فاروق يوسفسيقال ان للمرآة وجها آخر. زئبقه لا يزال ساخنا. القطة هناك تبتسم. سيقال إن للإبرة صوتا، حشرجته توجع قلوب الملائكة. هل أنصت لأنين اليرقات؟ سيقال أن للربيع أشجارا تحلق على أجنحة الفراشات. من فوق يبدو البشر متشابهين. غير أن الجمال لا يمكن تركيبه بالإكراه. الوطن إذا اختفى لن تتمكن الذكريات من القبض عليه. يابسته حرير وماؤه زعفران. سيقال اهدأ. ينبوعك يتفجر ماؤه من حصاة والحصاة لا تزال عالقة بمنقار هدهد خيالي. ستكلمنا عن الحنين أولا وحين يصفر القطار يذهب كل واحد منا إلى مصيره. تضحك لأنك قد أخبرتنا في وقت سابق أن فمك يصاب بوعكة حين تسمع كلمة مصير. ‘أنت لاجىء’ ‘إلى الأبد’ كان هناك استعراض للشرطة الملكية. في السراي كان هناك ملك. كانت سدارته تدعى فيصلية لتقلده. يضع العراقيون فيصليته على رؤوسهم ليصبح كل واحد منهم ملكا. استوردوه ليهبوه مصيرا غامضا، فمات من غير أن يفهموا الدرس الذي من أجله استوردوا ملكا. كانت هناك مقبرة لملوك سومر. لم يدفن فيصل فيها. لقد ذهب إلى الاعظمية. مقبرة واحدة لا تكفي. صار للأعظمية مقبرتان. مقبرة للشعب يدعو الأمام النعمان بن ثابت للمقيمين فيها بالمغفرة، وثانية لثلاثة ملوك، لم ينج أحد منهم من القتل. هل قلت أن النهر أخضر؟ مثل عيني بنت المعيدي تماما. مثل سياج ثانوية الحريري. عادلة خاتون ترش ماء الزهر على عتبة جامعها وتجمع اليتامى من أجل أن تعمر رؤوسهم بالقبعات. يتيم بقبعة أفضل من يتيم برأس عارية. شعب بقبعات. لكنها هذه المرة مستوردة من فرنسا. لقد دخلنا مبكرين إلى زمن الخوذة العسكرية. موطني موطني. نركض من أجل أن نلحق بالنشيد. نركض من أجل أن لا تقع الخوذة فيحدث ارتطامها بالأرض دويا قد يستيقظ الاله من نومه بسببه. نركض لكي يكون التوازن ممكنا بين الأرض والسماء. كان همسا ملهما وصدقناه. أقسم الشعب أن لا يخون وطنه. على الخرائط. في الكتب المدرسية. في مكتبات السجون. في تراب الخنادق. في ضربات الطبل بين حاجز وآخر. ستقشرالبصلة نفسها. يأكل الأرنب الملوخية التي كانت ستحتفي به ميتا. لقد بكينا عبدالناصر وشعرنا أننا قتلناه. من قبله قتلنا الحسين. لا بأس أن تنتهي القائمة بصدام حسين. قتلنا القاتل والقتيل ورسمنا خرائط للثأر من أنفسنا. يا غريب كن أديبا. فكان أدباؤنا كلهم غرباء. أرى رؤوسا قد أينعت. رؤوس الخس أم رؤوس البصل تقصد؟ لم يسأله أحد. مر الحجاج كما لو أنه لم يكن. لم نتعلم شيئا من درسه. حين استولى صدام حسين على الحكم عام 1979 كرر مقولة الحجاج. بكى الشعب يومها. بلادي وإن جارت علي عزيزة. لمَ كل هذا الغزل المخنث؟ أهلي الكرام ذبحوا أهلهم. استباحوا بيوت جيرانهم. قطعوا أرزاق ذويهم. كان ذوو القربى أحق بالقتل من سواهم. صارت أملاك الغائبين حقا مستباحا. قانون اسرائيلي ارتضاه العراقيون الجدد نهجا لموهبة جشعهم. سنأكل مرتين في مطعم الجماهير. في الكرنتيلة كنا نتذكر أن ناظم كزار كان شيعيا من العمارة. ولقد أبلى الرجل بلاء حسنا. كان فاتحا في مجاله. سيُسجل لنا أنه كان لدينا عبقري في التعذيب، فريد من نوعه. يقول لك المثقف الستيني ‘لقد قابلته’. كان كزار هو الآخر نتاجا ستينيا. الهمه الحداثيون مهنته. عدو الشيوعية الذي تربى في مقاهيها وباراتها. شيء من عزيز السيد جاسم يذكر به. شيء من عزيز الحاج أيضا. العزيزان يحاوران العزيز أنت. كنا على حق. صرنا على حق. سنكون على حق. دائما يقف الحق إلى جانبنا. الحق معنا. نحن الحق. لا فرق بين رجل الأمن ورجل الكتابة. المثقفون فاسدون. لقد ألبسوا أشعارهم وقصصهم ورواياتهم ورسومهم وكتاباتهم النقدية وعمارتهم خوذا وصاروا يغنون ‘احنه مشينا للحرب’ لم ينقذهم المنفى من أكاذيبهم. لم يزدهم اللجوء إلا كذبا على كذب. لم تقلل الغربة من كمية سائل النفاق في دمائهم. كان كزار ولا يزال يمشي بنا إلى حربه الوهمية. قيل يومها بعد انقلابه الفاشل أنه هرب إلى ايران. سياسيو اليوم يهربون إلى أيران أيضا. رأيت برنامجا في قناة عراقية يقدم الوقائع من وجهة نظر ايرانية. ألا يعرف أحمد الجلبي وهو صاحب تلك القناة أن ايران دولة فاشلة؟ ايران مكروهة. ايران لا يحبها أحد. القاطنون فيها يكرهونها. صار وطني ينتج العينة نفسها من الشباب. موطني موطني، في الملعب فقط. العلم الذي تم اختراعه، في الملعب فقط. اما على المائدة فعلينا البكاء. هل صار البكاء إرثا عراقيا؟ ما هذا البلد؟ مرة نكبر لكي نذهب إلى النهروان، حيث العمل الشعبي ومرة أخرى نكبر لكي نذهب إلى الحسينيات. قل لي كيف تلطم أقل لك من أنت. ألا يحق لنا أن نشعر بالأسى؟ يقال لك الحنين. أظن أن فكرة الحنين هي الأخرى مستوردة مثل الملك العربي الذي مات مسموما في سويسرا وخلف ملوكا مقتولين في بغداد. ابعد يديك عني لكي أفكر. يضحك معلم التاريخ. فلا علاقة بين العقل والعصا. لا علاقة بين ذئبين يختصمان وبين شاة محاصرة. لقد وقفنا صاغرين على القنينة التي ألقيت في البحر. كانت أسماؤنا قد كتبت في اللوح المحفوظ. في أبخرة الكيمياء. كان الملك الأول يجتاز الشارع مطمئنا ليذهب إلى كبة (أبو علي). الملك كان سنيا. هل أخطأ العراقيون في اختياره؟ ربما كان فيصل قد أخطأ في مجيئه. أكان ضروريا له أن يأكل كبة، كانت المصارين (الامعاء) مادتها الداخلية؟ لقد أوقعه العراق في الغواية بعد أن طُرد من سوريا. ‘نحن أمريكان’ قال رجل في الطريق. من أين انبثق ذلك الرجل؟ كان ابو تحسين قد أنجز اسطورته. العراقي المعتوه الذي ضرب صورة الماريشال بنعاله. هل كان ذلك الرجل يدرك أنه صار مادة دعائية؟ من المؤسف أن الرجل كان ممثلا. لم يكن الرجل بطلا مرجئا. أعطيك صوتي لتذهب به إلى الإنتخابات. ولكن عدني قبل ذلك أن تكون عراقيا؟ ‘ولكن ما معنى أن يكون المرء عراقيا؟’ لم يجب احد من المثقفين على هذا السؤال. من غائب طعمة فرمان (روائي) حتى سليم البصري (ممثل)، من رفعت الجادرجي (معمار) حتى صالح القره غلي (نحات)، من رضا علي (مطرب) إلى طه باقر (مؤرخ وآثاري)، من سعاد الهرمزي (مذيع) حتى اسماعيل الشيخلي (رسام). كانت عراقيتنا أشبه بالمعادلة الغامضة. هل ستكون زهور حسين وهي ايرانية ألاصل معنا أم علينا؟ سأغني لك دشتا. لن تكون زهور حسين عراقية إلا بالدشت الإيراني. غريبة من بعد عينك يايمه. أنا غريب. نحن كلنا غرباء. العراقيون غرباء. صوت أخضر يأتي من خلال المرآة يقول لي ‘أخاف أحجي’لقد تكلمنا كثيرا. صرنا مجانين. أنا عراقي إذاً أنا مجنون. أوقفني مجنون ذات مرة في سراييفو. قال ‘هل تصدق اننا فعلنا بأنفسنا ما فعلنا من أجل أن نتأكد من أننا لا نزال موجودين؟’ نظر إلي متسائلا ثم قال ‘ولكن من أين أنت؟’ ‘من العراق’ لطم جبهته وقال معتذرا ‘أنتم عباقرة. لا تكتفون بالألم. لديكم الهام الالم. صناعة الألم معجزتكم’ سأنزلق على الإبرة لكي أكون ابنها. أنا قطة المرآة. ولكن ليس لي وطن. qadqpt