إرهاب العبودية

حجم الخط
0

كفى الزعبيلم ننجُ بعد من إرهاب الفكر السلفي الإسلامي الذي دأب على تكفير كل مثقف وكاتب لامس بفكره وأدبه حدود ما يسمى بالمحظور. قلت ‘ما يسمى بالمحظور’ لأن الحقيقة مفهوم نسبي قد نقترب منها كثيرا لكننا لن نمتلكها بالمطلق، في حين يدعي هؤلاء الأصوليون امتلاكهم الكامل للحقيقة، التي تبيح لهم تصنيف الناس في خانتين فحسب: مؤمن وكافر. وبما أنهم ـ وحسب اعتقادهم ـ يمتلكون الحقيقة، فقد ظنوا أنهم ‘اكتسبوا!’ حق الدفاع عنها ومعاقبة كل من يختلف معها. ما زالت الأمثلة حية لكتاب ومبدعين عرب حوكموا، وسجنوا وتعرضوا للإهانة ليس لأنهم ادعوا امتلاكهم للحقيقة بل لأنهم دعوا لتفعيل العقل العربي المغيب، دعوا للتفكير والتأمل، في عملية تدخل في سياق بحث الإنسان الأزلي عن الحقيقة، هذه العملية التي قد يخطىء العقل أثناءها وقد يصيب، لكن ذلك لا يدفعه إلى أن يغلق الباب في وجه الأفق اللامحدود للمعرفة. أما السلفيون الأصوليون الذين وضعوا عقولهم ـ بلا أسف ـ على الرف ونذروا أنفسهم لظلام العبودية المطلق، فقد راحوا يرهبون ويتوعدون بكل من يطرق باب المعرفة والنور. ما دفعني إلى الحديث عن الأصولية الإسلامية الآن، هي صورتهم التي حضرت ذهني بعفوية وأنا أتابع ما يجري على الشارع الأردني، إذ بدا لي أننا نشهد الآن أصولية جديدة، ليست دينية ولا إقليمية ولا طائفية ولا عنصرية بل هي أصولية من طراز حديث: الأصولية الملكية! تلك التي ظهرت على الساحة منذ فترة قصيرة، وشرعت حسب معايير، الشيطان وحده يعلم ما هي، تقسم الناس إلى طائفتين لا ثالث لهما، ملكي ( مؤمن) ولا ملكي ( كافر). وإذا كانت الأصوليات الأخرى تعتمد على نصوص سواء كانت سماوية أو وضعية، كمرجعيات تبرر سلوكها وتطرفها، فإن هذه الإصولية الجديدة لا تعتمد على أي نص، لا سماوي ولا وضعي، كي تستقي منه الحجج والبراهين التي يمكن للعقل أن يتعامل معها، وإنما يمكن إدراج خطابها فقط في سياق الردح البدائي والغوغائي، وفي سياق التوعد والتهديد بالقتل وشرب الدماء والتحطيم والحرق والإعدام…أنا لا أبالغ، فهذه اللغة أقرأها يوميا في الفيس بوك، وكنت سمعتها على دوار الداخلية في يوم الجمعة، وأسمعها كل يوم في الراديو، لغة يكاد صداها يصم الآذان وهو يطرق باب العقل من غير أن يقوى العقل على استيعابه، فيرده في كل مرة بعد أن تظهر على شاشته علامة ‘error ‘! إنها حقا لغة العبيد الإرهابية، اللغة التي تكفّر الآخر لا بالله في هذه المرة بل بمن يبدو ـ حسب منظورهم ـ أهم من الله: الملك، فبظني لو أن المعتصمين في دوار الداخلية في يوم الجمعة تطاولوا على الذات إلإلهية، لما رُجموا بالحجارة ولما جاء الدرك …مع أن الطريف والغريب في الأمر أن أحدا في الواقع لم يتطاول على الملك، بل على النقيض من ذلك، كان المعتصمون يهتفون له أحيانا ويستنجدون به في أحيان أخرى لينقذهم من شر البلطجية. لكن الأمر على ما يبدو وحسب رؤية هؤلاء يمتد إلى ما هو أبعد: إلى إرهاب الردع، فبما أن المعتصمين الآن يطالبون بإصلاحات سياسية، فبماذا سيطالبون غدا؟! ـ يتساءلون. إنه الإرهاب الذي عجز عنه السلفيون الإسلاميون المتطرفون، فلم أسمع لغاية هذه اللحظة على الأقل، أن ثمة من عوقب على فكرة ‘قد!’ تخطر بباله غدا تقوده إلى الكفر بالله. المسألة أن ‘الأصوليين الملكيين’ يستمدون شرعيتهم وحرية صولانهم وجولانهم في كل الميادين: الواقعية والافتراضية والأثيرية، لا من فكرهم وإيمانهم بمبادئ ما، فالإيمان يتطلب عقلا وتفكيرا فضلا عن العواطف، لكنه يستمد هذه الشرعية فقط من عبودية العبد المستقوي بسيده، ولا شيء آخر…لا شيء آخر على الإطلاق. ولست أريد هنا الدخول في تحليل الأصول الثقافية والتاريخية للبنية الذهنية للعبد، التي نرى أعراضها الجانبية تظهر هنا وهناك وهي تنحاز لعواطف قابلة للاستفزاز بسهولة وفي أي لحظة، لمنظومة الفكر الأبوي الذي يتجسد مرة في الولاء للعشيرة، وخوض معارك دامية من أجلها، أو في الانحياز للمكان أو للطائفة أو للعائلة، حيث يتحول كل من هو خارج دوائر هذه النظم القبلية البدائية ـ بدائية حسب المقاييس المدنية ـ إلى عدو لا يمكن للعلاقة به أن تقوم إلا على أساس النبذ. لكن وفي الوقت ذاته لا بد من القول أنه قد تم العمل وعلى مدار سنوات طويلة من قبل الأجهزة الأمنية على تكريس هذه البنية الذهنية وتعميقها، سواء من خلال سياسة القمع والاضطهاد والتخويف، أو من خلال تربية الناس عبر المناهج المدرسية وعبر وسائل الإعلام، وعبر كل المنابر المتاحة وغير المتاحة، كي يصبح الناس بالمحصلة عبيدا خانعين مواليين مغيبي الإرادة والعقل، عاجزين عن إنجاز مشروع نهضة المجتمع الحضارية بما تنطوي عليه كلمة حضارة من فكر وثقافة وعلم، فقد أثبت التاريخ أن المواطن الحر والشعوب الحرة هي وحدها القادرة على إنجاز هذه النهضة في ظل بيئة صحية وديمقراطية تحترم الاختلاف لأنها تدرك أن الاختلاف هو الوقود الحقيقي لعجلة التطور. أما هنا فيبدو في هذه الأيام أننا أبعد ما نكون عن ذلك، بل أن المشهد بات فجأة يبعث على اليأس، لا سيما حينما طفت تلك ‘النخبة!’ على السطح، فركد كل شيء، لأن أي حركة قد تجعل المرء كافرا ليس بالله، بل بمفاهيم كائنات تعلن بصوت عال أنها مستعدة لشرب الدماء. سأعترف أنني خفت حقا حينما سمعت هذه الهتافات، لأنني كنت أعتقد أنني موجودة في عالم، وإذ سمعتها اكتشفت فجأة أنني موجودة في عالم آخر، لا ينتمي إلى العصور البشرية التي يعرفها التاريخ، بقدر ما ينتمي إلى عصور متوحشة وهمجية اندثرت لأن أفرادها لم يرتقوا إلى اللغة وإلى الخطاب وإلى التحاور…إنها عصور ما قبل التفكير وما قبل اللغة. هل هذا هو المجتمع المطلوب من الناس أن يعيشوا فيه ويشعروا فيه ـ رغم أنوفهم ـ بالأمان؟! في الوقت ذاته، ثمة خطاب، أكثر هدوءاً، ولا يهدد بشرب الدماء، لكنه أيضا يروج للفكر العبودي، بمحاولات تجميلية ركيكة، إنما من غير أن يخرج عن إطار استغباء العقل. في هذا الصدد قرأت قبل أيام مقال لكاتب صحافي شارك في مظاهرة الولاء في حدائق الحسين. يقول الكاتب أنه التقى هناك بشاب اسمه ‘علي’ جاء من قريته على ظهر شاحنة ‘بك أب’، يحمل صورة الملك، وقد سأله الصحافي عن سبب حبه للملك، فأجاب علي: لأنه كان في صفه الخامس حينما نصب الملك ملكا، وبالتالي لم يعرف غيره…أنه يحبه فحسب! المضحك أن الصحافي يتباهى بهذا النموذج على اعتبار أن إجابة علي ترمز إلى النقاء والبراءة! مع أنها تبدو ساذجة لأي إنسان يتمتع بقدرات ذكائية تنسجم مع سياق الذكاء العام، بل وبحدوده الدنيا، للبشر. لم يدرك الكاتب أن إجابة علي تسيء للملك، قبل أن تسيء إليه ذاته، وللشاب الذي لا يعرف لماذا يحب الملك…يحبه فقط لأنه ملك! لقد عجز الشاب عن تقديم ولو حجة واحدة منطقية بوسع العقل أن يستوعبها ويناقشها ويتفق معها أو يختلف معها! تماما مثلما يجيب طفل في الخامسة من عمره على سؤال: ‘لماذا تحب الله’ فيرد كما لقنه والداه: ‘لأنه الله’ من غير أن يقوى على تقديم حجة ـ وهو بالطبع معذور بسبب عمره وإدراكه ـ تقنع الآخر بأن الله جدير بالحب، مع الإشارة إلى أن الأنبياء اضطروا في زمن ما إلى أن يقدموا الحجج والبراهين خلال مخاطبتهم لعقول أناس من المفترض أنهم جهلة وضالون، لكن الأنبياء تواضعوا وقدموا الحجج وناقشوا وجادلوا ….وعذبوا أيضا… كل ذلك ليقنعوا الناس بأن الله موجود ويستحق العبادة والحب، لعدله وتسامحه وخيره المطلق. لست أدري إن كان يروق لأي حاكم أو ملك أن تقوم علاقته بشعبه على أسس العبودية والتقديس الأعمى، لا الاحترام، الاحترام المتبادل الذي يبيح لكلا الطرفين الحوار والنقد والمساءلة، فأي حاكم وأي ملك هو في نهاية المطاف، شئنا الاعتراف بذلك أم أبينا، هو إنسان وليس ملائكة ولا آلهة، وهو بالتالي قادر على الصواب مثلما هو قادر على الخطأ، لكنني واثقة من أن قطعان الأصولية الملكية التي أسرحت في الشوارع وعلى صفحات الفيس بوك واحتلت الوطن بكل فضاءاته، بردحها وحجارتها وغوغائيتها وأميتها وجهلها وبدائيتها وتوحشها، قد تظن أن بوسعها أن تكتم الأنفاس، لكنها حتما مخطئة لسبب بسيط للغاية، لعلها تجهله، وهو أن البشرية قد تجاوزت عصر العبودية منذ قرون مديدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية