في الحديث عن إريش فريد، الشاعر النمساوي المولد (1921—1988)، يكتب سمير جريس، المترجم المصري البارز والمخضرم، أنّ فريد «أصرّ دوماً أن يسمّي الأشياء بمسمياتها دون أن يخشى شيئاً، ولم يلتزم يوماً بالخطاب الرسمي في قضية من القضايا. كسر تابوهات، وواجه اتهامات عنيفة وهجوماً شديداً، لكنه ظلّ على مبادئه صلباً لا يهادن». وتابع جريس: «اليوم عندما نستعيد قصائده التي كتبها بعد حرب عام 1967، نجدها طازجة وآنية، لم تفقد شيئاً من ألقها، ونكتشف كم هي معاصرة وراهنة، وكم كان بصيراً في أحكامه، إلى حد أن بإمكاننا أن نعتبرها تعليقاً على الجرائم الوحشية التي ارتكبتها وترتكبها إسرائيل في غزة وفي الضفة الغربية».
وفريد «شاعر اختراق المحرمات السياسية بامتياز. نكأ جرح التاريخ النازي لألمانيا قبل أن يندمل، ثم توقف طويلا أمام جرائم الجيش الأمريكي في فيتنام، قبل أن يخترق وهو اليهودي التابو الإسرائيلي في ديوانه (اسمعي يا إسرائيل) (1974) الذي جلب عليه النقمة والتشهير، فوُصف تارة بأنه مدافع عن هتلر وتارة أخرى بأنه (يهودي معاد للسامية) و خائن لذويه».
في «وكنّا نضحك أحياناً» يفتح الشاعر دفتر ذكرياته متحدثاً عن فترة طفولته وشبابه المبكر في النمسا ومنفاه اللندني. وتكشف هذه الذكريات كيف أصبح الصبي الخجول الذي عانى من إعاقة بدنية شاعراً جسوراً لا يهاب أحداً أو شيئاً.
هنا فقرات من كتابات فريد:
«في ذاك الربيع، فهمتُ أنّ الأموات لا يغيبون ويستمرّ تأثيرهم إلى الأبد ربما. فهمتْ أنّ جدتها لأبيها خاطت بغبائها ذاك، معالم علاقتها هي مع أبيها. طبع غياب جدتها ذلك الصبي ذا الشعر الأسود الناعم الذي صار أباها وطبعها هي من بعده. وحين زارت جدتها في قبرها، أعادت لها دفئاً لم تعهده في أبيها من قبل. إثبات جديد على أنّ الموت ليس مرادفاً للصقيع. إثبات جديد على أنّ الأموات لا يرحلون».
«لم تكن هذه قصة قوامها الخيال الخالص بل كانت أيضاً جزءاً من حياة. لذلك لن تكون لها النهايات المألوفة التي نعرف فيها مصير كلّ شخصية منها بقضية تقليدية». من الشخصيات. كانت هذه رحلة مع الحياة والموت، ومواجهة معهما. كان هذا مقطعاً من سوناتا لم يكملها الموسيقيّ بعد. يُقال إنه خاف من لعنة السيمفونية التاسعة تحديداً، ويدّعي آخرون أنّ النهايات تحمل موتاً بالضرورة. أمّا البعض الآخر فلا يسأل لأنه يدرك أنّ الحياة أكثر شبهاً باستعارة
دار صفصافة، القاهرة 2024