إزاء “صفقة التبادل”.. إسرائيل تعترف: السنوار يعتلي الآن ظهر الجواد

حجم الخط
3

“في الأسبوعين الأخيرين، في كل مرة أحتاج فيها للتحدث مع هذا أو ذاك، أشعر بقرف ومقت ورفض، وكأني أحتاج بعدها للاستجمام. المشكلة ليست مع هؤلاء الأشخاص؛ فالنفور نابع من نفسي بأني أردد رسائل الحكومة وجهاز الأمن وأعرف أن ما أقوله جد جد غير دقيق، وهذا هو أقل ما يقال تاريخياً. الناطق – رجل يتبوأ منصباً حكومياً رفيعاً- يتعين عليه أن يعبر علناً عن الرأي ويلتقي محافل أجنبية تشطب أسماؤها وألقابها منعاً لإمكانية معرفته. فهو يعرف جيداً ما يجري في ميدان المعركة، وضليع في المادة الاستخبارية. أما “القرف الخفيف” فيتعلق بالأوامر التي يتلقاها ذاك الشخص إياه: أن يكرر خط الحكومة الإعلامي، وفي أعقابه خط الجيش بأن للحملة هدفين: إبادة بنية قدرات حماس وحكمها، وتحرير المخطوفين.
هذه هي الرسائل التي يكررها وزراء، ناطقون، ورئيس الوزراء وجهاز الأمن كله أمام الجمهور وباقي العالم، ابتداء من أسبوعين بعد هجوم حماس. “المناورة البرية وسيلة الضغط المركزية على السنوار للوصول إلى صفقات المخطوفين”، يقولون، “وعليه، يجب الاستمرار في المناورة لتحقيق الهدف الأول، وتفكيك المنظمة، وكذا الثاني أيضاً ممارسة ما يكفي من الضغط على السنوار كي يخضع ويوافق على صفقة يتقبلها إسرائيل”.
لكن هذا القول دقيق تقريباً مثل توقعات الجيش الإسرائيلي قبل حرب لبنان الثانية؛ إذ كانت حالة اشتعال وضع القتال حيال “حزب الله”، فبمقدور سلاح الجو وباقي وسائل إطلاق النار لدى الجيش الإسرائيلي أن تشل كل مصادر إطلاق النار لدى المنظمة الشيعية نحو إسرائيل “باستثناء كاتيوشا على حمار هنا وهناك”، على حد قول ممثلي الجيش للحكومة قبل الحرب. في النهاية، تبين أن الكاتيوشا كانت، وأكثر بكثير من هنا وهناك. كما أن حماراً كان، لكن ليس مؤكداً أنه كان يسير على أربعة.
لا يدور الحديث عن حكمة بأثر رجعي أو استنتاج لا يمكن الوصول إليه إلا بعد وقت. في 26 أكتوبر، قبل بضعة أيام من الدخول إلى قطاع غزة، حذرنا من تضليل الجمهور الإسرائيلي بتحقيق هدفين للحرب. فقد كتبنا نقول: “محظور التشوش، فأمام إسرائيل خياران، خياران فقط: إما محاولة الوصول إلى صفقة تحرير مخطوفين تكون أكبر ما يمكن، أو الخروج إلى مناورة برية. في مفترق الـ T هذا يمكن التوجه يميناً، إلى رحلة تثبت أنه يوم الثأر والدفع قد حل، وبأن رحلة تثبت أن الفرق بين مشاهد الكارثة في أوروبا في الأربعينيات وبين المنافسة البربرية لمخربي حماس هو الجيش الإسرائيلي، اليهودي المستعد بسيفه. أو يمكن أيضاً التوجه يساراً، لاحترام قوة “الرمبام” بعدم وجود فريضة أكبر من فريضة فداء الأسرى، القيمة الأعلى، الإنسانية واليهودية للتكافل المتبادل وإنقاذ الحياة، وبالتأكيد في المكان الذي تعرض فيه الآن لهذا القدر الكثير من الموت”.
طرق متضاربة
كل عاقل أدرك منذ ذلك الحين بأن “الطريقين تعارض إحداهما الأخرى، هما معاكستان في الاتجاه، وفي النتيجة، وفي الخيار، كل منهما تعطل الأخرى، كما كتبنا. وحذرنا من أنهما “ليستا إمكانيتين، بل خيار وثلاثة أرباع سرعان ما يصبحان خياراً ونصف خيار، وعندها سيتبدد تماماً”. كان واضحاً منذئذ بأن “الائتمان غير المسبوق الذي أعطاه العالم لإسرائيل تحت مشاهد الفظاعة ” – هذا الائتمان سينتهي، و”في النهاية حتى رئيس بايدن سينفر من هذا”. كتبنا بأن الخروج إلى خطوة برية، وكان نتنياهو متردداً في حينه، يجب أن تكون قصيرة ولا يمكنها أن تستمر مدة سنة، مثلما قال الجيش إنه يحتاج كي يصل إلى الهدف.
إن من خطط للبقاء سنة في القطاع في حينه واعتقد أن الأمر ممكن، هو شخص ساذج جداً أو عديم المعرفة تماماً لما حصل لإسرائيل في الجولات السابقة أو حصل في أحداث مشابهة في العالم. إذ لم يكن شك، فالعالم لن يسمح لإسرائيل بالبقاء في غزة. إن الضغط الدولي، إلى جانب الثمن المتعاظم من المقاتلين القتلى من جيش يراوح في المكان ويقف في مكانه ومكشوف لمخربين، فأعادوا انتظامه، هو ضغط سيلزم الجيش الإسرائيلي بالانسحاب قبل ذلك بكثير جداً.
لم يتصور أحد في الحياة العامة الإسرائيلية أن يخلق القادة وهماً عابثاً، وعملياً قد تنهي إسرائيل جولتها دون تحقيق الهدف الأول للحرب؛ دون الإبادة التامة لمنظومة الصواريخ، ودون إبادة منظومة الأنفاق تحت الأرض ومع ضربة جزئية جداً وغير هامشية لكن جزئية لعصبة السنوار وسبعة مساعديه الكبار، الذين جرى تصفية اثنين منهم فقط حتى الآن. كان واضحاً منذئذ أنه من الصعب جداً تحرير المخطوفين بقوة الذراع، وأن الجيش في النهاية سيصل في أقصى الأحوال إلى وضع يحيط فيه بالقلعة التحت أرضية الأخيرة للسنوار والضيف، وعندها وفي ظروف ضغط حقيقي على زعيم حماس، سيحاول الوصول إلى صفقة ما.
حقق الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن إنجازات هائلة في المعركة البرية. فبمجرد الخروج إليها، بعد عقود من التخوف منها، فضلاً عن عمل ذلك بعد الضربة الرهيبة والمهينة في 7 أكتوبر، كان هو الأهم. بالنسبة للتوقعات المسبقة لأعداد القتلى الكبيرة أكثر بكثير، ولحقيقة أن جزءاً كبيراً من القوات هم رجال احتياط بالكاد تدربوا، هذا إذا كانوا قد تدربوا على الإطلاق، في السنوات الأخيرة، ولعدد القتلى العالي بنار صديقة، والفوضى العامة (حدث قتل المخطوفين لا يقع في فراغ) قي حرب في منطقة مبنية، ثم تآكل الوحدات في هذه الخطوة البرية التي تواصلت لزمن طويل جداً – بدا أن عدد القتلى رهيب وعظيم، لكن أدنى بكثير مما هو متوقع في مثل هذه الظروف. لكن الحقيقة هي خيار أيضاً. في 16 أكتوبر، بعد ضغط جماهيري، أضاف الكابينت موضوع المخطوفين كهدف ثان للحرب. الخطوة البرية، كما كرر مندوبو الحكومة والجيش، ستساعد في تحريرهم. أما التجربة من أسابيع القتال فتثبت إخفاق جدوى المناورة البرية بأنها محفز لتحرير المخطوفين، وأنه خيار ليس دقيقاً حقاً. فالصفقة التي توصل إليها الجيش الإسرائيلي وخرجت إلى حيز التنفيذ كانت على الطاولة بعد وقت قصير من دخول القطريين إلى الحدث. التعديلات (بما في ذلك بند سري أخفته إسرائيل وقضت فيه تعهداً إضافياً تجاه حماس) مقارنة بالصيغة النهائية كانت طفيفة. في نهايتها، أي في الليلة الأخيرة لوقف النار، تلقى رئيس الموساد دافيد برنياع قائمة أخرى لحماس، التي اقترحت تبادل جثث مقابل استمرار الهدنة: رجل واحد شاب نسبياً وبضعة كبار في السن آخرين. وأعلنت المنظمة بأنها لا يمكنها تحرير باقي النساء وادعت بأنهن لسن تحت سيطرتها. كان الجيش وأسرة الاستخبارات يعرفون جيداً بأن هذا كذب. فقد تخوفت حماس، هكذا حسب محافل استخبارات مطلعة على الأمور، مما سترويه تلك النساء مع عودتهن.
برنياع، وباقي القيادة الإسرائيلية، قرروا بأنه لا يمكن ترك هؤلاء النساء والانتقال إلى صنف آخر. وأعلن برنياع بأن حماس خرقت الاتفاق وأنه يغادر. وخرق الطرفان وقف النار في الصباح. بذل جهاز الأمن جهوداً عظيمة في محاولة للعثور على المخطوفين والوصول إليهم في حملة إنقاذ. نجح هذا مرة واحدة، وفشل مرة أخرى. عمليات كثيرة لم تخرج إلى حيز التنفيذ خوفاً من نقص في المعلومات أو خطر عال جداً لكل الأطراف. المخطوفون الذين عادوا رووا مدى تعرّض حياتهم للخطر جراء القصف الإسرائيلي. يقول الجيش إنه لا توجد معلومات لا لبس فيها عن حالات قُتل فيها مخطوفون بقصف إسرائيلي. لكن ثمة شبهات بذلك كفيلة بأن تتأكد في المستقبل.
في خانيونس بالذات، حين يكون “السيف على رقبته”، كما قال أحد المحللين، يفترض بالسنوار -حسب نظرية “هدفان للحملة أحدهما يدفع الآخر”- أن ينثني تحت ضغط إسرائيل التي سرعان ما ستصل إليه، والموافقة على شروط لم يسبق أن وافق عليها من قبل. أما عملياً، فقد حصل العكس تماماً؛ استنفدت إسرائيل الخطوة البرية بينما هي بعيدة جداً عنه. هي التي انثنت، وهجرت المخطط الأصلي، وها هي مستعدة لصفقة أخرى تماماً، ربما مثل تلك التي رفضتها، عن حق، في الليلة إياها. فجأة، تغير خط المحللين، وأعلنوا بأن “حماس لم تغلق الباب”. أي باب؟ من أغلق؟ حماس بالذات نعم أغلقت، بما في ذلك المدخل إلى عموم أنفاق السنوار، وكذا باب الصفقة إياها.
شددت الشروط
السنوار يلعبها الآن مع شعور بأنه يعتلي ظهر الجواد في ضوء الضغط الأمريكي على إسرائيل، ومخازن أنفاق مليئة بكل خير، بمخطوفين. لقد شدد الشروط ووصل إلى الأهم من ناحيته: وعد إسرائيلي مشروط بضمانات من دول أخرى، ووقف تام للقتال من جانب إسرائيل دون سقف زمني، إلى جانب تحرير سجناء ثقيلين جداً مقابل الصفقة. تدعي محافل إسرائيلية بأنها مطالب منقطعة عن الواقع. السنوار بالتأكيد شعر بإهانة كبيرة. في السطر الأخير: إسرائيل ضربت حماس، لكنها بعيدة عن القضاء عليها. وبينما هي متخندقة تحت الأرض، ليس لها في هذه اللحظة مصلحة ذات مغزى للوصول إلى صفقة. هناك من يعتقد أن إسرائيل معنية فجأة بصفقة، إذ واضح للجميع أنه سيعين عليها إيقاف المناورة بضغط أمريكي في غضون أسبوعين. وحتى أصحاب الخط الصقري في جهاز الأمن ممن طالبوا مواصلة المناورة، لا حاجة بهم ليعارضوا الصفقة. عملياً، العكس هو الصحيح: ستكون الصفقة فعل نهاية متفائلاً للحرب، ألطف بكثير من أن يقول الأمريكيون لإسرائيل ببساطة أن تتوقف وتنسحب. إذن، ماذا كان تخطيط إسرائيل؟ سألت المسؤول في بداية المقال. “الضربة الرهيبة التي تلقيناها في 7 أكتوبر خلقت لدى الكثيرين في القيادة إحساساً بأن ما حصل رهيب وفظيع لدرجة أنه يحررهم من الحاجة لتخطيط الكثير إلى الأمام. ببساطة، هناك حاجة لضربهم، وبعد ذلك التفكير ماذا بعد”. وماذا بعد؟ “الخيارات التي ستكون أمام قادة الدولة وجهاز الأمن في الأسابيع القريبة القادمة -قال الرجل المجرب جداً- هي خيارات شيطانية وحشية. لكن الأسوأ سيكون اتخاذها دون معرفة أولية بالوضع الذي خلقها، في الواقع”.
رونين بيرغمان
يديعوت أحرونوت 22/12/2023

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية