداخل بنيوي للمشاهد الوثائقية اتبع المخرج اللبناني سايد كعدو نظرية التصعيد الشعوري لإعطاء المشاهد فرصة امتصاص رحيق المعاني مستهدفا وحدة الإحساس عند المتلقي وتوحده مع الفكرة الرئيسية لاستلهام التاريخ وإسقاطه علي الحاضر لفضح الفروق السلبية والتباينات الفجة بين شعار المرحلة الناصرية الرامي الي القتال والمقاومة والمزاعم الراهنة للسلام المذبوح علي قارعة الطريق في فلسطين والعراق ولبنان، وكذا يركز المخرج عبر مشاهد رئيسية في رحلة عبدالناصر ضد العدو ملقياً الضوء علي قرار تأميم قناة السويس وبناء السد العالي كإشارات واضحة للتحدي والجسارة مبيناً ايجابية التلاحم الشعبي الدافع إلي تثبيت قناعات القيادة السياسية وإصرارها علي الصمود كخيار وحيد لتحقيق الاستقلال والنهوض، وسعيا لتوسيع مجال الاستقراء يطرح الفيلم المشتركات بين الدول العربية فنلمح في مختاراته الوثائقية بعض الجمل ذات الدلالات حول نزوع إسرائيل إلي السيطرة علي المرتفعات السورية بدعم من الولايات المتحـــدة الأمريكية، غير أن الأدهش من ذلك ما ذكره ناصر مبكرا حول رهان إسرائيل الدائم علي إبرام اتفاقية سلام مع مصر كرؤية استراتيجية تمكنها من التغلغل داخل المنطقة ونشر ثقافة مغايرة لثقافة التحرر والاستقلال إيذانا بفرض ثقافة التبعية وإحكام قبضتها علي الدول المجاورة والمتاخمة لحدود مصر، علي أن تتخذ من فلسطين قاعدة عسكرية رئيسية تنطلق منها إلي حيث تشاء وفق أجندتها السياسية الهادفة الي الاستيطان.ويقودنا الفيلم الي مناطق ومساحات واسعة من المعرفة ويثير العديد من التساؤلات حول طبيعة المشروع الصهيوني الأمريكي والعلاقة بين الأمس واليوم، كما تتجلي الصور النادرة بوافر المعلومات وتشف عن حقائق تاريخية ليس بوسع السينما الروائية تقديمها بهذا الوضوح لوجود العائق الرقابي وفداحة التكلفة الانتاجية التي ربما تصل الي مئات الملايين لو تم تجسيد كل الأحداث الستينية طبقا للصورة الواقعية، وهذا ما جعل التوثيق ضرورة تغني عن البديل الدرامي وتقرب المسافة الزمنية البعيدة التي تفصل الحدث التاريخي عن الواقع الآني وتحيله إلي متحف الذكريات.تميزت تجربة سايد كعدو بالاتقان والحرفية الشديدة في التقطيع والمونتاج والحساسية المفرطة في اختيار اللقطات التأثيرية دون مبالغة أو مغالاة، فضلا عن الذكاء في الإلمام بكافة الجزئيات المتفرقة علي امتداد الحقبة الناصرية كلها ودمجها في وحدة واحدة كأنها عمل فني تم تصويره للتو فاكتسب سخونته من طزاجة الأحداث وحضور الشخصية المحورية التي تبدو حيوية وفاعلة طوال الوقت، خاصة لأن الخلفية الغنائية بصوت عبدالحليم حافظ عززت هذا الإحساس وجددت بالفعل الدماء في شرايين الماضي البعيد فبدا مشتعلا ومضيئا، إذ أن العلاقة بين الأغاني الثورية ورحلة عبدالناصر النضالية أصبحت فرضية بحكم ما ترجمته الأغنيات الوطنية من مشاعر وأحاسيس كانت تتويجاً للآمال والأحلام وعنوانا صادقا لما آمنت به الجماهير وجسده عبدالناصر.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية